قضية العنف عند كل من النورسي وكولن (٢)

لقد رأى الشيخ النورسي رحمه الله أن الحلول الناجعة لمحاصرة ثقافة العنف تكمن في ثقافة “اللاعنف”، وذلك عبر الرجوع إلى “الحق “لإعادة تشكيل العقول والقلوب، حتى تستقيم الثقافات، وتكون الفلسفة خادمة للدين، لا مخاصمة له.

بناء على ما سلف، فإن منطلقات هذا الرجل العملاق لمواجهة “ثقافة العنف” بثقافة “اللاعنف”، بدأت -من جهة- بمقارنة الفلسفة المادية التي “رضعتها” فئة واسعة من الأجيال المعاصرة، وخاصة رجالات الدولة الكبار إلا من رحم الله، بالحق من جهة ثانية، وقد استغرق بيانه لذلك حيزًا واسعًا من كتاباته وخطبه رحمه الله.

وبعدما كشف الشيخ النورسي فلسفة العنف ومطارقها، انتقل –رحمه الله- للتفصيل في ذلك عبر بيان العوامل المغذِّية لثقافة العنف، كتفشي “القوة” و”المنفعة” و”الصراع” التي أصبحت ديدن كل من سوَّلت له نفسه قيادة الجماهير وزعامة الأمة.

وبعد جولات مع تلكم العوامل المساهمة في غرس “ثقافة العنف” وترسيخها في القلوب بعد العقول، توقفَ طويلاً لبيان الحلول الجذرية التي رآها كفيلة بمحاصرة “ثقافة العنف”، بل القضاء عليها، عبر تأسيس ثقافة “اللاعنف”. ومن هذه الحلول التي بينها رحمه الله:

الحل الإيماني

ينظر الشيخ النورسي -رحمه الله تعالى- إلى “قضية العنف” عند خصومه على أنها انحراف سلوكي نتيجة ضعف الإيمان أو غيابه، الشيء الذي يتسبب في ظلم شنيع وآلام لا حصر لها. يقول رحمه الله تعالى:

التعاون بدل الصراع والعنف، هو أفضل طريق لتحقيق التفاهم والوصول إلى الأهداف

“إن إنزال سكينة الإيمان في قلب من يعاني آلامًا معنوية رهيبة للضلالة إذا ما نُظر إليه بنظر التوحيد، يجعل ذلك الشخص الفرد العاجز الفاني عبدًا مخاطبًا لمعبوده العظيم، سلطان الكون ورب العالمين، ويمنح له بذلك الإيمان سعادة أبدية وملكًا خالداً جميلاً في منتهى السعة والجمال…”[1]

وقد توسل إلى بيان أهمية الإيمان في دفع “معضلة العنف” ومحاربتها بطرق عدة، مع بيان فضل الإيمان عليه منذ خالط قلبه، وفي ذلك من الإغراء بسلوك طريقه ونهج منهجه ما يفهمه كل لبيب، حيث قال في أحد شعاعاته: “فمذ عرفت هذا السر من القرآن ونور الإيمان شعرت بسرور يملأ كياني كله وولَّى عني ذلك اليأس القاتم”[2].

فالشيخ النورسي يبين كيف يحوِّل الإيمان أصحابه إلى قوة مهيبة لا تجاريها قوة، حتى يصبح “العنف” أمامها ضعيفًا باهتًا لا أثر له. يقول: “فلا شك أن نور الإيمان الذي بسط ذلك الانتساب والعبدية هو الذي يجعل النمل يغلب فرعونًا بقوة ذلك الانتساب، بل له أن يفتخر بذلك الانتساب فخرًا يفوق ألف مرة فخر فرعون السادر في الغفلة الظانّ نفسه حرًّا سائبًا، يفتخر بأجداده الفراعنة وبملك مصر، ذلك الفخر الذي ينكسف لدى باب القبر…”[3]

بل إن الشيخ النورسي يفتخر وفي شموخ، بنبذ العنف عن طريق التمسك بالإيمان الذي سرعان ما يُحوِّل آلام الظالمين وعنفهم إلى ثمرة ونتيجة طبيعية لكل من يسير في درب الصالحين المصلحين، تتمثل في الفوز برضى الله تعالى والسعادة في الدارين. فتأمل لكلامه: “حينما اشتد خناق الأمراض وألوان الغربة وأنواع الظلم عليَّ، وجدتُ أن علاقاتي تنفصم مع الدنيا، وأن الإيمان يرشدني بأنكم مرشَّح لدنيا أخرى أبدية، وأنك مؤهل لمملكة باقية وسعادة دائمة، ففي هذه الأثناء تركتُ كل شيء تقطر منه الحسرة ويجعلني أتأوّه وأتأفف، وأبدلته بكل ما يبشِّر بالخير والفرح ويجعلني في حمدٍ دائم. ولكن أنَّى لهذه الغاية أن تتحقق وهي غاية المنى ومبتغى الخيال وهدف الروح ونتيجة الفطرة، إلا بقدرة غير محدودة للقدير المطلق…”[4]

