تتعلق القضية التي سنتناولها هنا بآراء فتح الله كولن حول الدين والعلم فيما يخص المدخل العلمي الحديث للطبيعة. إن كولن لا يتردد في قبول صحةِ وشرعية المنهج العلمي الحديث في دراسة الطبيعة طالما يتم الأخذ بنظر الاعتبار حدوده المعينة.

مناهج صحيحة ولكن

يرى كولن أن المناهج التجريبية هي أفضل وأنسب ما يمكن استخدامه عند التعامل مع العالم الذي يمكن إدراكه بالحواس المادية. وبالمثل فإن المناهج المنطقية القائمة على التفكير الاستقرائي أو الاستدلالي أو التحليلي، والتي تشكل مع الأساليب التجريبية جوهر المنهجية التي يقوم عليها العلم الحديث، هي مناهج صحيحة وفعالة فقط داخل مجالات قدرتها

ويؤكد كولن على أن المنهجية العلمية الحديثة غير قادرة على النفاذ إلى “حقيقة الوجود” أو “جوهر الوجود” وإدراكه[1]. ويرجع هذا إلى أن هناك ميادين في الواقع تفوق قدرة هذه المنهجية. إن عجز العلم عن معرفة الحقيقة فيما يخص جوهر هذا الوجود شيء في غاية الأهمية في اعتقاد كولن، وخصوصًا مع اعتبار القصور في المناهج التجريبية.

يؤكد كولن على أن المنهج العلمي الحديث غير قادر على النفاذ إلى “حقيقة الوجود” أو “جوهر الوجود” وإدراكه.

يهتم العقل البشري بالوصول إلى المعرفة اليقينية للحقيقة الثابتة التي يقوم عليها عالم الطبيعة، ولكن هذا العقل سيفقد قدرته على معرفة هذه الحقيقة الثابتة إذا ما اعتمد على المنهج التجريبي. فعلى سبيل المثال يتوق العقل إلى اكتشاف حقيقة وجود الأشياء، وتحديدًا أصل هذا الكون. ووفقًا لما يراه كولن في هذا الصدد فإنه كلما تعامل العلم مع قضية أصل الأشياء “فإن ما يفعله هو أن يشرح كيفية حدوث الأشياء”[2].

حدود العلم

إن العلم في حقيقته لا يجيب على مسألة حقيقة الأشياء بشكل يرضاه العقل البشري، كما يتهرب العلم من العقبة المتمثلة في تقديم تفسير لأصل الوجود “أو يظن أنه قد تهرّب منها بالفعل عن طريق إرجاع أصل الوجود إلى “الطبيعة”، أو “النشوء الذاتي”، أو أي من مثل هذه النظريات أو المفاهيم كـ”الحتمية” و”المصادفة”.

إن العلم في حقيقته لا يجيب على مسألة حقيقة الأشياء بشكل يرضي العقل البشري، كما يتهرب من العقبة المتمثلة في تقديم تفسير لأصل الوجود.

يرى كولن أنه من المهم أن يظل العلم مخلصًا لطبيعته كفرع من معرفة الله، وذلك بأن يكون على قدر كافٍ من الأمانة يجعله يعترف بأوجه قصوره المنهجية في إدراك الحقيقة بأكملها، وأن يقر كذلك بأن ميدان الحقائق الأبدية والمطلقة يتجاوز تمامًا اهتمامه واختصاصه المعرفيين. ويُعتبر هذا الإقرار الفلسفي شيئًا ضروريًّا بالتأكيد من أجل الحفاظ على الشرعية والانسجام في العلاقة بين الدين والعلم.

دور العلم

وعلاوةً على هذا فلن يبلغ العلم قيمته الحقيقية إلا إذا أخلص لدوره ووظيفته الشرعيين باعتباره فرعًا أكاديميًّا لمعرفة الله، وليس من خلال اغتصاب وظيفة الدين والادعاء بأنه علم الحقيقة[3]. وفوق كل هذه الاعتبارات من الواضح أن كولن، باعتباره عالمًا في المجال الديني، يهتم بإبراز أوجه عجز المدخل العلمي لفهم الطبيعة من الناحيتين النظرية والتطبيقية.

لن يبلغ العلم قيمته الحقيقية إلا إذا أخلص لدوره باعتباره فرعا أكاديميا لمعرفة الله، وليس من خلال اغتصاب وظيفة الدين والادعاء بأنه علم الحقيقة.

ونستطيع القول على ضوء جميع ما ذُكر: إن كولن يريد أن يُبقي للدين مجال الاستقصاء الذي يتجاوز ما هو علمي. وهذه الرغبة في وجود دور للدين هو أمر مبرر تمامًا؛ فأبرز ما تسعى إليه رسالات الوحي الإلهي، وتحديدًا كما يتضح في القرآن الكريم، هو إبلاغ البشر إبلاغًا واضحًا بالحقائق التي تفوق إدراك العقل البشري ويعجز عن اكتشافها بنفسه.

المصدر: زكي ساري توبراك، السلام والتسامح في فكر كولن، كتاب مشترك، ص: ٧٧-٧٩، دار النيل للطباعة والنشر، ٢٠١٤، الطبعة الأولى، القاهرة

ملاحظة: عنوان المقال وعناوينه الجانبية من تصرف المحرر

[1]     ولمزيد من المناقشات المفصلة حول أوجه النقد الإسلامي للمنهجية العلمية الحديثة، انظر كتاب: التاريخ وفلسفة العلم (The History and Philosophy of Science)، تأليف عثمان بكار (كامبريدج: جمعية النصوص الإسلامية، 1999م)، الفصل الثاني. انظر أيضا كتاب سيد حسين نصر بعنوان: تأملات في المنهجية في العلوم الإسلامية (Reflections on Methodology in the Islamic Sciences)، (Hamdard Islamicus)، 3: 3 (1980م)، ص. 3-13.

[2]  فتح الله كولن: في ظلال الإيمان، باللغة التركية ص. 310.

[3]  فتح الله كولن: في ظلال الإيمان، باللغة التركية ص. 308.