مرتكزات تربية الإنسان الجديد عند الأستاذ فتح الله كولن

الأستاذ فتح الله كولن من المفكرين الذين اهتموا بتربية الإنسان وفق منظومة قيمية فكرية وأخلاقية مستمدة من كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسيرة السلف الصالح في الماضي والحاضر. وتظهر هذه المنظومة من خلال المؤلفات والرسائل والمقالات التي كتبها الأستاذ، فقد أشار في هذه المؤلفات إلى قيم الإيمان، والمسؤولية والشورى، وحث على إعادة شحن الأجيال بشعائر الثقافة الذاتية للأمة وإلى ضرورة الانبعاث الحضاري من جديد.

تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن مرتكزات تربية الإنسان الجديد عند الأستاذ كولن، وبيان رؤيته في تربية الإنسان الجديد، من خلال القراءة في كتابي “ونحن نقيم صرح الروح” و”ونحن نبني حضارتنا” وذلك لتعلقهما بموضوع الدراسة.

يتبع الباحث في هذه الدراسة منهج البحث الوصفي التحليلي، ويتمثّل في وصف الظاهرة المراد دراستها، ولا يقف عند مجرد الوصف، وجمع المعلومات، بل يتعدى ذلك إلى تحليل الظاهرة وتفسيرها، ومعرفة العلاقة بين عناصرها، وهو أسلوب الحصول على استنتاجات، واستخراج خصائص الظاهرة المدروسة بشكل منتظم وموضوعي.

[gdlr_divider type=”solid” size=”50%” ]

تُعدُّ تربية الإنسان من أهم الموضوعات التي عُنيت بها الفلسفات والأيدولوجيات المختلفة؛ وذلك بهدف إيجاد الإنسان الذي يحقق أهداف تلك الفلسفات والأيدولوجيات في واقع الحياة، فلم يكن في الماضي ولن يكون في المستقبل أهم من الإنسان فهو مرتكز البناء الحضاري للأمم ومشعل التقدم للمجتمعات.

ويلحظ المتأمل في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الاهتمام الواضح بالإنسان، فهو مخلوق مكرَّم، سخَّر الله عز وجل كل ما في الكون لخدمته، فقد فضَّله الحق على كثير من مخلوقاته يقول عز وجل: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً{(الإسراء:70). و كرمه عز وجل بنعمة العقل وأنعم عليه بأدوات العلم والمعرفة، يقول عز وجل: }وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا{(النحل:78). وقد بين الإسلام الأسس والقواعد التي تضمن للإنسان التربية السليمة، منذ أن يكون نطفة في رحم الأم إلى أن يبلغ ما شاء الله أن يبلغه من العمر، وأوكل أمر تربيته في المراحل الأولى للحياة إلى الوالدين وبعد ذلك يُعدّ مسؤولاً عما يقوم به من أعمال.

وقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام على آيات الكتاب الحكيم، فكانوا مشاعل نور تمشي على الأرض، ووصل الإسلام بفضلهم إلى مشارق الأرض ومغاربها، وسار على نهجهم التابعون رضوان الله عليهم فكانوا كذلك أصحاب منهج دعوي فريد يتأسى المسلمون به إلى وقتنا الحاضر. وعندما ابتعدت المجتمعات المسلمة عن مصدري الدين (الكتاب والسنة)، واجه العالمُ الإسلامي أشدَّ أزماته فتعدى عليه الخصوم ونهبوا خيراته، وشاعت الأمراض في المجتمعات، وتأثر الإنسان المسلم من حيث الفكر والسلوك بما ظهر في تلك المجتمعات في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وفي ظل هذا الواقع ظهر من المفكرين المسلمين من يدعو إلى الاهتمام بتربية الإنسان من جديد في فكره وسلوكه ونظام حياته، ودعوته إلى العودة الصادقة إلى منبع الهداية الربانية والمتمثلة في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ينبه الأستاذ إلى أن وارثي الأرض عليهم السعي الجاد في عمل الصالحات، بل يطلب منهم معايشة الدين كما هو في القرآن الكريم والسنة المطهرة،

والأستاذ فتح الله كولن من المفكرين الذين اهتموا بتربية الإنسان وفق منظومة قيمية فكرية وأخلاقية مستمدة من كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسيرة السلف الصالح في الماضي والحاضر، وتظهر هذه المنظومة من خلال المؤلفات والرسائل والمقالات التي كتبها الأستاذ، فقد أشار في هذه المؤلفات إلى قيم الإيمان، والمسؤولية والشورى، وحثَّ على إعادة شحن الأجيال بشعائر الثقافة الذاتية للأمة وإلى ضرورة الانبعاث الحضاري من جديد. ويحتار الباحث في مؤلفات الأستاذ كولن من أين يبدأ في الكشف عن عناصر التجديد في تربية الإنسان؛ فكل ما كتبه الأستاذُ يُعدُّ من عناصر التجديد في تربية الإنسان والبناء الحضاري.

