قضية العنف عند كل من النورسي وكولن (٨)

إن قضية فقه النصوص هي الفيصل بين مدارس الإصلاح والتغيير وزعمائه اليوم، فالمحاولات والمشاريع الناجحة في كل أقطار العالم لمحاربة العنف هي التي استطاعت أن تفقه النصوص فقهًا شموليًّا معاصرًا يراعي المكان والزمان والإنسان، ويتناغم مع العقد الاجتماعي العالمي في ظل رسالة الإسلام.

إن منهج فتح الله كولن في تقديري يعد إكسير المعضلات المعاصرة وبدون منازع.

فإذا كان فقه النصوص هو الذي جعل الأستاذ النورسي يتفوق على خصومه في مواجهة العنف في أكثر من مناسبة، وبشكل سلمي ساد فيه نفس الرحمة والتعاون وقيم المحبة والسلام التي جاهد من أجلها طيلة حياته رحمه الله، فإن ما يميز منهج الأستاذ كولن اليوم، هو تعميق وتجديد هذه الرؤية من خلال فقه إنساني للنصوص، لاتخطئه العين في الفكر والخطب والحوارات والكتابات؛ بل إن منهج فتح الله كولن في تقديري يعد إكسير المعضلات المعاصرة وبدون منازع. ومن أراد أن يتعرف على معالم هذا الفقه في معالجة معضلة العنف، فليرجع إلى كتابه “أضواء قرآنية” في فقه النص القرآني؛ ومن رغب في تأمل ذلك المنهج من خلال السنة النبوية فعليه بقراءة كتابه “النور الخالد”؛ ومن التمس معرفته عبر فكر عالمي معاصر فعليه بكتاب “ونحن نقيم صرح الروح” وكتاب “ونحن نبني حضارتنا”؛ وقد تجد ذلك المنهج حاضرًا في كل أعماله. وبعميلة مسح عامة للجغرافيا الفكرية لفتح الله كولن ستجد قضية العنف ومداخلها تحتل مكانة خاصة عند هذا الرجل. بل لا أبالغ في القول إن هذا الرجل وجدته شديد الحساسية لموضوع العنف والتشدد، بل وكثير الحذر في سد كل الدرائع المؤدية إليه. إذْ كيف يُعقل أن يعيش هذا الرجل في دوامة من الاتهامات والظلم ولايقوم حتى بردود الفعل الطبيعية عند عامة الناس، في حالة الخصومة فضلا عن الظلم، بل إني لم أره يهش بيده في هذا الموضوع. وهب أن هذا الرجل قد سل الله سخيمة قلبه، فما بال ملايين التلاميذ فضلا عن المحبين! ولو تحرك بعض هؤلاء بعنف أو بردود فعل غير محسوبة لأحرقوا البلاد، ولغيروا معالم الدولة كما يشاؤون، لكن الله سلم. أما مسرحية الانقلاب الفاشل، ومحاولات اتهام فئة من هذا المعدن النفيس، فلم يُصدقها حتى رجال الدولة وأعيانها كما سمعنا في تصريح رئيس الوزراء. وإن استحضار هذا السيناريو فقط كافٍ للتأمل في العمل الجبار الذي قام به الأستاذ فتح الله كولن في استئصال معضلة العنف من فكر وثقافة جيل بل أجيال متتالية في تركيا بل وفي كثير من بلدان العالم.

إن فقه الأستاذ كولن للنصوص جعله يحلق في عالم دلالاتها، فيستصحب ثقافته الإسلامية الأصيلة ويعجنها بقيم العالم الإنسانية، ثم يخلط ذلك بكثير من علوم العصر ومناهجه ليقدمها خميرة وشرابًا سائغًا لأكثر من جيل من تلاميذه الذي أبهروا العالم اليوم بقيمهم. فتأمل هذا الكلام: “ولكن العالم الآن قد تمدن وتحضر في معظمه، لذا فالغلبة الآن تتم عن طريق الإقناع وعن طريق العلم وعن طريق المحاورة والكلام أكثر مما تتم عن طريق القوة والعنف”[1]. و عملية مواجهة العنف بالنسبة للأستاذ كولن عبر أسلوب الحوار ليست سوى شقٍّ من المنهج؛ إذ الرجل يعمل على تخلية السلوك من كل ما من شأنه أن يكون نواة للعنف عبر الفكر أولا، ثم تأتي المرحلة الثانية في المنهج وهي التحلية بكل القيم الطاردة لقيم العنف والمخاصمة لها؛ مثل الرحمة التي سبق الحديث عن مكانتها عنده وفي الإسلام، وبذلك يجعل تلاميذه يعايشون الناس إلى حد العشق والذوبان. يقول: “إن إنساننا في الوقت الحاضر أحوج ما يكون إلى المحبة والشفقة والكلام الطيب والصوت الأنوس الحنون بدلاً عن القسوة والعنف والضرب والقتل. فالمنتظَر منا اليوم خفض جناح الرحمة والشفقة على الجميع حتى نسمع أنّاتهم في قلوبنا، وتستشعر قلقهم واضطرابهم في نفوسنا، فتشاركهم في الأفراح والأتراح. ومتى ما تحقق هذا فقد تحقق إذن عمل مهم تنتظره الإنسانية”[2]

