كلّما تفاقمت الأوضاع في العالم العربي -على أكثر من صعيد- وأَطَلْت التأمل في تداعياتها، عُدتُ بأفكاري إلى الأستاذ فتح الله كولن، المفكر التركي الكبير ، أستحضر أفكاره البنّاءة التي ينفرد بها، وأتأمّل في آرائه السديدة حول المشاكل التي تعاني منها المجتمعات العربية الإسلامية، وأراجع بعضًا من كتاباته المتميزة، وأنظر في تحليلاته العميقة للقضايا الإنسانية المعقدة التي لم تفلح الأمم المتحدة في إيجاد تسويات لها، على الرغم من مُضي أكثر من ستة عقود على تأسيس المنظمة الدولية، فأجدني أمام شخصية فذّة بالغة التميز تستحق أن أقدمها إلى القارئ للمرة الثانية، ولكن من جوانب جديدة.

شخصية كولن الفريدة

الأستاذ فتح الله كولن قطْب من أقطاب الفكر في هذا العصر، على المستوى الإنساني العام، وليس فحسب على المستوى الوطني التركي، أو على المستوى الإقليمي الإسلامي. هو شخصية فريدة من نوعها، ذات تأثير قويّ ونافذ وبالغ الفعالية في محيطه التركي، بل في العالم التركي الذي يشمل الدول التي تتحدث اللغة التركية في آسيا الوسطى، وأكاد أقول في مناطق شتى من هذا العالم. وربما كان اسم المفكر فتح الله كولن غير معروف، على نطاق واسع في العالم العربي، كما هي أسماء كثيرة من أعلام الفكر والعلم والأدب والثقافة من العالم الإسلامي غير معروفة في البلدان العربية.

كولن وإيجاد الحلول

لقد وُفّق الأستاذ فتح الله كولن توفيقًا بعيدَ المدى غير مسبوق، في إيجاد حلول للمعادلة الصعبة الدقيقة التي لم يَهْتد المفكرون العرب إلى حلّها حتى الآن، وهي التركيز على نشر التعليم الراقي على أوسع نطاق، وبأعلى مستويات التطوير والتحديث ومسايرة متغيرات العصر، من خلال رؤية شمولية تتحرر من قيود الواقع وتتطلع إلى المستقبل، من دون التفريط في الخصوصيات الروحية والثقافية والحضارية، بحيث استطاع أن يُنشئ شبكة واسعة من المدارس والجامعات الراقية، ليس فقط في تركيا، وإنما في الدول الناطقة باللغة التركية في آسيا الوسطى التي استقلّت، أو بالأحرى استرجعت استقلالها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وفي عدد كبير من دول العالم، في آسيا وأوروبا والأمريكتين وأفريقيا وفي العالم العربي. وتتميز هذه الشبكة من المدارس ذات المستوى الجيد المتفوّق والجامعات الراقية التي تحتضن النخبة من الطلاب، بأنها تجمع في منظومة تعليمية واحدة، بين تدريس العلوم التطبيقية للتلاميذ والطلاب باللغة الإنجليزية، وبين التوجيه الأخلاقي والتشبّع بقيم الثقافة الدينية في غير ما تزمت أو تشدد أو انغلاق.

ركَّز كولن على نشر التعليم الراقي على أوسع نطاق، وبأعلى مستويات مسايرة متغيرات العصر، وبرؤية شمولية تتحرر من قيود الواقع وتتطلع إلى المستقبل، من دون التفريط في الخصوصيات الروحية والثقافية والحضارية.