وعليه فهذه الدراسة تكشف عن مرتكزات تربية الإنسان الجديد عند الأستاذ كولن من خلال الإجابة على السؤال الآتي: ما مرتكزات تربية الإنسان الجديد عند الأستاذ فتح الله كولن؟

المرتكز الأول: الصلة بالله عز وجل

يقصد بالصلة العلاقة بين العبد وخالقه عز وجل، والتي تقوم على أساس أن الله هو المعبود والإنسان هو العابد، فهي علاقة عبودية، فالله عز وجل هو خالق الإنسان، بيده أمره ومصيره، اعترف بذلك أم أنكر، فالمهم هو الإحساس بهذه الصلة وقوة الشعور بها واستحضارها في النفس(1).

والصلة بالله تجعل الإنسان يحاسب نفسه على ما يصدر منهما يقول سبحانه: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{(الحشر:18)، ولها الأثر في تنمية جميع جوانب شخصية الإنسان، ويتربى الإنسان في ظلال الصلة بالله عز وجل على القيم الإنسانية العادلة ويستقيم سلوكه، أما ضعف الصلة بالله فإنه يؤدي إلى انحراف السلوك وفساد الفطرة واضمحلال القيم.

ويركز الأستاذ فتح الله كولن على بيان حقيقة الصلة بالله فهي الصفة الأولى لوارثي الأرض أو للإنسان الجديد الذي هو الأساس في الانبعاث الجديد للأمة، وأن هذه الوراثة لن تتحقق إلا باللجوء إلى الله والعودة إليه يقول: “ولئن حَرَم مالكُ الملك الحقُّ الإرثَ عمن ادعى وراثة الأرض الحقيقية في مرحلة تاريخية كثيفة بالضباب والزمان، لأنهم لم يبذلوا الجهد اللائق بالوراثة السماوية كما ينبغي فإن الخلاص من هذا الحرمان يبدأ من اللجوء إليه تعالى مجدداً”(2).

واللجوء الذي يراه الأستاذ صلة مباشرة بين العبد وربه لا واسطة فيها يقول عز وجل: }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{(البقرة:186)، وهي صلة متبادلة بين العبد وخالقه يقول عز وجل: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{(المائدة:54)، ويقول عز وجل: }رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{(المائدة:119)، وهي قابلة للنماء والزيادة بل إن تنميتها وزيادتها تعود للإنسان بالكثير من الفوائد.

وينبه الأستاذ إلى أن وارثي الأرض عليهم السعي الجاد في عمل الصالحات، بل يطلب منهم معايشة الدين كما هو في القرآن الكريم والسنة المطهرة، يقول: “فيلزم لوراثة الأرض السعي الجاد في الصالحات ابتداء بمعنى معايشة الدين كما هو في القرآن والسنة وجعل الإسلام إحياء للحياة…”(3).

وحتى لا يقول البعض إن المسلمين على صلة بالله عز وجل فهم في المساجد يصلون، وفي رمضان يصومون، وإلى مكة يحجُّون، هم على صلة بالله عز وجل ولم تتحقق لهم وراثة الأرض يقول عز وجل: }وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ{(الأنبياء:105)، وينبه الأستاذ إلى ضرورة التجديد في العبادات وأن يفهمها المسلم فهمًا سليمًا بل سلوك مقاصدها، حيث يقول: ” نعم، ينبغي أن تكون “الكمية” تامة و”النوعية” هدفًا في العبادات، والكلمات وسيلة الروح، والصدق أساسًا في الدعوات، والسنة مرشدة في التصرفات، والشعور لازمًا، وفي كل هذه: الله غاية القصد… الصلاة ليست قيامًا وقعودًا، والزكاة مالاً مطروحًا تبرئة للذمم لا يعلم أين ذهابه، ولئن صار الصيام جوعًا وعطشًا فما اختلافه عن الحمية؟ والحج إن لم يجر في فلكه، فما اختلافه عن سياحة بين مدينة وأخرى تكسب بعض عملات أجنبية؟ والعبادات قد تصير كلعب الأطفال إن انحصرت في الكم… وصيحات الأدعية الخاوية من الروح شغل الباحث عن عمل الحلوق.. والحج والعمرة إن صارتا مشقة تُحتمل للتسلي بحمل لقب “الحاج” ومناقب الحج، فسوف نحرج في المعاني والمرامي…. (4).

