قال صاحب العمارة: ذهبت إليهم وقلت لهم: لا أريد كراء العمارة بعد اليوم، هي لكم مجانية بعدما رأيت منكم العجب العجاب، لا يسعني إلا أن أقابل نجاحكم بهذا المعروف البسيط، لقد حققتم المستحيل.

لفظ الرجل كلماته مبهورا والحيرة تعلو وجهه.

كان ذلك قبل أربع سنوات، كنا في مدينة إسكندرون الواقعة في جنوب تركيا، نزور أحد مراكز الدعم المدرسي المعروف في أدبيات “الخدمة” في تركيا بـ”قاعات المطالعة”.

قال صاحب العمارة: جاءني هؤلاء المدرسون الشباب، طلبوا مني أن أؤجرهم هذا المبنى الذي يتشكل من طابقين. أنا وأسرتي نقيم هنا في المبنى المقابل. علمت منهم أنهم يريدون أن يستخدموا المبنى كمدرسة لأبناء الحي. نظرت إليهم بعجب، لا بد أنهم مجانين، أهل هذا الحي لا يحبون المدارس ولا المدرسين ولا الثقافة ولا المثقفين، هذا الحي معقل كل ألوان الجرائم والمجرمين، إنه مضرب الأمثال في الخروج على القانون، ولا يتخرج من هذا الحي إلا محترفون في الإجرام، فمن أين جاءت هذه الفكرة الجنونية؟

قالوا لي: لا تقلق يا عم، عزمنا على الإقدام، فكن لنا عونا بتأجير هذا المبنى لنا، وسترى بإذن الله ما يسرك، ففعلت فرِحا بالأجرة، لكن غير مقتنع بما يقولون. استفزني الأمر، وأخذت أتابع الحركة التي تدور حول المركز من نافذتي الصغيرة كل يوم لحظة بلحظة. ما عسى أن يغير هؤلاء المعلمون في قوم يستحيل فيهم التغيير؟! بعد فترة وجيزة فتحوا مركز دعم مدرسي بالفعل، وبدأ بعض أبناء الحي يترددون إلى المدرسة، وصدق ظني في هؤلاء الأولاد المشاغبين. لقد كان الواحد منهم يأتي إلى باب المدرسة، فيأبى إلا أن يركله بضربة شديدة تكاد تطيح بالباب ويدخل كأنه لم يفعل أي شيء سيء، وكنت أسمع الضوضاء المنبعثة من المبنى، فأشفق على هؤلاء المدرسين الذين ورطوا أنفسهم في هذه المغامرة.

أنا ابن عائلة فقيرة، حصلت على دعم في مراكز الدعم المدرسي، فاستطعت أن أدخل الجامعة وأصبحت معلما ولله الحمد.

التقط صاحب العمارة الذي علمتُ أنه من أبناء الطائفة العلوية أنفاسه ثم واصل يضرب كفا بكف حيرة: لم يمض سوى ثلاثة أسابيع حتى رأيت من آثار التحول لدى هؤلاء الأولاد ما يذهل. أصبحوا يأتون إلى المركز في الوقت المحدد، بملابس نظيفة مرتبة حاملين كتبهم في أيديهم، يقفون أمام الباب فيطرقونه بلطف، ثم يدخلون المبنى بأدب جم بعد أن يفتح لهم الباب. ما هذا؟ شيء لا يصدق؟ أي لمسة تلك التي مست هؤلاء؟ أصدقكم القول يا سادتي ما كنت أتوقع ذلك أبدا.

قلت في نفسي: هذا النجاح يستحق مكافأة مني، أنا العجوز الذي عانيت من هؤلاء الأشقياء ما عانيت حتى مللت الحياة. ذهبت إلى المدرسة لتوي، والتقيت مع مدير المؤسسة وقلت له: أنا لست سنيا، أنا علوي، عقيدتي غير عقيدتكم، لكن ما أنجزتموه شيء لا يصدق، اسمحوا لي أن أسهم معكم، إني أتنازل عن الأجرة منذ اليوم، وليكن ذلك عرفانا مني لما قدمتموه من صنيع لأبناء هذا الحي.