فأمام كل ألوان العنف الممارس عليه رحمه الله، وما كابده من غربة ونفي وبُعد عن الأصحاب وشوق للأحباب، أمام هذا الإرهاب كان للإيمان الصادق الذي سكنه دور كبير في إنقاذه من كل شعور بالضعف إزاء كل ألوان العنف التي مورست ضده، بل انقلب كل ذلك لذة وسعادة حيَّرت الخصوم الذين يتألمون بسبب سعادته الدائمة وبحمده لمولاه، رغم كل ما يلاقيه من تعنيف.

الشيخ النورسي يبين كيف يحوِّل الإيمان أصحابه إلى قوة مهيبة لا تجاريها قوة، حتى يصبح “العنف” أمامها ضعيفًا باهتًا لا أثر له

ولو حاولت بسط الكلام في هذا المقام، كما بسطه صاحبه رحمه الله، لتأكد البعيد قبل القريب كيف يتحول العنف إلى لذة وسعادة بالنسبة للمؤمنين، وكيف ينقلب هذا العنف على أصحابه إلى حسرة وندم وخسارة عظيمة ولو بعد حين. ولكني لا أريد أن أثقل على القارئ الكريم.

الحلالعبودي”

وعلى نهج علماء المسلمين، يعتبر الشيخ النورسي -رحمه الله- العبادة الحقيقية الضمان الوحيد للبعد عن كل ألوان العنف وأصنافه، بل هي الفيصل بين الربح والخسارة والألم والسعادة. أما العنف فهو فسق وسفه، بل هلاك محقق لا يمكنه أن يخالط العبادة، وإلا فهي عبادة مغشوشة وقال: “العبادة تجارة عظمى وسعادة كبرى، وإن الفسق والسفه خسارة جسيمة وهلاك محقق”[5]

إن العنف في رأي الشيخ النورسي، تعبير عن نوع من الرفض بل الكره لشيء أو شخص ما، فهو بذلك خصيم الحب والمحبة التي تُعدُّ ثمرةً للعبادة وأحد فروعها. والنتيجة هي أن كلا من سلوك “العنف” أو “المحبة” لدى الإنسان يعد حقيقة ظاهرة معبرة عن جانب مهم من أخلاقه الباطنة. قال رحمه الله: “أما لمحبة؛ فإن من تحبه، إما أنه لا يعرفك، فيرحل عنك دون توديع – كشبابكَ ومالكَ – أو يحقِّرك لمحبتك! ألا ترى أن العشاق يشكُون من معشوقيهم، ذلك لأن عشق محبوبات دنيوية لحد العبادة بباطن القلب الذي هو مرآة الصمد ثقيل على المحبوبين، إذ الفطرة تردّ ُكلَّ ما ليس فطريًا وأهلاً له.”[6]

لقد توسع -رحمه الله- في بيان علاقة العبادة بالعنف بتفصيل كبير نظرًا لأهميتها، فاعتبارًا لكون العبادة الحقة هي كامل الطاعة والخضوع مع خالص المحبة وصادقها، وبناء على أن “العنف” سفه وفسق” فلا يمكن أن يجتمعا في قلب إنسان مؤمن.

الحلالتعاوني”

نتيجة لما عاناه الشيخ النورسي من عنف وتعنيف، فقد نبَّه إلى أنَّ أحد أسس هذا المرض الخبيث هو تضخم “الأنا” الذي يُشعر صاحبه أنه بقدر تفننه في ممارسة العنف سيبلغ مناه ويحقق رجاه. والحال أن التعاون بدل الصراع والعنف، هو أفضل طريق لتحقيق التفاهم والوصول إلى الأهداف. لكن جهل الإنسان بحقيقة “أنا” يُعزِّز شعوره الخادع بالقوة ويجعله أكثر ظلمًا للناس. قال رحمه الله: “ثم إن ماهية” أنا “حرفية، أي يدل على معنىً في غيره، فربوبيته خيالية، ووجوده ضعيف وهزيل إلى حدٍّ لا يطيق أن يحمل بذاته أي شيء كان، ولا يطيق أن يُحمَل عليه شيء، بل هو ميزان ليس إلا؛ يبين صفات الله تعالى التي هي مطلقة ومحيطة بكل شيء، بمثل ما يبيِّن ميزانُ الحرارة وميزان الهواء والموازين الأخرى مقاديرَ الأشياء ودرجاتها.”[7]

عمل هذا العالم الجليل على محاصرة “ثقافة العنف” عبر تأسيس “ثقافة اللاعنف” ونشرها على أوسع نطاق، ولم يدخر جهدًا في تعليم ذلك لتلاميذه ومحبيه والناس أجمعين.