ويقول: “الانسلاخ من القالب إلى اللُّبِّ، وترك الشكلية والتوجه إلى الجوهر والروح في كل مسألة، ويعني أيضًا التوجه إلى اليقين في الإيمان، وإلى الإخلاص في العمل وإلى الإحسان في الحس والفكر…”(5).

والأستاذ في حديثه السابق إنما يريد أن ينبه إلى أن المقصود من العبادات أثرها وجوهرها مع ما لشكلها من أهمية، إضافة إلى الإخلاص والإحسان واليقين وبهذا يحاكي الأستاذ أقوال حجة الإسلام الإمام الغزالي في أسرار العبادات وأن تكون بحضور القلب، فيقول مثلاً عن الصلاة: “فإذا سمعت نداء المؤذن فأحضرْ في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمَّر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءًا بالفرح والاستبشار مشحونًا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء…”(6).

وللعبادة في الإسلام مجموعة من الخصائص التي تميزها عن غيرها من أنواع العبادات؛ فعبادة الله حررت الإنسان من الذل والانقياد لغير الله تعالى، فحررته من قيود الواسطة والمكان لكل مظاهر العبودية للكهنوت(7). كما أنها شاملة لجميع مناحي حياة الإنسان من حيث هو إنسان متكامل لا ينحصر في النواحي الجسمية أو القلبية والروحية كما هو الحال في عبادات أخرى،(8) والعبادات في الإسلام تقتضي مراعاة الواقع وطبيعة الإنسان بالإضافة إلى السهولة في التطبيق ويسر العبادة يؤدي إلى رفع الحرج.

كما تسهم العبادات في تربية شخصية المسلم على الثقة بالله والتوكل عليه والشعور بالإحساس بالعزة والثقة بنصرة، يقول عز وجل: }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{ (آل عمران: 173)، حيث يستمد القوة، والعزة، والكرامة، من الله عز وجل، وهي تربي الوجدان الإنساني ليصل إلى مراتب الكمال الإنساني الذي يسعى كل مسلم إلى الوصول إليه حتى يلاقي الله عز وجل(9).

ويؤكد الأستاذ على أن وارثي الأرض الذين يخططون للعالم تعميقَ صلتهم بالله عز وجل من الكم إلى النوع، وسد النقص الحاصل في الأوراد والأذكار، والنظر إلى العبادات بعين الرضا يقول: “يتحقق هذا بتعميق الكمية في عبادتنا إلى النوعية وبإطلاق النقص الحاصل في رياضة الأوراد والأذكار إلى الآفاق اللامتناهية بالنية والخلوصية والاعتبار واليقين في دعواتنا ومناجاتنا وبثِّها إلى الذات الإلهية الأقرب إلينا من أنفسنا. ولا يعني هذا المعنى إلا الذين يحسُّون الصلاة كالطائف في المعراج، ويستلذون من أداء الزكاة كحافظ الوديعة أو موظف التوزيع، ويعيشون الحج كندوة عالمية لتداول معضلات العالم الإسلامي وفي أراضيه يرصدون فيها نورانية ومهابة الروح والقلب والأبعاد الأخروية”(10).

يرى الأستاذ فتح الله أن أهم أسباب أزمة العالم الإسلامي التضحية بالدين في سبيل الدنيا، وذلك طمعًا في عمارة الدنيا، وتبني فهمٍ يرجح الدنيا على الدين فكان سببًا في الخسارة الكبرى.

يريد الأستاذ أسرار العبادات ومهامها الحقيقية وأثرها في سلوك الإنسان، فمثلاً لا معنى للصلاة إن لم تحقق الصلة الدائمة بالله عز وجل، ولا معنى لها إن لم تُشبع في النفس الطمأنينة، وترفع الروح المعنوية للمؤمن، وتطبعه بطابع التواضع، وتَقِيه من الرذائل والكبائر، ولا معنى للزكاة إن لم تخلِّص الإنسان من الأنانية والأَثَرَة، وتُحلِّيه بالفضائل الأخلاقية مثل الإيثار والكرم والجود والتضحية والانتماء إلى المجتمع. والصوم إن لم يُطهِّر النفس ويزكيها ويُحلِّيها بالصبر والجلد، ويسمو بالروح والجسد فوق المطالب الآنية فيجب أن يعاد النظر في أدائه.وأشار الأستاذ إلى أهمية الأذكار والأوراد وسد النقص الحاصل بها، وكأني بالأستاذ لا يريد ذكر اللسان فقط، بل ذكر اللسان مع حضور القلب كما يقول الغزالي: “وحضور القلب في لحظة الذكر والذهول عن الله عز وجل مع الاشتغال بالدنيا أيضًا قليل الجدوى، بل حضور القلب مع الله على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدَّم على العبادات، بل به تشرُف سائر العبادات وهو غاية ثمرة العبادات العملية، وللذكر أول وآخر فأوله يوجب الأنس والحب لله، وآخره يوجب الأنس والحب ويصدر عنه”(11).

وللعبادة في الإسلام الدور الرئيس في تهذيب النفس الإنسانية والتربية الروحية هي الوسيلة الفعالة لتربية الروح، فالعبادات المفروضة من صلاة وزكاة وحج وصيام تعمل على تربية الروح، وهي تواجه الحياة الواقعية بما فيها من مشكلات وعقبات وتواجه نقله الجسم ودفعه الشهوات(12). والعبادات تحمي العقيدة، وتحدد للإنسان موقعه في الوجود، وعلاقته مع الخالق والتصدي لأعباء الرسالة، وتقوية الجانب الروحي وتنمية الشعور بمراقبة الله تعالى(13).

وفي كلام الأستاذ تركيز واضح على الإخلاص الذي هو أساس الصلة بالله عز وجل، وهو أن يقصد الإنسان بأعماله وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته دون النظر إلى ثناء الناس أو مَذَمَّتِهم، يرجو ثواب الله تعالى،(14) فيأتي بالأعمال نقية لا يشوبها رياء لتصل مباشرة بالله تعالى، فالإخلاص هو صدق النية مع الله تعالى، وقيل: “الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله خاصة”(15).

ولا شك أن للإخلاص نتائج؛ حيث يقوى الصلة بالله عز وجل ويتجرد القلب من كل الشوائب كالرياء ويستقيم السلوك. ويشكل إخلاص الدعاة عاملاً أساسيا في نصرة الدعوة، وفي نصرة قضايا الأمة، لأن الإخلاص سبب في استجابة الدعاء وتنزل النصر والعون من الله تعالى،يقول عليه الصلاة والسلام: ” إِنَّمَا نَصْرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلاَتِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ”(16).  ونظرًا لما شكَّله الإخلاص من أثر بالغ يجب على القائمين على شؤون الدعوة أن يحرصوا -كما يحرص الأستاذ في كتبه ووعظه- على تعليم المنتمين الى مدرسة الدعوة خاصة، فضيلة الإخلاص الذي هو سبب قبول الأعمال.

ومما يؤكد أهمية الإيمان والصلة بالله تعالى في تربية الإنسان الجديد أن أول الصفات التي أشار إليها الأستاذ في صفات “ورثة الأرض” هو الإيمان الكامل الذي هو غاية لخلق الإنسان، ولا يكون الإيمان الكامل إلا بالصلة بالله تعالى، والإنسان هو المسؤول عن البناء الإيماني لنفسه، فمن خلال الإيمان يستشعر ذاته ومقاصد وجوده وغاياته، وصلته بالله تعالى تجعله يتحدى كل القوى ويحيا متوجهًا إلى الله يقول: “يُعَدُّ سائح الإيمان مكتشفًا لمصدر مهم للقوة، هذه الخزينة والذخيرة التعبوية عائدة للأبعاد الأخرى، والمرمز لها بـ “لا حول ولا قوة إلا بالله”، لتبلغ من الأهمية موقعًا يلغي حسّ الحاجة إلى مصدر غيره عند من يحوز على هذا المصدر للقوة… فإنه لا يرى إلا هو سبحانه، ولا يعرف إلا هو، ولا يفرُّ إلا إليه هو، ولا يحيا إلا متوجهًا إليه هو، فيستطيع تحدي كل القوى الدنيوية بقدر توغل معرفته واعتماده على الله…”(17).

ويُنبِّه الأستاذُ إلى عدم الاغترار بالحضارة المادية؛ لأنها منقطعة الصلة بالله تعيش بلا قيم روحية، يعيش حالة بؤس لضياع قيمها الروحية، والمنجزات العلمية لن تمنحها السعادة طالما أنها تعاني من غياب الروح، وأن أمه الإسلام تعيش وسوف تعيش في ابتهاج الصلة بالله عز وجل. يقول الأستاذ: “وقد اعترى الغرب في القرون الماضية نسيانٌ لِقِيَمِهِ الدينية ووصايا السيد المسيح، فشن أهله الحروب في القارات، وأشاعوا الرق والاستغلال أينما حلو… فهذا العالم يتباهى بالعلم والتكنولوجيا إزاء الفراغ والاكتئاب الذي أوجده في الحياة الاجتماعية نتيجة لخطئه العظيم في تحديد نقطة الانطلاق…”(18).

المرتكز الثاني: بث الوعي

يُعرَّف الوعي بأنه إدراك الفرد لنفسه ولعناصر الموقف أو البيئة أو المجتمع الذي يحيط به(19)، ويعرف بأنه جماع العمليات العقلية التي تشترك في فهم الإنسان للعالم ولنفسه ويرتبط بنشاط الإنسان وبتطور اللغة(20).