وتتكامل هذه الجهود المتميزة التي تبذل على صعيد التربية والتعليم وفقًا لأحدث الطرق البيداغوجية والمناهج الأكاديمية المعتمدة في أرقى الجامعات العالمية، مع نشاط إعلامي ثقافي مكثّف شديد التميّز، يتمثل في تأسيس القنوات التلفزيونية والمحطّات الإذاعية وإصدار العشرات من المجلات الراقية بأكثر من ثلاثين لغة، تطبع وتوزّع في مناطق شتّى من العالم، وتعالج قضايا الفكر والعلم والثقافة والمعرفة بصورة عامة، بأساليب جد مبتكرة، تنفتح على العصر ولا تفرط في الثوابت، ودونما صخب إعلامي أو ضجيج ثقافة أو بهرجة وتشدق بالشعارات التي أفسدت الحياة الفكرية والثقافية في العالم العربي تحديدًا.. أتابع منها مجلة “حراء” التي تصدر باللغة العربية كل شهرين وتطبع في القاهرة وفي تركيا وفي السعودية وفي المغرب، بينما توجد هيئة التحرير في إسطنبول([1]). كما يتوازى هذا النشاط الإعلامي الواسع، مع إصدار الكتب بأكثر من عشرين لغة، منها مؤلفات الأستاذ محمد فتح الله كولن التي آخر ما صدر منها كتاب بعنوان: “ونحن نبني حضارتنا”([2])، ولكني أقرأ بانتظام المقالات الافتتاحية التي تنشرها له مجلة “حراء” في كل عدد، فأشعر بقشعريرة وجْدانية تهزّني، وبنشوة فكرية تثيرني، وبدفقة فوّارة من الفكر العميق والتحليل الدقيق تنعشني.

كولن وتيارات التغريب

لقد استطاع المفكر المصلح الأستاذ فتح الله كولن أن يقف في وجه تيارات التغريب المدمرة العاصفة التي كادت أن تقتلع الهوية الوطنية للشعب التركي من الجذور، وتقطع صلته بثقافته وتراثه وبتاريخ أسلافه. ولكن وقوفه الشجاع في وجه هذه التيارات العارمة الكاسحة، تميز -ولا يزال يتميز- بمواقف لم يتخذها غيره، تنبني على فهم عميق لطبيعة الأوضاع في بلاده، وعلى قدر كبير من الوعي الرشيد بالمتغيّرات الإقليمية والدولية، وتتعامل مع الواقع بحكمة بالغة هي من سجاياه التي عرف بها. فقد تجاوز الدخول في “الصراع” مع الأمر الواقع المفروض بقوة الدستور والقانون، إلى “التكيّف مع الواقع” واستغلال الجوانب الإيجابية فيه، والتفاعل معه، لا بمنطق “المعركة”، ولكن بمنطق “الحكمة العملية”.

كولن والتيارات اليسارية

لقد عَرَفت تركيا خلال العقدين السادس والسابع من القرن الماضي، تصاعدًا في نشاط التيارات اليسارية التي كانت تعارض النظام، وتشن حربًا ثقافية حامية الوطيس ضد كل مقومات الشعب التركي وفي المقدمة منها “الدين”. وعلى الرغم من أن تركيا عرفت انفراجًا في الأزمة الحادة التي كانت تطبع الحياة العامة، وذلك ابتداءً من مطلع الخمسينيات، حين تراجع نفوذ حزب الشعب الذي كان من مهامه الرئيسَة المعاداة الصريحة للدين واضطهاد المتدينين وخاصة العلماء وخطباء المساجد الذين يسمّون برجال الدين -وهي تسمية لا معنى لها في المجتمعات الإسلامية-، على الرغم من ذلك، فإن الأحزاب الماركسية التي كانت تعمل تحت الأرض، وتحارب النظام والدين والثقافة التركية بصورة عامة، كانت قد أخذت تتوسع في نشاطاتها السرية، وتمارس اضطهادًا وإرهابًا ضد الدين ومَن يعمل لنشره. وكانت الصحافة التركية في الستينيات والسبعينيات واقعة تحت تأثير اليسار بكل أطيافه، وكان ذلك أحد التناقضات الحادة التي عرفتها تركيا العلمانية الليبرالية العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والتي كانت تحتضن القواعد الأمريكية. وكان هذا الوضع المتناقض والغريب، حافزًا للجيش للقيام بانقلاب عسكري في مطلع الثمانينيات أطاح بالحكومة، وشدد الخناق على أي نشاط ثقافي مستقل، خاصة ما يهدف منه إلى إنقاذ الهوية الثقافية والحضارية للشعب التركي.

كان كولن إمامًا مثقّفًا منفتحًا على الثقافات الإنسانية، يقرأ بنَهم في مختلف فروع العلم والمعرفة، من الفلسفة والأدب، إلى العلوم السياسية والاجتماعية والعلوم التطبيقية، إلى العلوم الإنسانية بصورة عامة.

