سؤال: يربط العديد من الكُتَّاب في الولايات المتحدة والغرب تطور الغرب بـ”عصر النهضة”(Renaissance)، فهل من الممكن نهضة في العالم الإسلامي؟ أو هل هي ضرورية؟ ماذا تعتقد فيما يتعلق بهذه القضية؟

جواب كولن: النهضة تُمثِّل ميلادًا جديدًا كما تُمثِّل إحياء ويقظة. ويقول البعض إن النهضة كانت تُمثِّل تيَّارًا يدعو إلى العودة إلى المنابع الرئيسة وإعادة قراءتها وتقويمها. ويعتقد البعض أيضًا أن تركيز هذه الحركة كان على القيم السياسية والقضائية والأخلاقية الخاصة بالعصور القديمة من خلال التركيز على الكتابات الكلاسيكية في مجال الفكر، والتركيز على الصوفية الأسطورية. فإذا كانت النهضة هي كل هذه الأشياء فل نستطيع أن نقبل كل هذه الجوانب، مع أن بعضها جدير بالثناء.

وإذا كانت النهضة-كما يرى البعض- تعني مرحلة الفردية التي تمثَّلت في الثورة التي تزعّمها فلاسفة مثل “جوول ميشيليه” ضد هيمنة السلطات الدينية والزعماء الروحانيين، وتم فهمها باعتبارها مؤيدة للحرية والنقد ومضادة للدين بشكل كامل وخطير باسم الفردية، والتي يُرجعها البعض لإيطاليا ويربطها بفلسفة مثل “دانتي” و”جيوتو دي بوندوني” فإنه يستحيل أن نراها في صالح الإنسانية وفائدتها، ولا يمكن أن نقبلها على صورتها هذه.

وثمَّة تفسير آخر لا نستطيع أن نقبله وهو أن بعض المفكرين الذين كانوا مرتبكين نتيجة للفكر المشوش في الغرب قد اعتنقوا فلسفة “الإنسانية” في شكل متطرف، وتسببوا في اختلال آخر في الفكر.

أما إذا كانت النهضة تعني إعادة اكتشاف للقيم الإنسانية المفقودة…

وتوجُّهَ البشر نحو الأخلاق والقيم العالمية الإنسانية… ومساءلةَ الديكتاتورية وإنهاءَ حكم الحكام المستبدين، والعملَ من أجل مجتمع ديمقراطي…

ورعايةَ الإنجازات العظيمة في الفنون الجميلة…وقراءةَ الآيات التكوينية التي أُهملت ونُسيت لوقت طويل قراءة دقيقة…وانتشارَ عشقِ الحقيقة والرغبةِ في البحث وحبِّ المعرفة… والتعبيرَ عن ضرورة الدين وفقًا لفهم هذا القرن الذي نعيش فيه، وبأسلوب جديد وطريقة جديدة… إذا كانت النهضة تعني كل ما ذكرناه فقد حقق الإسلام نهضة مثلها بأروع شكل في قرنيه الثالث والرابع، وقدَّم للنهضة الغربية نموذجًا مثاليًّا.

إننا نؤيد بكل إخلاص نهضة مثل هذه ولن نزال، إننا نبحث عن انبعاث ونهضة للعقل والقلب والروح والتفكير. أما حصاد ثمرات تلك الجهود والمساعي فمن المتعذر أن نحدد له وقتًا من الآن، فلكل شيء وقت مناسب، وسوف ننتظر ونرى، وكما يُقال: “قبل أن تطلع الشمس، أكنت تدري ماذا وراء هذا الظلام الدامس؟”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: زكي ساري توبراك وآخرون، السلام والتسامح في فكر فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2014م، صـ133/ 134/ 135.

ملاحظة: عنوان المقال من تصرف محرر الموقع.