يبحث الناس جميعاً على مر العصور عن السعادة، ويجدُّون في طلبها على اختلاف أفكارهم ومبادئهم، ويتحدث كثير من المفكرين والأدباء وعلماء الدين عن مفتاح السعادة، وفتح الله كولن أحد أشهر علماء الإسلام ودعاته المعاصرين على مستوى العالم، فما هو مفتاح السعادة كما يراه كولن؟ وكيف السبيل للإنسان كي يعيش سعيدًا؟

الدين والسعادة

يرى فتح الله كُولَنْ: “أن الإنسان لم يصل منذ وجوده على الأرض وحتى يومنا الحالي إلى الطمأنينة الحقيقيّة وإلى السعادة إلَّا في جوّ الدِّين الدافئ، فكما لا يمكن الحديث عن الأخلاق الرفيعة وعن الفضيلة في غياب الدِّين لا يمكن الحديث عن السعادة أيضًا في غيابه، ذلك لأن منبع الأخلاق والفضيلة هو الضمير، والعنصر الوحيد الذي يحكم الضميرَ هو الدِّين الذي هو عبارة عن الارتباط بالله تعالى…

لم يصل الإنسان منذ وجوده على الأرض وحتى يومنا الحالي إلى الطمأنينة الحقيقيّة وإلى السعادة إلَّا في جوّ الدِّين الدافئ.

الدِّين مدرسةٌ مباركةٌ تدرس فيه جميع الأخلاق الجميلة، وطلاب هذه المدرسة هم الناس جميعًا أطفالًا كانوا أم شبابًا أم شيوخًا، والذين ينتسبون لهذه المدرسة سيجدون في رحابها الطمأنينة والأمن والهدوء، أما الباقون خارجها المتخلّفون عنها فسيخسرون كلّ شيءٍ، وأول ما يخسرونه هو أنفسهم.

الدين والعلم

يرى فتح الله كولن أن العلم يشكّل جانبًا من حبّ الحقيقة بينما يشكّل الدِّين الجانب الآخر منها. أجل، هناك علاقةٌ بين الوجود وشعور الإنسان وإدراكه، يقفُ الكشفُ عن الحقيقة وتحديدُها في جانب من تلك العلاقةِ، بينما يحتلُّ الموقفُ الذي سيُتَّخذُ تجاهَ الحقيقةِ الجانبَ الآخر منها، ويتبع العلمُ الأمرَ الأوّلَ بما فيه من مصادر المعرفة الدينيّة، بينما يحدّد الدينُ الأمر الثاني، ونظرًا لأن الدِّين مستودعُ علمٍ واسعٌ بما فيه من مصادر المعرفة؛ فإن عشق الحقيقة عنصرٌ حيويٌّ بالنسبة للولع بالحقيقة، كما أنه ديناميّة مهمّة، ودليل واضح الأسلوب في المواضيع التي تتجاوز أفق المعرفة، لكنه عميق الأداء غيرُ مضلّل، ومع أنه أمكن دائمًا تضييقُ أفق العلم بحيث جُعل بمثابة شيءٍ احتياطيٍّ لفكرٍ وتيّارٍ ومبادئ معيّنة، وجُعل وكأنه غولٌ لا يُطاق، مشاكسٌ يقطع طريق الحقيقة؛ فمن المحتمل دائمًا أن يقدّم الدينُ -الذي هو حقيقةٌ سماويّةٌ- على أيدي الفكر المتعصّب وكأنه مصدر لمشاعر الحقد والكره والغيظ والانتقام.

مهما تغيّرت الدنيا وتبدّل حالها، ومهما تقدّم مستوى العلم، ومهما تبدّلت قناعات الإنسان وآراؤه، فإن الشعور الدينيّ قد أثبتَ عبر التاريخ أنه المؤثّر الأوّل في تشكُّل الحياة العلميّة والفكريّة.

ويؤمن فتح الله كُولَنْ بأنه: “مهما تغيّرت الدنيا وتبدّل حالها من حالٍ إلى أخرى ومهما تقدّم مستوى العلم والعلوم الطبيعية، ومهما تبدّلت قناعات الإنسان وآراؤه فإن الشعور الدينيّ قد أثبتَ عبر التاريخ أنه المؤثّر الأوّل في تشكُّل الحياة العلميّة والفكريّة وكان العامل الأوّل في نشأة حضاراتٍ جديدةٍ ونموّها، وتكامل البشريّة، ولا يزال كذلك إلى اليوم، وبفعل قوّته الساحرة هذه؛ يؤثر في قسمٍ عظيم من الدنيا، وسيظلّ يحافظ على تأثيره باعتبارهِ المؤثِّر الأول.

خواء الروح وتعاسة الإنسان

يرى كُولَنْ أن ما تعانيه الإنسانية اليوم هو خواء القلب والروح، إلا أن الجهود والمساعي جميعها تُوجَّه لإشباع الرغبات الجسمانيّة فحسب، وهذا “خطأٌ” عظيمٌ، ويرى أيضًا أن محاولتنا ريَّ عطشنا بشرب ماء البحر لا تختلف شيئًا عن محاولاتنا تسمين أجسادنا وأبداننا لأجل إزالة جوعنا المعنويّ وحاجاتنا المعنويّة، حيث إن الجوع والعطش الحقيقيّين للإنسانيّة جمعاء يكمن في البُعد عن روح الدِّين الحقّ أي عن روح الإسلام وهو لا يقصد بـ”روح الإسلام” تلك التي فقدت بريقها وبهت لونها الآن من وجهة نظرنا وتقييماتنا، وتبخّرت باعتبار سحرها السماويّ، وإنما يقصد بها روح الإسلام التي لا تزال محسوسةً بأطيافها وزخارفها في طائفةٍ من الأرواح النقيّة الطاهرة، والتي أحسّ بها الإنسان وعاشها في عصر السعادة.

 

المصدر: من كتاب “فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري”