شهدت تركيا منذ عقود جهودًا جبارة لكُولَن وأقرانه وأشباهه في سبيل بناء الفرد التركي الصحيح، واستنهاض الوطن التركي لإعادته إلى “المتن” بعد أن تدحرج إلى “الهامش”، وبواكير النجاح الفائق بادية للعيان.

لقد ربَّى كولن تلاميذه على الدوران حول المقاصد، فلا استهداف إلا للمقاصد، ولا دوران إلا حول الكلّيات، ولا تمركز إلا حول الأصول، وكذا على التنافس للإبداع والتكامل في المتغيّرات، مع امتحان الوسائل وتجديد الأساليب وابتكار الآليات.

ربّاهم على الحركية والفكر واستكشاف خط السير قبل الخطو، والتخطيط لقادم الأيام، واستشراف المستقبل، والتحكم به وصولاً إلى صناعته.. ربّاهم على احترام التخصصات، وتقدير الخبرات، وتنمية المواهب، والاستفادة من التجارب، وعلى الهجرة من الفوضى إلى النظام، ومن التواكل إلى التوكّل، ومن الارتجال إلى التخطيط، ومن الخلط إلى المرحلية.

ومع مرور السنوات صارت دعوة كولن ملء السمع والبصر، وأثمرت ثمارًا يانعة، لأنها قامت على الإيمان في المنطلق، والشمول في الرؤية، والتوسط في الحركة، واليسر في الدعوة، ولأنها استهدفت التجديد، وتوسّلت بالتخطيط، وسارت في دروب المرحلية وسياسة النفس الطويل، ونأت بنفسها عن سُبل العجلة وإحراق المراحل وطيّ المسافات، ولم تقفز فوق الواقع، وحرصت على لجم العواطف، وضبط الانفعالات، وتجنّب مواطن الزلل وردود الأفعال، وابتعدت عن سياسية السير على الحرف حتى لا تنجرف إلى الهاوية!.

لقد ظلّ ديدنه وشغله الشاغل بناء “الإنسان الجديد” وإيجاد “الجيل الذهبي” بإكساب هذا الجيل “بوصلة” العقل وتمتين صروح الروح.

ومن يقرأ -مثلاً- ما كتبه حول صفات وارثي الأرض، سيجد أنه يركّز على إيجاد “الإنسان الكامل” ومن أجل ذلك استخرج من الوحي وَصْفَة “الإيمان الكامل” وملأ القلوب بـ”العشق الكامل” وبنى العقول بـ”التوجه الكامل” نحو العلم و”القراءة الكاملة” للكون والإنسان والحياة، وربّا تلاميذه على “الحرّية الكاملة” في التفكير، و”الائتلاف الكامل” مع مكونات مجتمعهم، و”الإتقان الكامل” للعلوم، ولاسيما الفكر الرياضي.

المصدر: عبقرية فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ2، 2013م، ص113ــ 114.

ملحوظة: المقال وعنوانه من تصرف محرر الموقع.