إن الحديث عن المراجعات يعني أن هناك خطأ ما قد حدث خلال هذه الأزمة أو قبلها أدى إليها وأن على الخدمة الاعتراف به وإعلان الندم عليه والتبرؤ منه. والحديث على هذا النحو يحمِّل الخدمة وحدها مسئولية الوصول بالأزمة بين الطرفين إلى هذا الحد، مع أن الخدمة هي الطرف المجني عليه في هذه الأزمة، وهي التي تتعرض للصفعات تلو الصفعات من الجانب المتسلط “نظام أردوغان” دون أن تفكر حتى في ممارسة أدنى حقوق الدفاع عن النفس، سوى الطرق القانونية والوسائل الإيجابية التي تؤثر المصلحة الوطنية العامة على المصالح الذاتية الفئوية المؤقتة، فالوطن باق والحكومات والحكام زائلون.

وهذا ما أكد عليه الأستاذ كولن في معرض إجابته على سؤال وجهه له مراسل قناة (UDN) الصينية قال فيه: “في النهاية أريد أن أسألكم عن الاتجاه المستقبلي لحركة الخدمة، كنتم تقولون منذ البداية إنها ليست حركة سياسية، إنها ليست إسلامًا سياسيًّا ولكن في مثل هذه الظروف الراهنة التي تمر بها الخدمة من ضغوط سياسية، هل فكرتم مرة أخرى في توجه الخدمة من الناحية السياسية؟ ربما بأن يكون لها مشاركة سياسية أكثر قليلا من السابق أو ربما حزب سياسي في المستقبل. هل تعتقدون أنه لديكم إعادة تفكير في هذا الأمر؟ فأجاب الأستاذ قائلا: “مبدئيًا لا نفكر في أن نغير من منهجنا ورؤانا. نحن آمنا بأن ما نفعله هو خدمة في صالح الإنسانية. ونؤمن أن ما نقوم به بالغ الأهمية سواء من أجل آخرتنا أو من أجل سعادة واستقرار العالم في المستقبل، من خلال العمل على التقاء الناس ببعضهم، والعيش معا في تناغم ووئام. وقد رأينا ذلك التناغم في أولمبياد الثقافة واللغات التي كانت تنظمها مدارس الخدمة، فالأجيال الصاعدة من قاع المجتمع الإنساني تسير في اتجاه تحقيق أخوة كهذه. فبعد اطلاعنا على مثل هذه النتائج الناجحة لا ينبغي الارتياب فيها والتراجع عنها أو مساءلة جدواها… لذلك ربما يُستحسن مراجعة الاستراتيجية مرة أخرى، ولكن مع المثابرة على النهج نفسه”.

لذلك قد يبدو التساؤل عن المراجعات في غير محله، حيث كانت الخدمة نموذجًا مجتمعيًا ناجحًا متناغمًا مع مصالح الأمة وقضاياها الوطنية ولم يحدث لها انهيار أو تشقق داخلي، بل جاء الاعتداء عليها ومحاولة نسفها من الوجود من طرف خارجي عنها (أردوغان ونظامه) توَّهم فيها قوة ونفوذًا معنويًا يمكنه أن يهدد احتكاره للأغلبية التصويتية التي يستغلها لتحقيق آماله وتطلعاته في الانفراد التام بسلطة البلاد، وقمع كل معارضة تواجهه. وهو ما أوضحه الأستاذ كولن بقوله: “… لم يتحملوا أن يكون هناك اتجاه في البلد له تأثير في الرأي العام بمقتضى نشاطاته وفعالياته المجتمعية ولا يمكنهم التحكم فيه، لذا قرروا التخلص منا تماما.”

بل إن بعض الذين استطلعت آراءهم في هذه المسألة –مسألة المراجعات- من أبناء الخدمة ومنهم تلامذة للأستاذ شخصيًّا لازموه فترة طويلة من حياتهم أجمعوا على أن استراتيجيات الخدمة وأساليبها الاحتوائية المختلفة هي التي عملت على تأخير انفجار الأزمة بهذا الشكل كما أكدوا أن النية كانت مبيتة للقضاء التام على الخدمة ومؤسساتها على هذا النحو الذي نشاهده حاليا منذ عام 2004، وتم التأجيل إلى ما بعد عام 2007 ثم وضع على أجندة النظام للتفعيل منذ عام 2010 باعتراف أردوغان نفسه في مناسبات عديدة بعد تفاقم الأزمة، وبدأت إجراءاته الفعلية تطفو على السطح لا سيما بعد إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية بعد عام 2011. وقد عبر عن ذلك كتاب أعمدة وصحفيون كبار موالون للنظام في مناسبات عديدة لا يتسع المقام هنا لذكرها.