إن الوعي بأي أمر علامة من علامات النضج العقلي، وأساسٌ في اتخاذ القرارات، ويؤدي إلى اكتشاف المشكلات قبل وقوعها، ثم التهيؤ لمواجهتها، والحيلولة دون وقوعها. والوعي يؤدي إلى الغوص في الأعماق، وعدم الوقوف عند السطح، ويُجنِّب الوقوع في الخداع والتغرير والتضليل والتزوير، ويفيد في الربط بين الأشياء، مما قد يبدو في الظاهر منفصلاً عن بعضه كما هي علاقة الإعلام بالسياسة وعلاقتهما بالثقافة وعلاقة الجميع بالتربية. وبمعنى آخر، إنَّ الواعي ينظر إلى الأمور والأشياء نظرة شمولية، وليس نظرة تجزيئية، حتى يدرك العلاقة بينها . الوعي ذو أثر أكبر من دائرة الشخص الواعي نفسه، فهو بوعيه يمكن أن ينير الدرب للآخرين، أي يفتح عيونهم للأبصار أكثر، وهذا ما يفعله أرباب الوعي الإسلامي العميق في كتاباتهم وخطاباتهم التي تزيد في وعينا وقدرتنا على التشخيص الدقيق

والمتأمل في كتابات الأستاذ فتح الله كولن يلحظ بوضوح إدراكه الواضح لحال الأمة وسبل الخلاص اللازمة لخروج الأمة من أزمتها وهذا ما كان يبثه في ثنايا الكتاب، وقد حاول الأستاذ بث الوعي وتربية الأفراد على الوعي، ومن أهم المسائل التي أشار إليها وألحَّ في توضيحها الآتي:

‌أ. الوعي بأزمة العالم الإسلامي

يعيش العالم الإسلامي واقعًا مريرًا، في الجوانب الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فبلاد الإسلام أصيبتْ من شرقها إلى غربها بالشلل الفكري واستُهدِفت بالغزو الفكري الذي زلزل عوامل القوة الكامنة في الإسلام، وغدت الأفكار الجديدة تحكم جميع مناحي الحياة، وفي الجانب السياسي تم اقتسام العالم الإسلامي وتمزيقه إلى دول صغرى وإقامة حدود مصطنعة بينها، إضافة إلى انتشار الأحكام الفاسدة. والأمر لا يقل خطورة من الناحية الاقتصادية حيث تعيش الأمة على الفُتات ممَّا يُخلِّفه العالم الآخر، وفي الناحية الاجتماعية انتشر الفساد وانحطت الأخلاق وضعفت الأسرة وتفككت روابط المجتمع. وقد كان هذا الواقع المرير يعيش مع الأستاذ في كتبه ومقالاته ووعظه. فالعالم الإسلامي ومنذ زمن طويل تنازل عن مكانته في قيادة الإنسانية، وأصبح متطفلاً على موائد الآخرين، فالركود والضعف والهوان صفات لازمة للعالم الإسلامي، ويُشخِّص الأستاذ هذا الواقع بقوله: “يمر العالم الإسلامي كله في عصره القريب الأخير، بأشد أزمة واجهَتْه في تاريخه، من حيث الاعتقاد والأخلاق، والنمط الفكري والمعارف والصناعة والعادات والتقاليد والأوضاع السياسية والاجتماعية…”(21).

ويصف الأستاذ واقع المعاملة التي يتعرض لها العالم الإسلامي الذي حُرِم من إرث الأرض بأنها معاملة يتفطر لها القلب من أعداء الإسلام والتعدي عليه وعدم الإنصاف، يقول: “تعرض الإسلام منذ حرماننا من إرث الأرض إلى معاملة ينفطر لها القلب في برزخ ضعف المنتسبين إليه، وتعدي خصومه وعدم إنصافهم. وليس مستغربًا أن يكون الظلم والغدر شعار الطرف الآخر، لكن ضعف المسلم لا يُحتَمل ولا يطاق؛ ولعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا حيث يستعيذ بالله من جَلَد الفاجر وعجز التَّقِيِّ”(22).

ويرى الأستاذ أن العالم الإسلامي يعيش في دائرة مُفْرَغة، إذا ما تقدم خطوة أعقبها خطوات إلى الوراء وانحرف عن سواء السبيل، بل إن السير المشؤوم أو الانحرافات التي يعيشها العالم الإسلامي أثَّرت على الجهود التي تبذل في سبيل العودة إلى الذات، بل تعرضت الأعمال الطيبة ورجالها إلى التزلزل من الأعماق”(23).

