أن يحمل الإنسان همّ أخيه الإنسان، ألا ينحصر همّه على الإنفاق على أبنائه فحسب، بل أن يفكر بالإنفاق على أبناء الآخرين كذلك.. لقد رأيت هذه الروح العالية لدى تجار “الخدمة” الذين تولوا أعباء مراكز الدعم المدرسي في قضاء “مالتبه” بإسطنبول.

عندما عرّفني مدير المركز بأدب جمّ على رجل في الستينات من العمر دخل الحجرة بعد انتهائنا من احتساء القهوة وأخبرني أنه أحد “المتولين” لهذه المراكز في هذه المنطقة ابتهجت من أعماق قلبي، لأنني وجدت العمود الثاني من الأعمدة الثلاثة التي قامت عليه هذه المؤسسات؛ العمود الأول هيئة التعليم القائمة على الأمر، العمود الثالث الأولاد المستفيدون من هذه المراكز، وها هو العمود الثاني المنفق على المؤسسة.

إنفاق بلا حدود

في العادة لا ينفق الإنسان على مشروع تجاري لا يدرّ عليه أرباحا مرضية، فما بالك في أن ينفق على مشروع لا يعود إليه بأي كسب مالي كما هو الحال في هذه المراكز؟! هذا النوع من الإنفاق يحتاج إلى روح عالية جدا.

سألته عن اسمه، فقال “كريم”، فقلت “اسم على مسمى”، فاحمرّ وجهه خجلا وأحنى رأسه. قال المدير المهذب: “كريم أبي، الضيوف الأكارم يريدون أن يعرفوا السر الذي دفعكم إلى إنفاق أموالكم في هذه المؤسسات”.

سكّان العشوائيات والأحياء الشعبية يحتاجون إلى يد رحيمة تمتد إليهم، توقد لهم الأمل، وتساعدهم في بناء مستقبلهم.

فقال بصوت خفيض: “العفو، نحن لم نفعل شيئا، هذا المال ليس مالنا، إنما هو أمانة من الله، ونحن نحاول أن نوفّي هذه الأمانة حقها. نحن تجار، المال أعز شيء لدينا، من أجله نتعب ونرهق أنفسنا، ونلاحقه ليل نهار، فنحن لسنا سذّجا حتى نسرفه فيما لا طائل من ورائه، بل نستثمره في أحسن الوجوه، وقد تعلّمنا من دروس الأستاذ “هوجا أفندي” أن أعظم استثمار هو الاستثمار في الإنسان. وهو استثمار لا خسران فيه أبدا، إنما هو ربح في الدنيا لي ولبلدي وأمتي والإنسانية، وفوز في الآخرة، فهو استثمار للخلود”.

أكبرت في هذا الرجل الكريم روح العطاء هذه، فسألته “ولماذا اخترت الإنفاق على مراكز الدعم خاصة، وفي هذه الأماكن النائية العشوائية؟”

فقال: “الحاجة يا أخي الحبيب، هناك حاجة ماسة، هؤلاء لهم حق في أموالنا ينبغي أن نؤديه لهم. ثم “الخدمة” أسست مدارس أهلية راقية لا يتمكن من التسجيل فيها إلا من يمتلك رسومها، وهي تسد حاجة ماسة لدى شريحة مجتمعية مهمة لا شك في ذلك، لكن سكان العشوائيات والأحياء الشعبية يحتاجون إلى يد رحيمة تمتد إليهم، توقد لهم الأمل، وتساعدهم في بناء مستقبلهم”.

سأله زميلي الصحفي: “هل يمكنك أن تحدثني عمليا عن كيفية التمويل؟”

طريقة التمويل

فقال: “بكل سرور. في الحقيقة نحن نريد أن نؤسس مدارس متكاملة المرافق والأركان، لكنها مكلفة جدا. تدشين هذا النوع من المراكز أقل تكلفة من المدارس، وهو خيار بديل لمن يريد أن ينفق في العمل التربوي في حال عجز عن بناء مدرسة متكاملة.

أنت لا تحتاج إلى مبنى ضخم لتفتح مركزا. يكفيك أن تعثر على طابق أو طابقين في عمارة بناحية ما من هذه الأحياء الشعبية تناسب أن تكون مركزا، أي أن تكون هادئة، محترمة المظهر والمختبر، صالحة لممارسة التعليم، يسهل تنقّل الأولاد إليها. فيأتي أحدنا من “المتولين”، أي رجال الأعمال الذين تطوعوا للإنفاق على المشروع، يتحمل جميع تكاليفه من اكتراء المبنى ودفع أجرته الشهرية إلى تجهيزه بالحاجيات المدرسية، إلى مصاريف أخرى من طعام وفواتير كهرباء وماء إلخ.