بل يذهب الأستاذ كولن حدّا أبعد من ذلك حيث يصل بالأمر إلى تزامن هذا الأمر مع تأسيس أردوغان نفسه للحزب عقب انشقاقه عن أستاذه أربكان فقد قال في حديثه مع قناة العربية: “…إن نية القضاء على الخدمة تمتد إلى ما قبل فضائح الفساد بنحو 18 عاما”

ومع ذلك يظل سؤال المراجعة مشروعا إذا وضعناه في إطار تحسين الأداء، ورفع مستوى الكفاءة والفاعلية، أو ما عبر عنه الأستاذ كولن شخصيا بقوله: “مراجعة الاستراتيجية مرة أخرى، ولكن مع المثابرة على النهج نفسه”. وقد أكد الأستاذ كولن على ذلك خلال دروسه وخطبه وحواراته الإعلامية ومنها ما تعرضنا له في المقال السابق حيث اعتبر أن هذه الأزمة التي تمر بها الخدمة نتيجة لازمة لضعف الارتباط بالله عز وجل، ولذلك عمل على بث الوعي بضرورة تجديد العلاقة مع الله عز وجل، وإعادة تقويتها من جديد. وليس هذا هو الدرس الوحيد الذي استخرجه الأستاذ كولن من هذه الأزمة فعند تتبعنا لحواراته للإعلام وأحاديثه في دروسه ومواعظه رصدنا عددًا من هذه الدروس نبرز أهمها فيما يلي:

  1. عدم الإفراط في حسن الظن، وعدم الاغترار بتعاطف السياسيين مع الخدمة

لا يتبنّى الأستاذ كولن قناعة ممارسة السياسية باسم الدين، أو توظيف الدين لتحقيق مكاسب سياسية، أو ممارسة السياسة بشعارات دينية، وهو مع هذا لا يرى “أن الانخراط في مجال السياسة أمر غير مشروع”. فمع أنه لا يشارك في السياسة ولا يقوم بإنشاء حزب سياسي، لكن لا يرى منع أحد من القيام بذلك” لأنه في الديمقراطيات لا يمكن ممارسة السياسة من دون أحزاب”.

وبُعد الخدمة منذ تأسيسها عن خط السياسة هو اختيار بمحض إرادتها لم تفرضه عليها أية ظروف وقد عبر عن ذلك الأستاذ كولن قائلا:لم يكن قط أبناء الخدمة طالبي سلطة أو ساعين إليها، ولم يدر في خلدنا قط أن نكون فاعلين في إدارة البلاد من أي زاوية”، بل رفض عرضًا قدمه له أحد أقطاب الإسلام السياسي[1] في تركيا، في الستينيات بالمشاركة في تأسيس حزب سياسي، وأصر على مواصلة العمل في المجال المجتمعي”. لذلك لم يكن للخدمة علاقة بأي حزب ولم يدعم الأستاذ كولن في حياته سوى المبادئ الإنسانية والديمقراطية التي يؤمن بها.

ومن هنا يأتي وقوف الخدمة مع حزب العدالة والتنمية في بداية تأسيسه، فقد أحسن الأستاذ كولن الظن بهم لأنهم تحدثوا نفس اللغة التي تتحدث بها الخدمة، فقد وعدوا بدعم الحريات واحترام القانون وتعديل الدستور، وتعزيز الديمقراطية والسعي قُدُمًا في سبيل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتلبية المتطلبات المتعلقة بذلك في ملفات الديمقراطية والحقوق والحريات واحترام الإنسان. لكن تبين لاحقا أنهم كانوا مخادعين-على حد تعبير الأستاذ كولن –وتبين أن تصريحاتهم في مدح حركة الخدمة والثناء على أنشطتها ما هي إلا مراوغات من سياسيين احترفوا الخداع”. لقد تبدلت مواقفهم عقب الاستفتاء العام على الدستور عام 2010. فقد علق أردوغان الوعد بتعديل الدستور على دعمنا له في النظام الرئاسي، ثم طووا ملف تعديل الدستور هذا كليا، وطالبونا بالدعم العلني للنظام الرئاسي، وتأييدهم مطلقا في كل مواقفهم، وأن ندور معهم في تقلباتهم حيث داروا. لقد أحسنّا الظن بهم، وصدّقناهم، فهُزمنا أمام حسن ظننا”.

