صبيحة يوم الإثنين، الخامس والعشرون من شهر ديسمبر ٢٠١٢، كنا في إسطنبول على موعد مع مؤسسة تعليمية، تدعى جُوشْكُن. أحاول فهم المعنى، لكن استحيائي من السيد المترجم، أوقفني عن طلب معنى الترجمة. اليوم طويل مكثف باللقاءات العلمية، أكيد أن المترجم سيتعب كثيرا في ترجمته.

وجوه ملائكية

وصلنا باب مؤسسة جُوشْكُن، وجدنا في الاستقبال وجوه أطفال ملائكية، يحملون باقات من الزهور، وينشدون تحية الاستقبال احتفاء بقدومنا: “هُوشْ كَالْدِينِيزْ… هُوشْ كَالْدِينِيز”.. من فرحتي، كنت أحاول الرد عليهم، بما أسمعه من لغة أهل البلد، وبسرعة البرق حاولت التقاط الرد من السيدة المرافقة لي: “هُوشْ بُولْدُك” بما معناه “أهلاً وسهلا”.

أحاول نطقها بتفخيم الرنة، كما ينطقها أهل البلد: “هُوشْ بُولْدُوك”… “هُوشْ بُولْدُكْ”، أردّدها وأنا أحضنهم وأقبّلهم.

تزامنت فرحتي ببهجة الأطفال، بمحاولة لملمة مشاعر مختلطة، غمرتني في تلك اللحظة.. ابتهاج بحسن الاستقبال والترحاب، ورغبة في عناق مَنْ أحسستُ بنور ينبعث من أرواحهم الملائكية، يتلألأ في فضاء باحة الاستقبال.

يا سلام، إنها قمة عناية الصغار، قبل الكبار، بمراسيم الاحتفال بالضيف.

صحيح أنا ضيفة، ولكن شدتني حرارة الضيافة، من قبل سيدات أعجميات، لا يعرفنني، ولا يعرفن اللغة التي أتواصل بها معهن. مع ذلك هن فرحات، مبتهجات، مبتسمات، ترفرف أجسادهن النحيلة كالفراشات الراقصة، بفرحة عودة فصل الربيع.

التعليم عصب الحياة

مديرة المؤسسة: “أستاذة مريم تفضلي مرحبا بك، وبأهل فاس”. فتمسك يدي، وتحوّل مجرى الاتجاه، من الباحة الواسعة، نحو مكتبها في الطابق السفلي. “مدْرسة جُوشْكُن، هي عبارة عن حضانة للأطفال، قد يبدو الأمر بالنسبة لك غريبًا، أنت أستاذة وفي التعليم العالي كما أخبرت، قد يراودك سؤال “ما الذي جعلهم يُدخِلون هذه الزيارة في برنامجي حول المناهج التعليمية؟! وكان الأولى بهم، أن يوجهوني مباشرة إلى فضاء الجامعات”.

حاولت الرد، لكن بسرعة بارعة راقية، وبأسلوب حواري جذاب، استرسلتْ بهمة عالية: “أستاذة مريم، التعليم عندنا في مدارس جُوشْكُن، هو عصب ودينامو الحراك التعليمي الذي قد ترينه بعد ذلك في الجامعات”.

تفهمت جدية طرح السيدة المديرة، فلم أعقب بأي سؤال.. فضلت السكون وانتظار المزيد من التوضيح، حول نوعية هذا الدينامو، والعصب المحرك لكل الطاقات الخلاقة في بلاد الأناضول.

التميز في مدارس الخدمة هو التركيز على حل المعادلة الصعبة: هل نحترم عقول الأطفال الذين يسلمهم آباؤهم وأمهاتهم إلينا مادة خامة؟

مديرة جُوشْكُن: “عندنا مناهج تعليمية نحترمها كمسؤولين عن إدارة المدارس الخاصة، وهذا مشترك بين كل المؤسسات. التميز عندنا في مدارس المستقبل هو التركيز على حل المعادلة الصعبة.. هل نحترم عقول هؤلاء الأطفال، الذين يسلمهم آبائهم وأمهاتهم إلينا مادة خامة؟! هل نطعمهم بلقاح الممانعة ضد الأمراض المعدية، كالكسل والخنوع، والاستهتار والاتكال واللامبالاة والغش؟!. كما تعلمين هناك أمراض وفيروسات معدية، تفتك بالأطفال، إن لم يطعموا بلقاح في الشهر الأول من ولادتهم.. فكذلك توجد أمراض اجتماعية، خطيرة قد تهدد سلامة وأمن أبنائنا الروحي والفكري والمعرفي. وهنا نحتاج مبادئ التنشئة الدينية والاجتماعية والتربوية، لقاحا أساسيا تحقن بمصل المحبة، تحصن هويتهم، وتحفز مهاراتهم وكفاياتهم. الأطفال ألوان وزهور مختلفة. فهل يمكن للورد أن ينبت في أرض قاحلة؟!”.

كنت أحرك رأسي، تعبيرا عن وجهة نظري المتفقة تماما مع هذا الطرح، حين فوجئت بيد عصفورة صغيرة من براعم بنات المدرسة، تمسك بأصابعها الصغيرة راحة كف يدي، لتهْديني وردة حمراء، كتلك الوردتين المزينتين، لوجنتيها الصغيرتين.

فسبحان من ألهم تلك البراءة الطفولية، وأرسلها مبعوثة للسلام.. تمنحني سعادة نشوة بعطر وردة حمراء، وتهديني سر أسرار البذور، في مواسم الأعياد التربوية. بِرقّة بالغة حضنت الطفلة الموهوبة.. سحرني جمالها وزرقة لون عينيها الصغيرتين.. انحنيت بهدوء، قبّلت يديها الصغيرتين، وأنا أستبشر خيرا بمستقبلها، الذي بدا لي واضح المعالم من خفة حركتها، وجرأتها وفراستها. كنت مفتونة بمداعبة هذه الطفلة الملائكية الصغيرة.

المدرسة تشرح قيم التربية على حب العلم، والحفاظ على الهوية والمواطنة. الأطفال ينشدون أغنية الأمل ويهتفون بوهج نور المستقبل. فأنشدت معهم لحن المحبة ووقّعت في كتاب الزوار باسمهم أحرفا سجلت بمداد الأمل.

ملاحظة: ببالغ الأسف والحزن تم إغلاق المدرسة التي تحدثت عنها الكاتبة إضافة إلى ألف مدرسة أخرى من مدارس الخدمة بعد الانقلاب المزعوم في ١٥ يوليو ٢٠١٧ بقرار تعسفي من حكومة حزب العدالة والتنمية التركي دون تقديم أي مبرر قانوني، كما تم طرد نحو ٢٥ ألف مدرس كانوا يعملون في هذه المدارس وتشريد الأطفال ألى مدارس مختلفة. (المحرر)

[gdlr_stunning_text background_color=”#f3f3f3″  title=”مفاتيح المقال” title_color=”#94d64f” caption_color=”#a0a0a0″]

  • مدارس الخدمة تشرح قيم التربية على حب العلم والحفاظ على الهوية والمواطنة.
  • مدارس الخدمة نحترم عقول الأطفال الذين يسلمهم آباؤهم وأمهاتهم إليها مادة خامة.
  • مدارس الخدمة تطعّم الأطفال بلقاح الممانعة ضد الأمراض المعدية، كالكسل والخنوع، والاستهتار والاتكال واللامبالاة والغش.
  • الأطفال ألوان وزهور مختلفة. فهل يمكن للورد أن ينبت في أرض قاحلة؟

[/gdlr_stunning_text]