لو أنفقت الدولُ الأموالَ التي تنفقها على الأسلحة على بناء الإنسان كما تفعل “الخدمة” لما بقي إرهاب على وجه الأرض.

“المتولي” في هذه المؤسسات كالأب في الأسرة الكبيرة يتحمل كل الأعباء بحب ورضى”.

سألته: “لكن ألا تثقل المصاريفُ كاهلَكم عندما يتحمّلها فرد واحد؟”

أجاب مبتسما: “بالتأكيد، لذلك لا ينفرد بتكاليف هذه المؤسسات إلا أصحاب الهمم العالية الواثقون من أنفسهم، وهم كثر والحمد لله، لكن في بعض الأحيان يتشارك اثنان أو ثلاثة في مركز واحد فينفقون عليه فيخفّ الحمل. المهم ألا يشعر الأولاد بالفقدان.. بل أن يشعروا بدفء المحبة والعناية ويركزوا على دروسهم.. المهم ألا يفكر المعلمون إلا في تربية هؤلاء الأولاد، نحن عملنا التمويل وهم عملهم التربية”.

قال زميلي منبهرا: “ليتني استطعت أن أسنتسخ منك عدة نسخ أوزعها على العالم الإسلامي البئيس وأحتفظ بنسخة لبلدي”. ابتسم بلطف قائلا: “نحن لم نفعل شيئا، وأنا واثق من أن رجال الإنفاق في بلدانكم أفضل منا بكثير”. سأله زميلي: “كم عددكم؟” قال: “لا أدري، لكن لسنا قلة، أهل الخير كثيرون، المهم أن تطلعهم على نموذج ناجح، وسترى كيف يتنافسون فيما بينهم للإسهام فيه”.

مؤسسات للبناء

بالتأكيد، ليسوا قليلين. رأيت عشرات المدارس الراقية في إسطنبول، رأيتها في مدن عديدة، رأيت عشرات مراكز الدعم المركزي، ومساكن الطلبة، والجامعات، وبيوتات الطلبة… علمت أن رجالات الخدمة هؤلاء فتحوا أكثر من ألف مدرسة في أنحاء تركيا، و ١٨ جامعة، وأكثر من ٢٠٠٠ حي جامعي وأكثر من ١٠٠٠ جمعية لمساعدة الطلبة المحتاجين إلخ… أرقام قياسية تؤكد أنهم كثيرون. حمدت الله على كثرة عددهم، ماذا لوا انعدموا؟!

قلت في قرارة نفسي شكرا لله، شكرا للأستاذ كولن “هوجا أفندي” كما يلقبه الأتراك، لأنه أقنع هؤلاء بأن ينفقوا على بناء الإنسان. ماذا لوا أنفقوا ثرواتهم تلك على حمل الأسلحة وقتل الناس وتدمير المدن وتشريد البشر كما يفعل داعش وأمثاله من التنظيمات الإجرامية؟

لو أنفقت الدولُ الأموالَ التي تنفقها على الأسلحة على مشاريع تستثمر في الإنسان وتعمل على بناء الإنسان كما تفعل “الخدمة” لما بقي إرهاب على وجه الأرض، لكن هيهات.

ما زلنا في مراكز الدعم المركزي، ما زلنا في حجرة المدير في ذلك المركز بقضاء “مالتبه” من إسطنبول، وللحديث بقية.

ولكن، يؤسفني أن أذكركم بأن تلك المؤسسات باتت اليوم في “خبر كان”، لأن الحزب الحاكم في تركيا أغلقها بعد الانقلاب المزعوم في ١٥ يوليو ٢٠١٧ بدون أي مبرر قانوني، واعتقل المنفقين عليها وصادر ممتلكاتهم وشرّد الطلبة والمعلمين، فحرم البلد من خير عميم.

مهما يكن، فالفكرة قائمة في نفوسنا وفي نفوس رجالاتها، وسنظل نكتب عنها إلى أن يأتي يوم يبعثها الله من جديد أكثر تألقا وإشراقا مما مضى.