  1. الحرص على تجنب استثارة مشاعر الحسد والغيرة لدى الآخرين

ومن الدروس أيضا التي خرجت بها الخدمة من هذه المحنة الحرص على تجنب ما يثير مشاعر البغضاء والحسد التي تؤدي إلى التفكير في إلحاق الضرر بالخدمة يقول الأستاذ كولن: “قد يصاب البعض بلوثة الحسد كما حصل ذلك في تركيا، فيدفعه ذلك للتصدي لهذه الخدمات، ومحاولة القضاء عليها؛ …فهل هناك ما يمكن فعله حتى لا نثير الحسد والغيرة إزاء هذه الخدمة الإنسانية لدى البعض؟ هل من سبيل يجنّبنا تحريك مثل هذه المشاعر القاتلة لدى هؤلاء؟ يمكن التفكير في مثل هذه القضايا، وتضمين نتائجها وخلاصاتها في استراتيجيات العمل، مع مواصلة السير قدمًا وعدم التراجع، بل برأيي ينبغي تسريع وتيرة العمل على هذا الدرب الإنساني النبيل”.

  1. الاستثمار الكامل للإمكانات التي تتاح للخدمة

يعزو الأستاذ كولن اللطمات التي تتعرض لها الخدمة إلى الفشل في استثمار الإمكانات التي من الله بها على الخدمة بنسبة مئة بالمئة لذلك يدعو إلى إعادة تقييم الخدمة لهذا الأمر من جديد في ظل المعاناة التي تعرضت لها يقول:” نحن أناس نؤمن بالله تعالى. لقد منّ الله علينا بإمكانات عظيمة وفتح لنا أبوابا واسعة، ربما نحن فشلنا في استثمارها مئة بالمئة، لذلك أراد الله أن ينبهنا بلطمة رحمة منه سبحانه، بمثابة شدّ أذن أو صفعة خفيفة على العنق، بمعنى “احذروا وأجيدوا، وزّعوا جميع النعم التي منّ الله بها عليكم على الإنسانية، ولا تبقوا شيئا منها في أيدكم، عانقوا الناس بمحبة غامرة …”.ما تَعرّضنا له من مظالم قد تكون لطمات تنبيه من الحق تعالى إزاء مثل هذه الهفوات، لذلك بالتأكيد نحن سنراجع أنفسنا، سنراجع أفكارنا وتصرفاتنا مرة أخرى، ونحاول بإذن الله أن نعلي من أدائنا ونستكمل ما تركناه ناقصا. أما التراجع عن الرؤية الأصل فلا نعرف بديلا سواها. فهذا هو سبيلنا نسير عليه ولا نلتفت إلى شيء آخر”.

إذن لم تكن تلك مراجعات في الرؤية بقدر ما هي مراجعات في الاستراتيجيات فليس لدى أبناء الخدمة شك في صحة الطريق الذي يسيرون فيه فهم يؤمنون بصحته ولن تحرفهم بعض الضغوط أو المضايقات عن وجهتهم تلك وهذا ما أثبتته الأحداث بالفعل، ولذلك فهم يطبقون مقولة رائدهم الأستاذ كولن:”إذا لم يكن عندكم شك من طريقكم فينبغي أن تثبتوا عليه…ينبغي أن نواصل السير على طريق المحبة، طريق الاحتضان، طريق المعانقة، طريق فتح القلوب للجميع، هذه أفكارنا التي لن نتخلى عنها أبدا مهما كان. إن جاءكم أحد، وطرق باب قلبكم فلا ينبغي أن يساوره قلق من ألا يجد مكانا فيه، ينبغي أن تخصصوا مكانا في قلوبكم لكل أحد. هذه هي فلسفتنا، ولا تراجع عنها البتّة”.

[1]   المشار إليه السيد نجم الدين أربكان.