‌ب. الوعي بأسباب الأزمة وسبل الخلاص

يرى الأستاذ فتح الله أن أهم أسباب أزمة العالم الإسلامي التضحية بالدين في سبيل الدنيا، وذلك طمعًا في عمارة الدنيا، وتبني فهمٍ يرجح الدنيا على الدين فكان سببًا في الخسارة الكبرى(24). ويقول: “ومن أشد ما يؤلم أن هذا العالم وقد ابتعد عن المحركات التاريخية والقيم الإسلامية التي رفعت هامته قرونًا طويلة وقع أسيرًا في قيود الجهل والانحلال الخلقي والخرافة والأهواء البدنية والجسمانية، فانحدر من هنا إلى مهاوي الظلام والخسران…”(25).

يؤكد الأستاذ كولن على أنَّ الحياة الروحية هي الأساس في الانبعاث من جديد للعالم الإسلامي، وأنَّ إحياء الحياة الروحية هي بداية الصفحة.

إن ترك المسلمين لمنهجهم ودينهم حوَّلهم من العدالة إلى الأهواء، ومن الأخوة إلى العداوة، ومن الشورى إلى الدكتاتورية، ومن الحرية إلى الاستعباد، ومن الفضيلة إلى الرذيلة، ومن العمل الصالح إلى العمل الطالح، ومن العمل المنتج إلى الثروة، فكان الفشل والانعزال عن قيادة الأمم؛ فلم يشهد التاريخ أتعس منها خسارة؛ لأن العالم فقد رسالة الأنبياء وفقد البلاغ لهدي السماء(26)، حين ترك المسلمون التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقعوا في الذلِّ والعبودية والهزائم العسكرية والفكرية والتفرق والشتات والتنافر والاختلاف وقعوا في التقليد والتبعية(27). وإذا أرادت الأمة أن تتخلص من واقعها، عليها أن تتحرر من فقدان الذات، فتحرير الذات من القيود منطلَق أساسي، على العرب والمسلمين أن يبادروا إليه من خلال تجاوز المناهج الوافدة التي أثبتت التجربة أنها لن تُحقِّقَ ” الاستجابة الحقيقية، للمفاهيم التي يحملها المسلمون ولا لذواتهم، فما عليهم إلا أن يفكروا بلغتهم وأن يتحركوا من داخل فكرهم حتى يستردوا أصالتهم”(28).

والواجب أن تكون للأمة الإسلامية رؤيتها الخاصة، النابعة من معتقداتها وتصوراتها وقِيَمها، ومن النظرة للكون والحياة والإنسان، منطلقة من الغاية من الوجود والمهمة الموكولة إليها، فحياة المسلمين اصطبغت بصبغة الحضارة الغربية في جميع جوانبها: في الفكر والتصور والاعتقاد، وفي التربية والتعليم، وفي السياسة وأنظمة الحكم، في كل شيء. وهذا لا يعني أنها اصطبغت بجوانب القوة-التي يحجبها الغرب عنها- فالأمة الضعيفة لا تقلِّد إلا جوانب الضعف والهَرَم والانحلال، لذلك فالصبغة تنحصر في مجالات اللَّذات والانحراف والتحلُّل والتخلي عن القيم.

إنَّ مما يُسهِم في واقع التخلف والتبعية والتقليد، أن معظم المسلمين هجروا إسلامهم، وتهاونوا في تطبيق أحكامه، خلَدوا إلى الدعة والراحة بل تعلقوا بالدنيا وتفرقوا إلى أحزاب متصارعة، بالإضافة إلى تفَشِّي الجهل والبعد عن العلم خاصة في السنين الأخيرة -بعد أن كان المسلمون يتبوأون قمة الحضارة، وكانوا قادة الرََكب الإنساني إلى تصحيح كل فكر منحرف- فتراكمت النكبات التي تعرَّض لها المسلمون وما زالوا، وتفشَّت حالة الضعف النفسي التي وصلوا إليها بعدما تنكبوا الطريق القويم، مما أدى إلى تكريس واقع التخلف والتبعية.

ويؤكد الأستاذ كما يؤكد غيره من المفكرين والباحثين على أن إيقاف النزيف الحاصل في الأمة لا يتم إلا بالعودة إلى مصادر قوتها التي بها انتصبتْ على قدميها وجعلتها في عِزة. يقول: “لكن الثابت أن أمة الإسلام تنزف الدم في القرون الأخيرة وتبدو غير مبالية بمصادر قوتها التي بها انتصبت على قدميها وجعلتها في عزة وراثة الأرض حقًا وصدقًا…”(29)، ويرى الأستاذ أن الخروج من هذه الأزمة يكفل لنا الانبعاث المادي والمعنوي ثم الانخراط في جموع عباد الله الصالحين السالمين المتينين عاطفة وفكرًا وحسًّا وشعورًا الثابتِينَ على إعلاء كلمة لا إله إلا الله”(30).