الإسلام ليس ذكر مناقب الأولياء أو الاستماع إليها فحسب، بل هو تحويل ما يُذكر عنهم إلى حياة معيشة.

هكذا يتدرج الأستاذ بهذا المنهج حتى يصبح القلب مرآة لكل القيم الخيرة. “ثم إننا نرى أن القلب السليم هو القلب السالم عن كل ما يضر الناس، ذلك أنه ورد في الحديث الشريف:”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” وهذا تعريف خاص، ولكنه تعريف ممتاز. فعلى المسلم ألا يمد لسانه ولا يده لإيذاء أي شخص”[3]

هو إذن منهج الأستاذ كولن في فقه النصوص، وهي مرحلة مبكرة للخوض في أي موضوع أو التطفل على أي مجال، بله الاجتهاد واقتراح البدائل. وإن قضية العنف والتشدد وغيرها من القضايا، تمر عند الأستاذ كولن بهذه المرحلة المركزية إلى أن تفهم وتنخل لتصبح جلية واضحة وجاهزة لما بعدها من المراحل. وكل ذلك بطريقة الأستاذ الخاصة التي ميزته برؤيته الشمولية عن غيره من علماء العصر. يقول: “إن الإسلام نظام إلهيّ يربط العلم بالعمل ربطًا محكمًا. ففي إحدى جانبيه الإيمان، والجانب الآخر تحويل هذا الإيمان إلى عمل وفعالية. نعم، إن ذكر أعمالِ وعباداتِ الآخرين وروايةَ حكايات عنهم جميل من جهة لما فيها من عبر وعظات، ولكن الاكتفاء بهذا القدر فقط دون القيام بتطبيق تلك الأعمال في الواقع يؤثر تأثيرًا سلبيًّا في المقابل. فالإسلام ليس ذكر مناقب الأولياء أو الاستماع إليها فحسب، بل هو تحويل ما يُذكر عنهم إلى حياة معيشة. نعم، الإسلام إيمان وعمل. فالذين يتكلمون عن العمل الإسلامي من دون أن يدركوا أن الإسلام إيمان وعمل كلامهم هذر ليس إلا”[4].

هذا غيض من فيض فقه فتح الله كولن للنصوص، في معالجة قضية العنف والتشدد، وفيما يلي سنتوقف عند المنحى الثاني “فقه الواقع” في منهج هذا العالم الكبير لمواجهة هذه المعضلة، إن شاء الله تعالى. (يتبع)

الهوامش:

[1] : أضواء قرآنية دار النيل ط5، 2010م، ص128.

[2] : انظر كتاب “طرق الإرشاد” دار النيل ط4، 2008، ص30.

[3] : انظر كتابه “أسئلة العصر المحيرة” دار النيل ط4، ص221.

[4] انظر كتاب “طرق الإرشاد” ص94.

About The Author

أ.د. عبد المجيد أبو شبكة،أستاذ التعليم العالي، ورئيس شعبة الدراسات الإسلامية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة-المغرب، وعضو مجلس الكلية. منسق ماجستير"الاجتهاد التنزيلي" وعضو فريق دكتوراه: "فكر الإصلاح والتغيير في المغرب والعالم الإسلامي"، مستشار بجهة الدار البيضاء سطات. له عديد من الأعمال العلمية والفكرية منها: كتاب"فلسفة جديدة لفهم القرآن الكريم" وكتاب "ري الظمآن في عد آي القرآن" وكتاب "علم العدد ". نُشر له عدد من المقالات والحوارات في مجموعة من الصحف والمجلات الوطنية والدولية.

Related Posts