إن تجنَّب العنف وتجاوز الظلم لا يكون إلا بربط المنطلقات بالأهداف بالنسبة للشيخ النورسي، فالذي لا يُلقي بالاً لأهمية الإيمان في الحياة، لا يفهم معنى الإيمان الصحيح ولا يتذوق معاني العبادة الحقة، ومن ثمة تفوته الغاية السامية من وجوده أصلاً وهي التعاون، بدل الصراع والعنف. وبذلك يُعول على أنانيته، فيمارس العنف، ويتخبط في الضنك فلا يعرف سبيلا للتعاون. والله تعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات:13)

ويقول الشيخ النورسي رحمه الله: “ولكن إذا نسي” أنا” حكمة خلقه، ونظر إلى نفسه بالمعنى الاسمي، تاركًا وظيفته الفطرية، معتقدًا بنفسه أنه المالك، فقد خان الأمانة، ودخل ضمن النذير الإلهي…”[8]، نعم خان أمانة التعاون وخان أمانة الرحمة وخان أمانة المحبة، وهل من فساد أكبر من هذا الفساد وأعظم؟

هكذا عمل هذا العالم الجليل على محاصرة “ثقافة العنف” عبر تأسيس “ثقافة اللاعنف” ونشرها على أوسع نطاق، ولم يدخر جهدًا في تعليم ذلك لتلاميذه ومحبيه والناس أجمعين، بل لم ييأس من التوجه إلى أهل كل الدنيا من خصومٍ ومخالفين، وإلى أهل كل دين ليقول لهم بروح الإيمان الذي تشرَّبه، وبمحبة العبادة التي خالطت قلبه: “وليطمئن غير المسلمين بأن اتحادنا هو الهجوم على هذه الصفات الثلاث[9]، ليس إلا، وبالنسبة إليهم فسبيلنا الإقناع، لأننا نعتقدهم مدنيين، وإننا مكلفون بأن نظهر الإسلام بمظهر الجمال والحسن المحبوب. لأننا نظن فيهم الإنصاف”[10].

بل لا يفوتني في هذا السياق التذكير بمقولته الذهبية، والتي أصبحت مثلاً سائرًا لذي كثير من أبناء المسلمين اليوم وهي قوله: “نحن فدائيو المحبة وليس لنا وقت للكراهية”[11].

لكل ما سلف نقول: أما آن لأصحاب “ثقافة العنف “ودعاتها أن يهتدوا بهدي هذه الرسائل النورية؟ أم أنَّ القدير سبحانه قدَّر غير ذلك، فنسأله اللطف فيما جرت به المقادير. (يتبع)

[1]: انظر تفصيل ذلك في الشعاع الثاني ص: 9.

[2]: الشعاع الثاني  ص: 13.

[3]: أنظر المصدر السابق.

[4]: الشعاع الرابع ص: 75 .

[5]: . الكلمة الثالثة  ص: 12.

[6]: الكلمة الرابعة والعشرون ص: 411.

[7]: الكلمة الثلاثون ص: 637.

[8]: الكلمة الثلاثون ص: 638.

[9]: ويقصد بذلك محور مشروعه الكبير وهي: الجهل والفقر والفرقة.

[10]: نقلا عن كتاب السلام و التسامح في فكر فتح الله كولن / لزكي ساري توبراك: أنظر رسائل النور، سيقل الإسلام ،الخطبة الشامية ص498.

[11]: المصدر السابق.

About The Author

أ.د. عبد المجيد أبو شبكة، أستاذ التعليم العالي، ونائب رئيس شعبة الدراسات الإسلامية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة -المغرب، وعضو فريق دكتوراه: "فكر الإصلاح والتغيير في المغرب والعالم الإسلامي"، ومستشار بجهة الدار البيضاء سطات. له عديد من الأعمال العلمية ومنها: "دور العمل الاجتماعي في التنمية": مشروع تكويني... "فلسفة جديدة لفهم القرآن الكريم" كتاب مطبوع وهو من وحي كتاب أضواء قرآنية للأستاذ فتح الله كولن. نُشر له عدد من المقالات في عديد من الصحف والمجلات.

Related Posts