الوجودُ مجتمعًا يترنَّم بأشجى الألحان، والكونُ متِّحدا يضُوع بأعذب النغمات. ليس في الوجود ولا في الكون قدرَ “مفحص قطاة” إلاَّ و“أوركيسترا التسبيح” تُعزَف بأرقِّ النبرات، وتُنشَد بأحلى الكلمات.

– لكن، ما لنا لا نسمع ولا نحسُّ، وما دهانا لا نتملَّى ولا ننتشي؟!

منافذ القلوب

يجيبنا الحكيم أنَّ:

تهبُّ على المؤمن نسائم التجلِّي في وقت السَّحَر، ويتهيأ فيه المؤمن لولوج عالم المعاني.

– “الذين يستطيعون الاستماع إلى الوجود من خلال منافذِ قلوبهم، تنقلب الأيام والليالي المباركَة لديهم إلى شاعرٍ يتكلَّم بلغة ما وراء هذا العالم، وإلى ملحِّن لألحان موسيقى مِن عالم آخر، فيهمسان في قلوبنا أعذب الكلمات والألحان“.

– إذن، يا سيدي، هذه النفحاتُ ليست الآذان بقادرةٍ على التقاطها؛ وإنما هي من “ذبذبذات” القلوب المرهفة، الضارعة، الحية، الصاحية؟!

– نعم، بمثل هذه المقامات العليَّة تتحوَّل أجزاء اليوم إلى “ألسنة للمباني”، وإلى “مصادر للمعاني”، فتلهج للجليل، وتأوي إليها كلَّ جميل؛ فنكتشف حينها أنَّ “الصباح كأنه سعادة الخطوة الأولى في دخول الجنة“، وأنَّ “الظهر لحظةُ الفرحة لرؤية الحبيب والتملِّي بحسنه“، وأنَّ “المغرب أوانُ سعادة المشي لوصال الحبيب عند إقبال الظلام“.

– وما بال الليل يا سيدي؟

يجيبني فتح الله، العبراتُ منهُ تسابق العِبارات، ودمع العين ينافح الكلمات:

– “أمَّا الليل، فهو أوان لأنواع لا يستوعبها العقل والإدراك من ألوان جمال الخلوة“.

وخلاصة المعنى، أنَّ كلَّ جزء من أجزاء اليوم، وأنَّ كلَّ وقت من هذه الأوقات، “يمرُّ بطعم وبلذَّة مختلفةٍ، ثم يذهب ويغيب“، وأنَّ رياحين هذه الأزمان، وعصارة تلكم البدوات “تَهبُ لأرواحنا أقداح الفرح والحزن، وتلفُّنا بسحرِ الخلوة، وتفتح مغاليق ألسنتنا لنبثَّ لواعجنا“.

في كل محطة سر

من سيُدعَى للسياحة إلى الماوراء، يُختار دوما من بين من أحيوا أوقات السَّحَر.

ليس ثمة ليل ولا نهار، ولا مشرق ولا مغرب؛ وإنما هنالك “نور وظلام”، “خير وشر”، “حقٌّ وباطل”؛ ولذا كان “أحلكُ وقت للظلام، هو في الوقت نفسه بشائر أنوار الفجر”، وبسبب ذلك لا تزال “الأنوار تغدق على الروح من الجهات الأربع، وينبثق الفجر على أضواء تترى في آفاق الوجود. وتسطع المغارب سطوع المشارق”.

ويمضي فتح الله ينسج بخيوط من حرير سجَّاد الزمن، فيتفنَّن في انتقاء الألوان، ويبدع في ترصيع الأشكال؛ كأنَّه نحَّات أو خطَّاط من “النفَس العثماني”، يصبُّ المعاني صبًّا، ويعبُّ البيان عبًّا، فتنتشي جذورُنا، وتجد لها مكانا في “سفوح الجنان“، وتكاد تظلل الآفاق جميعها “كشجرةٍ طوبى” غرسها ربُّنا بيديه، وحفظها أمانة “لسيد الزمان وإمام المكان“، حتى يَطعم منها يوم اللقاء، ثم يُطعم الخلق على إثره.

وقد نال “السَّحَر” حظا وافرًا في أدب الأستاذ “فهو الوقت الذي تهبُّ فيه على المؤمن نسائم التجلِّي، وفيه يتهيأ لولوج عالم المعاني“، “أمَّا نسيم السَّحَر… آه من نسيم السحر!.. إنه يهبّ كنفَس من اللانهاية” فتنسكب على قلوبنا، وتنبت في أعماق أرواحنا “عصارة الحقيقة الأبدية“؛ وإذا ما جاء وقت الترجيح والترشيح، فـ”الذين يُدعون للرحلة إلى ما وراء الأفق، يُختارون دائمًا من الذين يهيمون في أوقات السحر“، ويُنتقون “من بين المتجولين في وقت السحر“.