عجبت لقصة هذا المركز، كيف غير الأولاد أولا، ثم غير صاحب المبنى ثانيا. فسألت المدير الشاب عن الفكرة كيف انبثقت، وكيف بدأت؟

فقال المدير: كله توفيق من الله، هذا الحي كما ترون يقع في منطقة جبلية من إسكندرون، البنية التحتية والخدمات فيه ضعيفة جدا، وهو حي شعبي من العشوائيات، يقطنه فقراء من الأكراد والغجر والقوميات الأخرى الذين جاؤوا من شرق تركيا فرارا من الحرب الدائرة بين القوات المسلحة التركية والحركة الكردية الانفصالية. الجهل والفقر والبطالة في هذا الحي سادة المشهد، ولكم أن تتخيلوا ماذا يمكن أن يفعل الجهل والفقر والبطالة في المجتمع إذا لم يتم تدارك ذلك. ولعلمكم الدولة لا تجرؤ على دخول هذا الحي بدون مدرعات عسكرية وعربات محصنة وجيش من رجال الأمن. الأولاد هنا لا يذهبون إلى المدارس، وإن ذهبوا لا يكترثون بها، ويتخلون عنها بعد حين، السرقة وتجارة المخدرات والسطو وأصناف لا تخطر على بالك من الجرائم هي مهنة سكان هذه العشوائيات.

ارتجّ صوت المدير الشاب وهو يقول: لكننا أبناء خدمة، علّمنا أستاذنا أن نرحم أخانا الإنسان، ونسعى إلى مساعدته، ونستخرج الخير الكامن في أعماقه. أنا ابن عائلة فقيرة كذلك، حصلت على دعم مدرسي في مثل هذه المراكز، فاستطعت أن أدخل الجامعة وأصبحت معلما ولله الحمد. لو لم تمتد يد الخدمة إليّ في الوقت المناسب، لكنت في عداد الضائعين. تربينا في رحاب الخدمة على أن نمد يد العون إلى المحتاجين.

سألته: لا شك أن البداية كانت صعبة؟!

قال: ببساطة جئت مع زملائي من مدرسي الخدمة إلى هذا الحي، طلبنا أن نلتقي مع أصحاب الكلمة فيهم وندردش معهم ونقعهم بالفكرة. لم يكن سهلا بالتأكيد، أبوا في البداية أن يقابلونا، ظنوا أننا من رجال الشرطة السرية، فأكدنا لهم أننا لسنا كذلك، وطلبنا منهم أن يستمعوا إلينا فقط، ولهم بعد ذلك أن يقرروا ما يشاؤون.

عاد الأمل إلى قلوبهم من جديد، لم يعد المستقبل مظلما في عيونهم، لم يعد عالم الجريمة ومهنة الإجرام الطريقَ الوحيد لهم، بل هناك طريق آخر مضيء.

قلت: جلسوا معكم في الأخير إذن؟

قال: نعم، جلسنا في المقهى ذاك، والتفّ حولنا جمع غفير منهم، قالوا لنا: تحدثوا. قلنا لهم: هل تريدون لأبنائكم أن يكونوا مثلكم؟ قال: لا، أبدا. قلنا: ألا تريدونهم أن يكونوا أطباء ومهندسين ومدرسين ومحامين؟ قالوا: بلى، ومن لا يريد ذلك لأبنائه؟ قلنا لهم: إذن أرسلوهم إلينا، وسترون ما يفرحكم بإذن الله.

تنهد المدير بسعادة: هكذا كانت البداية.

سألته: ما أكبر تحدّ واجهكم؟

قال: سجلنا ٢٥٠ طالبا، أشفقنا عليهم، وبكينا من أجلهم عندما علمنا أن آباء أكثر من خمسين ولدا يقبعون في السجن حاليا بجرائم مختلفة، وعلمنا أن آباء وأمهات أكثر من خمسين آخرين مطلّقون مفصولون عن بعضهم، أما اليتم فلا تسأل عنه. بكينا نحن المعلمين فيما بيننا، قلنا في أنفسنا كيف لا يضيع هؤلاء المساكين وسط هذا الإهمال؟

سألته بفضول: وكيف كان تجاوب الأولاد معكم؟

قال: في البداية واجهنا شيئا من عدم الثقة، وشيئا من الفظاظة، لكنهم بعد مدة عرفوا أننا مخلصون في مساعدتهم، فوثقوا بنا، وبدأوا يذاكرون بجدية، وأصبحوا مواظبين على مدارسهم، وكم كانت الفرحة غامرة عندما كانوا يحصلون على علامات عالية. عاد الأمل إلى قلوبهم من جديد، لم يعد المستقبل مظلما في عيونهم، لم يعد عالم الجريمة ومهنة الإجرام الطريقَ الوحيد لهم، بل هناك طريق آخر مضيء.

سألته: والنهاية؟

قال: النهاية كانت مفاجئة بالنسبة للجميع. ١٥٠ من هؤلاء الأولاد فازوا بامتحان الثانويات الخاصة وتأهلوا لثانويات العلوم، والآخرون تأهلوا لثانويات أخرى جيدة. يوم أعلنت نتائج الامتحانات وتبين نجاح الأولاد كان عرسا، كان عيدا، كان ميلادا جديدا، دقت الطبول، وعزفت الموسيقى، وعلت الزغاريد، ورقص الناس فرحا.