ويؤكد الأستاذ على أنَّ الحياة الروحية هي الأساس في الانبعاث من جديد للعالم الإسلامي، وأنَّ إحياء الحياة الروحية هي بداية الصفحة. يقول: “إننا لن نقدر على أن نفتح الصفحة الجديدة من غير انتزاع المتلقيات (التصورات) والأفكار المنحرفة في هذا الوطن منذ سنين وسنين مثل إضناء الحياة الروحية وإذوائها بدرجة كبيرة، وتعطيل عمل أجوائنا الدينية ووضع الأقفال على ألسنة القلوب”(31). ومن الأفكار التي يجب انتزاعها للانبعاث من جديد، أوضاع المثقفين الذين حبسوا أنفسهم في المادية، وكذلك التخلص من التشدق الذي حلَّ محلَّ الصلابة في الحق(32).

ومن سُبُل خلاص الأمة مِمَّا هي فيه الالتجاء إلى القيم الذاتية، والتي جعلت ماضي الأمة عظيمًا، وستجعله في المستقبل كذلك. يقول “إنَّ سعينا لتحقيق هذا الأمل وانتظارَنا له هو حقنا وواجبنا وضرورة إيماننا ومن اللوازم أثناء استعمال حقنا. والإيفاء بواجبنا أن نراجع ماضينا المجيد باستمرار ونلجأ إلى قيمنا التي جعلت أمسنا زاخرًا بالعظمة…”(33).

فالحضارة الإسلامية سابقًا إنما نشأت بتأثيرات إسلامية، ووفق شروط صاغها الدِّين، وتكونَّتْ في رحم إسلامي، وليس عبثًا أن تكون قادرةً على النهوض من جديد لأنها تمتلك شبكة شروطها في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يقول عماد الدين خليل: “حضارتنا الإسلامية تظلُّ الوحيدة بين سائر الحضارات الأخرى، قادرة على الانبعاث، لا سيما إذا تذكرنا قدرة النص القرآني والحديث النبوي على حماية مصداقيتها بوعد الله، وشهادة التاريخ والوقائع، على أنه ما من نص ذي أصل ديني قدر على مجابهة التحريف والتزييف كالنص الإسلامي”(34).

جـ. الوعي بقدرة العالم الإسلامي على النهوض من جديد

إنَّ الضعف الذي يعاني منه العالم الإسلامي ضَعْفٌ عارض، وهو مرحلة لن تطول ستعقبها مراحل أخرى؛ فتلك سُنَّةُ الكون وطبيعة الحضارات، فجذور الحضارة الإسلامية لا تزال سليمة محافِظة على عناصرها الحية، والمسلمون مسؤولون عن إنعاش هذه الجذور وإحيائها من جديد حتى تستأنف دورتها وتُواصل عطاءها، بل تقوم بدورة إنقاذ للعالم والحضارة الغربية التي تعاني أثر الأزمات التي لا سبيل إلى معالجتها إلا بتطعيمها بمبادئ الإسلام ذات الروح الإيمانية والنزعة الإنسانية(35).

ويرى الأستاذ أن المستقبل قادم وأنَّ الأمة طالما أنها تسير في طريق الإيمان فسوف يكون الانبعاث من جديد، يقول: “وينبغي أن لا نرتاب في أنَّ ذوينا وبخاصة الأجيالُ الفتِيَّة مِنَّا، سيكونون في القابل القريب أصحاب القول الفصل في سنوات الألفية الثالثة…”(36). ويؤكد أن العالم الإسلامي قادر على النهوض من جديد، فهو لم يقف عند بيان حد الأزمة بل بث الأمل بالقدرة على الانبعاث من جديد، وذلك بما تملك الأمة من تراكمات علمية وقيادتها للأمم سابقًا يقول: “وما زالت الأرض بعد الدوار الطويل والتزلزل الشديد، ورغم أنف الأشياء قادرة على تحقيق هذا التكوين في الحاضر ومالكه لطاقة تُحقِّق بعثًا جديدًا بعد الموت، وإن أمتنا تمتلك تراكمًا علميًّا يجعلها قادرة على الريادة فيما حولها من التكوينات الجديدة، وَزِدْ على ذلك قيادتها للأمم آمادًا مديدة تركت فرصًا مكتسبة من القبول الكامن تحت الشعور في الشعوب المنقادة لها منذ الزمن الغابر، وهي مقتدرة على استعمالها اليوم…”(37).