حلكة الظلمة بشارة

أمَّا “الفجر”، فهو نهايةٌ وبداية؛ وهو علامةٌ وأمارة، وبيان ذلك أنَّ “حلكة الظلام تؤذن بقدوم الفجر”؛ وأنَّ “أحلك وقت للظلام، هو في الوقت نفسه بشائر أنوار الفجر“. وأننا نصبو إلى زمن “تتحول فيه الأيام إلى الربيع، ويتبع الفجر فجرًا، فينتعش أملنا وانتظارنا“؛ وصورة تلكم الأيام أننا “نرى رفرفة خمائل القضية في كلِّ صوب وناحية بوفاء كوفاء الفجر“؛ وقد يعترض معترض أنَّ ما نراه ما هو إلا “خداع الفجر الكاذب“، لكننا نقول، مطمئنين واثقين: “إنَّ شهادة أصدق الشهود على شروق الشمس قريبًا هو الفجر الصادق في الأفق نفسه“.

وما الصبح والشروق والضحى سوى مترادفاتٍ، تنضح بأدقِّ الدَّلالات وأبلغ الدِّلالات، ناصعة مشرقة لا غبار عليها؛ فالله سبحانه يُظهر “رحمانيته بالشمس التي تبتسم وهي تشرق لنا كلَّ صباح”، فيحلو الذكر، وأحلاه ما جاء على لسان المصطفى عليه الصلاة والسلام، من مثل ترديده صباح مساء: “لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير“. ومن مثل “سيد الاستغفار” الذي لا يغادر لسان الحبيب صباح مساء.

أحلك أوقات الليل يحمل في طياته بشائر أنوار الفجر.

و”الظهر” في لوحةِ فتح الله، هو زمن “التخلص من تعب النهار، ولحظة الفرحة لرؤية الحبيب والتملِّي بحسنه“.. وأمَّا “العصر” وما بعد العصر، فالذروة فيه تتجلى يوم عرفة، إذ “الأدعية بعد فترة العصر (في عرفات) تكون أكثر عمقا، لأنها تبدو وكأنها قد تضمخت بعطر وجوٍّ مِن وداع حزين، وتشبه الأصواتُ والأنفاس أصوات الملائكة فيما وراء السماوات، حتى تصل إلى ذروة السعة والنقاء“.

مشارق الخلوة

و”المغرب“، هو باب “الخلوة بالحبيب”، لمن صفتْ روحه، ولمن علت همَّته؛ أمَّا في فهم أولئك الأغرار، فهو أوان تصيُّد النفايات، والبحث عن الأوكار… وكما أنَّ للمادة في الأرض “مغربان ومشرقان“، كذلك للروح في الملأ الأعلى “مغربان ومشرقان“؛ فكلُّ لحظة وصلٍ هي مشرق، وكلُّ لحظة هجرٍ هي مغرب؛ ولا حظَّ للسواد والبياض، ولا للغروب والشروق، في قانون البقاء والصفاء، ولا في شرع اللامتناهي والماوراء.

لكن، للأسف، ثمة بشرٌ حَجَر، أو إن شئت فقل هنالك أناسٌ لهم قلوب كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً(البَقَرَة:74)، فهؤلاء عندما “يستيقظون صباحًا يصفِّقون للفوضوية، وفي الظهر يقفون احترامًا للنظام الماركسي/اللينيني، وفي العصر يحييون “الوجودية”، وفي العشاء قد ينشدون نشيدًا هتلريًّا“؛ وما من أحد يأمن من الوقوع في هذه الهوة، ولذا علَّمنا المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم هذا “الحَجْر الصحي، وهذه الحماية اللدُنّية” التي ندعو بها صباح مساء، متضرعين إلى الله تعالى: “يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبِي على دينِكَ“.

المصدر: الزمن والوقت، نصوص ومفاهيم مؤسسة على الرؤية الكونية لفكر الأستاذ فتح الله كولن، د. محمد باباعمي، دار النيل للطباعة والنشر

[gdlr_divider type=”solid” size=”50%” ]

ملاحظة: العبارات الملونة باللون الأسود الداكن هي عبارات الأستاذ فتح الله كولن مقتبسة من بعض مؤلفاته.