في الأخير جاءنا كبار الحي، هرعوا إلينا يريدون تقبيل أيدينا، وذرفوا دموع الفرح أمامنا، قالوا: لقد نجحتم في انتشال أبنائنا من عالم الجريمة وفتحتم لنا باب الأمل. نحن رهن إشارتكم بعد اليوم، وسنكون عونا لكم في كل ما تطلبون.

يا لسعد تركيا بالخدمة، هكذا قلت في نفسي، شكرت الله من أعماق قلبي، وشكرت صاحب الفكرة الأستاذ كولن، وأكبرت الرجال الذين رباهم، وأكبرت النهج الذي ساروا عليه.

سألت المدير الوسيم: وكيف هو الحال هذا العام؟

قال: فتحنا مركزين جديدين في الحي بدعم من أبناء الحي أنفسهم، وقد امتلآ عن آخرهما منذ الآن.

قلت له: فعلا نسيت أن أسألك، كيف موّلتم المركز الأول، كيف سددتم التكاليف؟ من أين وفرتم رواتب للعلمين؟ ثم مصاريف المركز الأخرى؟

قال: أما المعلمون فهم يدرّسون في مدارس الخدمة أصلا، ويأتون إلى المركز في ساعات فراغهم يدرّسون هنا تطوعا. أما أجرة المبنى فقد كانت مكرمة هذا الرجل الطيب صاحب العمارة. أما تجهيز المبنى بالمكاتب والسبورات والمستلزمات المدرسية والحاجيات الأخرى فهي مسؤولية يتحملها بعض التجار ورجال الأعمال الذين اقتنعوا بفكرة الخدمة، ونحن نسميهم “متولين”، لأنهم يتولون الأعباء المادية لهذه المؤسسة بالكامل.

مراكز الدعم المدرسي أو قاعات المطالعة… هكذا سميت في أدبيات “الخدمة”. رأيتها في مناطق مختلفة من تركيا، رأيتها في عشوائيات إسطنبول، ورأيتها في عشوائيات العاصمة أنقرة، ورأيتها في أورفه وعنتاب في جنوبي شرقي تركيا في المناطق الكردية، وسأواصل الكتابة عنها وتسليط الضوء عليها، لأنها تجربة فريدة من نوعها، ومكرمة من مكارم رجال الخدمة التي لا ينبغي أن تنسى.

في المقال القادم سأكتب عن طريقة تسيير هذه المؤسسات وعن أبعادها الاجتماعية. ولكن.. لا بد من كلمة..

القلب يدمى عندما يعلم أن آلافا من مراكز الدعم المدرسي وقاعات المطالعة تم إغلاقها من قبل حكومة أردوغان بعد تمثيلية انقلاب ١٥ يوليو ٢٠١٦ دون أي مبرر قانوني، لا، لا، كان هناك مبرر (!)، قيل إنها كانت معاقل للإرهاب (!) والإجرام (!)، بل يكفيها أن تصنف ضمن المؤسسات الإجرامية لأنها ثمرة جميلة من ثمار فكر الأستاذ كولن.

فأيّ إرهاب هذا الذي يعلّم الإنسان الخير، ويرفع من مستواه، ويوجهه نحو الفضيلة، ويبعث الأمل في قلبه، ويخرج منه إنسانا صالحا؟! وا حسرتاه.. كيف ندمر تجاربنا الناجحة بدم بارد ولامبالاة منقطعة النظير؟!

مفاتيح المقال:

  • أنا ابن عائلة فقيرة، حصلت على دعم مدرسي في مراكز الدعم، فاستطعت أن أدخل الجامعة وأصبحت معلما ولله الحمد.
  • عاد الأمل إلى قلوبهم من جديد، لم يعد عالم الجريمة ومهنة الإجرام الطريقَ الوحيد لهم، بل هناك طريق آخر مضيء.
  • قال: أنا علوي، عقيدتي غير عقيدتكم، ما أنجزتموه شيء لا يصدق، اسمحوا لي أن أسهم معكم، إني أتنازل عن الأجرة منذ اليوم.
  • لو لم تمتد يد الخدمة إليّ في الوقت المناسب، لكنت في عداد الضائعين.
  • في البداية واجهنا شيئا من عدم الثقة، لكنهم بعد مدة عرفوا أننا مخلصون في مساعدتهم، فوثقوا بنا.
  • يوم أعلنت نتائج الامتحانات وتبين نجاح الأولاد كان عرسا، كان عيدا، دقت الطبول، وعلت الزغاريد، ورقص الناس فرحا.
  • قالوا: لقد نجحتم في انتشال أبنائنا من عالم الجريمة وفتحتم لنا باب الأمل.
  • أيّ إرهاب هذا الذي يعلّم الإنسان الخير، ويرفع من مستواه، ويوجهه نحو الفضيلة؟!