في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ تركيا المعاصرة، كان فتح الله كولن يعمل إمامًا وخطيبًا في أحد المساجد تابعًا لإدارة الشؤون الدينية. ولكنه كان إمامًا من نوع يختلف تمامًا عن الأئمة والخطباء الآخرين الذين كانوا -مثله- موظفين في الدولة. كان مثقّفًا منفتحًا على الثقافات الإنسانية، يقرأ بنَهم في مختلف فروع العلم والمعرفة، من الفلسفة والأدب، إلى العلوم السياسية والاجتماعية والعلوم التطبيقية، إلى العلوم الإنسانية بصورة عامة. وكان منفتحًا على محيطه القريب، يرتاد المقاهي الشعبية لإلقاء الدروس فيها بصورة عفوية. وكان في البداية يلقى صدًّا وعزوفًا عن الاستماع إليه من رواد المقاهي، ولكنه استطاع بصبره ومرونته ولين عريكته وبما حباه الله به من لطافة الحس ورقة في الطبع، أن يجذب الجمهور إليه، وأن يتوسّع في نشاطه بِخطوات متّزنة، متنقّلاً من محيط إلى آخر، إلى أن تمكّن من تكوين رأي عام محلي ويكتسب محبين يتجاوبون مع أفكاره ويتعاطفون معه، مما اضطرت معه الإدارة المسؤولة عن الشؤون الدينية، إلى أن نقله إلى مدينة أخرى، ليعاود فيها القيام بالدور الذي كان يقوم به في موقعه السابق.

وكانت هذه الجهود تتوازى مع نشاط تعليمي تربوي كان يقوم به، يتمثل في إنشاء المدارس بالتبرعات التي كان يقدمها مجموعة من التجّار الذين آمنوا بأفكاره ووثقوا فيه وكانوا دعمًا له في عمله ولا يزالون. وهكذا استطاع أن يتحرك في ثلاثة مجالات حيوية؛

  • نشر القيم الإسلامية ومحاربة الرذائل بالحكمة وبالتي هي أحسن من خلال المسجد والمقهى والمنتديات العامة.
  • تأسيس النواة الأولى لسلسلة من المدارس المتميزة التي ما لبثت أن انتشرت في مختلف أنحاء البلاد.
  • إصدار المجلات والكتب وتعزيز الاختلاط بالمثقفين والصحافيين والتحاور معهم والتأثير فيهم بالحسنى.

وبذلك توافرت له الأسباب لإقناع فئات عريضة من الشعب بأفكاره، خصوصًا من الشباب، سواء منهم خرّيجو المدارس التي أنشأها في عديد من المدن والبلدات، أو المثقفون والصحافيون الذين أنقذ بعضهم من جحيم الإلحاد والانحراف، فأصبحوا القاعدة العريضة للبيئة الاجتماعية الجديدة التي أسّسها، والتي احتضنت مشروعه الحضاري العديم المثال، وهو ما يصطلح عليه بـ”حركة الخدمة”.

وكان ذلك مجرد اصطلاح ليس إلاّ، لأن الرجل ومَن معه -وهم قطاع واسع عريض من الشعب التركي من كلّ الفئات- لا يطلقون على أنفسهم هذه الأسماء التي تروَّج عندنا في العالم العربي، من مثل “الحركة الإسلامية”، أو “التيار الإسلامي”، أو “الجماعة الإسلامية”، أو “الحزب الإسلامي”، أو “الكتلة الإسلامية”، إلى غيرها من الأسماء التي كثيرٌ منها مستمد من الأسماء التي تتبنّاها الأحزاب الشيوعية، سواء أكان من يطلقونها على أنفسهم يعون ذلك ويشعرون، أم لا يعون ولا يشعرون.

تُرى ماذا سيحدث لو عمل العرب، في هذه المرحلة، بأفكار فتح الله كولن؟!

المصدر: كتاب “نور وفتح”، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2014م، صـ83 ــ90. بِتصرُّف من محرر الموقع.

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تصرف محرر الموقع.

 

([1]) كان ذلك قبل الحملة التي قام بها أردوغان ضد أبناء الخدمة، الآن هيئة التحرير في القاهرة.

([2]) صدرت الآن كتب أخرى، كان آخرها كتاب البيان الخالد لسان الغيب في عالم الشهادة.