قضية العنف عند كل من النورسي وكولن (٣)

لقد كُتبتْ عشرات المؤلفات ونشرت مئات الندوات والمقالات حول منهج الشيخ النورسي والمدرسة النورسية في شتى بقاع العالم، واحتلت فلسفة السلم والمحبة حيزًا وافرًا في فكر هذا العلامة الكبير، وكما أسلفنا في مقال سابق، فقد تمحورت فلسفة مشروعه الإصلاحي حول مركزية الإيمان والعبادة في هذا المشروع العالمي النوعي؛ وليس مبدأ التعاون إلا فسيلة واحدة من غِراسه وعلامة من روائع ثماره. ولو حاولت استقصاء ذلك لَلَزِمَني شهورًا وأكثر، لكن العبرة بالنتائج، فقد شهد العالم المعاصر كيف دبَّت ريح الإصلاح والتغيير في العالم التركي رويدًا رويدًا إلى أن قطف ثمار هذا الإصلاح من تجاهل فلسفتَه وجحد غرسَه.

لكن ذلك الجحود لم يكن جحودًا عامًّا، فقد تلقف الفلسفة “النورسية ” من استوعبها وأخلص في حبها والإيمان بها؛ إنه رجل المهام الصعبة “محمد فتح الله كولن” الذي أخلص لجهود الشيخ النورسي عبر السير على دربه، والوفاء لتضحياته من خلال تطوير آليات وأساليب تلك الفلسفة الإصلاحية العالمية؛ إذ ما أقل الرجال الذين يُبرزون عظمة الإسلام من خلال إلباسه لباسًا يناسب كل زمان ومكان وإنسان.

فإن كان زمن الشيخ النورسي وجيله يفرض مواجهة الفلسفات الوافدة والتيارات الهدامة في القيم والفكر وغيرها، فقد اقتضى المنطق والحكمة أن يتقدم من يأتي بعد النورسي خطوة إلى الأمام، وذلك ليظهر بعضا من وعوده وبشاراته وفق ما آمن به الناس، وقد كان “فتح الله كولن” رجل المرحلة وبامتياز. نعم وبالقدر الذي كان الشيخ النورسي بارعًا في إخراس الخصوم وإقناع الناس بمنهجه، فقد كان “كولن” أكثر براعة في تنزيل تلك الفلسفة الإصلاحية وذلك الفكر المتنور ليصبح واقعًا ملموسًا أمام أعين الجميع.

بالقدر الذي كان النورسي بارعًا في إخراس الخصوم وإقناع الناس بمنهجه، فقد كان “كولن” أكثر براعة في تنزيل تلك الفلسفة الإصلاحية واقعًا ملموسًا أمام أعين الجميع.

كل ذلك يتعلق بالمشروع الإصلاحي الشامل، أما تفاصيله فقد دوَّخت أصحاب الفلسفات الإنسانية وحيَّرت أهل العقول النيِّرة جرأة وعمقًا وتدقيقًا وشمولاً. وعبر كل تلكم التفاصيل، فقد كان المنهج غاية في الدقة والتدرج والسلاسة، الشيء الذي جعله ينساب وبهدوء ليروي كل جغرافية العالم، ومن خلالها قلوبَ ملايين الحائرين والمنتظرين للإصلاح.

ولأن المناسبة شرط كما يقول الفقهاء، فسأحاول ترويض خواطري لتسعفني كي أحصر الكلام حول ما يخص “قضية العنف” في فكر ومنهج الأستاذ فتح الله كولن. إنَّ من قرأ مقالاً واحدًا أو سمع خطبة يتيمة لهذا الرجل “فتح الله كولن” قد يصعب عليه مجرد التفكير في دعوته للعنف بله اتهامه به. إن المحاولات اليائسة والمتكررة في السنوات الأخيرة لإلصاق تهمة العنف بهذا الرجل، لم تزد مرور الأيام أصحابها إلا يأسًا وفضيحة؛ ذلك أن الناس قد تَقْبل سماع رقص “القرد” فوق سطح البيت، أمَّا أنْ تقْبل ذلك من “الجمل” فهو الحمق عينه.

كان من السهولة بمكان أن يتبنى الأستاذ كولن كل الإصلاحات التي عرفتها تركيا المعاصرة، وحُقَّ له ذلك، نظرًا لما بذله من جهود جبارة في كل المجالات فيؤيده الناس، لكنه لم يقنع بما تهافتَ عليه آخرون حين تبنوا إصلاحات لم يكن لهم فيها إلا الجرأة. وبذلك يصدق في حق كولن قول المتنبي: “وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً          تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ”.

لعله من سذاجة بعض خصوم الأستاذ كولن أن يصفوه ومنهجه بالعنف، وقد كان ممكنًا التلبيس على الناس وإيهامهم بأي صفه أخرى إلا “صفة العنف”؛ ذلك أن مشروع فتح الله كولن أساسًا مبني على “ثقافة اللاعنف” والسلام والتعايش، وذلك منذ مراحله الأولى، وهو أمر ظاهر شهد به الأدعياء قبل الأولياء؛ إذ الخاص والعام وبالتحديد في تركيا، يعلم جيدا الجهود التي بذلها الأستاذ كولن في هذا المجال. بدءًا من التقريب بين الفرقاء داخل تركيا، مرورا بالأقليات والشعوب المجاورة وخاصة الشعب الكردي، وانتهاء بفتح أبواب الحوار على مصاريعها أمام أصحاب الديانات والمعتقدات والفلسفات الأخرى. وكل تضحيات هذا الرجل في مواجهة ثقافة العنف ونشر ثقافة السلام والتعايش أبين من الشمس في واضحة النهار، إلا أن الجميل عند فتح الله كولن في مواجهة العنف بثقافة المحبة واللاعنف هو تجاوزه للكلام والتنظير و”ثقافة الفولكلور” والاستعراضات الشكلية التي باتت موضة العصر، إلى الفعل والعمل الميداني.

الجميل عند فتح الله كولن في مواجهة العنف بثقافة المحبة واللاعنف هو تجاوزه للكلام والتنظير و”ثقافة الفولكلور” والاستعراضات الشكلية التي باتت موضة العصر، إلى الفعل والعمل الميداني.

انطلاقا من هذه المقدمة العامة، سأحاول ملامسة بعض معالم ثقافة “اللاعنف” والمحبة والسلام عند الأستاذ كولن، ليعلم القارئ الكريم بالأدلة الملموسة والواقع المشاهد أن من يتهم فتح الله كولن بالعنف هو المتلبس به حقيقة، وإن بقي في العمر بقية سأشير إلى بعض من ذلك بالأدلة الواضحة والبراهين الفاضحة، حينها سنفهم أن إلصاق تهمة العنف، فضلا عن تهمة “الإرهاب” بالأستاذ كولن هي اتهام حقيقي لمروجيها ودليل على أنهم يريدون أمرًا آخر هم عاجزون عن الكشف عنه اليوم، لكن ومع مرور الأيام ستنكشف الحجب عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الاتهامات، وستعري أصحابها وتفضحهم أمام العالمين، وقد بدت ملامح ذلك عبر تناقض تصريحاتهم، وتشكيك أصدقائهم وتقارير خصومهم، فكل آت قريب.

وإلى ذلك الحين سنحاول توضيح بعض ملامح ثقافة “اللاعنف” عند فتح الله كولن من خلال محورين اثنين مشهورين في منهج هذا الرجل وهما الحركية والفكر. (يتبع)