وبهذا يحثُّ الأستاذ على استشراف المستقبل والقيام بجهد للتعرف على المستقبل؛ الأمر الذي يحتاج إلى عمل عقلي بهدف تكوين الرؤية المستقبلية للعالم الإسلامي. فعندما جاء الإسلام قَدَر بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على نقل العرب ومجابهة الجاهلية وتكوين بداية صحيحة للتشكل الحضاري، مَكَّنَتْهم من تجاوز حالة التخلف الفكري الذي هو أساس كل تخلف، والانطلاق لصياغة حضارة متميزة لها القدرة أن تكون واحدة من الحضارات الأكثر فاعلية وتأثيرًا في مجرى التاريخ البشري(38).

وهذه القدرة لم تتوقف بل مستمرة، فنسيج القرآن الكريم ومعطياته في كافة المجالات العقيدية، والتشريعية والحقائق العلمية كانت وما زالت كفيلة بمجرد التعامل المخلص الذكي المتبصر أن تهزَّ عقل الإنسان وتُفجِّر ينابيعه وطاقاته وتؤهله للقيادة والانبعاث الحضاري من جديد”(39).

إنَّ استقراء التاريخ الحضاري للأمة بدقة وموضوعية يُدلِّل على أنَّ التخلف والتراجع والوهن الحضاري جاء نتيجة الانسلاخ عن القيم الإسلامية والمغالاة في تقليد الآخر، ولا شك أن القيم الإسلامية شكَّلتْ منطلق الريادة حيث يرتقي علماء ويخرج مبدعون من كل العروق والأجناس عند الالتزام بها، ويخبو ويتراجع هذا الرقي والإبداع عندما لا تشكل هذه القيم منطلق الريادة(40).

ومما لا شك فيه أن الانبعاث من جديد لن يأتي صدفة، إذ لا بد من معرفة البرامج والخطط والمناهج والمشاريع التي نسير بها إلى المستقبل، والمراحل التي نريد التنقل عبرها في مسيرة العودة، وأن تكون هذه المناهج والمشاريع مصوغة بعقلية محترفة ومتخصصة وذلك لإعداد أجيال مثالية لإنشاء أمة عظيمة(41).

ومما لا شك فيه أن التخطيط السليم هو الخطوة الأولى نحو تحقيق الأهداف المنشودة وتوفير البيئة السليمة الصحيحة لبناء الإنسان، وهنا لا بد من الإشارة الى أن التخطيط الناجح للبرامج والمناهج التي تعيد للعالم الإسلامي قيادة الإنسانية، هو الذي يصدر من الفئة التي تشعر بضرورة الانبعاث من جديد، فهي الأقدر على العمل والمشاركة والإسهام في إعداد الخطط وتنفيذها.

المرتكز الثالث: الحركية والفكر

يرى الأستاذ فتح الله كولن أنه لا بد من تربية وارثي الأرض على الحركية والفكر لتحقيق الانبعاث الحضاري من جديد. الحركية التي ينطلق منها لتربية الإنسان في القدرة على الدعوة والتأثير وإيصال رسالة الإسلام إلى الآخرين (42).

أما الفكر فهو “تفريغ داخل الإنسان من أجل أن يتسع المكان للتجارب الميتافيزيقية في أعماق داخله بالذات، هذا هو أول مدارج الفكر، وأما المدرج الأخير في ذاك السلم فهو الفكر المتحرك”،(43)فالفكر ليس حالة ذهنية يعيشها الإنسان بل هو استيعاب جميع تجارب الإنسانية بداخله ثم الحركة بعد هذا الاستيعاب. وبهذا يرد الأستاذ على من يقول إن الفكر أو الفكر الإسلامي يتعلق بالقضايا الذهنية والجهود العقلية أي هو تصورات وكليات متعلقة بالإنسان والكون والحياة دون أن يكون له ثمرة في السلوك(44).

ويفهم من حديث الأستاذ أنه يريد المسلم الذي يقوم بتبليغ شرع الله وبيانه للناس، وهدايتهم إليه، وحثهم على تطبيقه في حياتهم بكل الوسائل المشروعة بقصد تحقيق العبودية(45).

يدعو الأستاذ كولن إلى ضرورة بناء النسق الخاص بالأمة بحيث تنطلق فلسفة الحياة منه، وأن يتم التفريق بين النسق الذاتي والنسق المترجم، فالنظام الفكري الإسلامي عادل ويستجيب لمتطلبات الإنسانية.

والحركية التي يريدها الأستاذ يجب أن تكون منضبطة ومنطلقة من الفكر الإسلامي الذي هو مجموعة المفاهيم والتصورات والمبادئ والعقائد التي يؤمن بها الإنسان ومصدرها الوحي الإلهي المتمثل في الكتاب والسنة، أو التصورات البشرية المنضبطة بالوحي الإلهي، ويحذر الأستاذ من الانفصام بين الحركة والفكر، فيرى أن الحركة من غير فكر تؤدي إلى الفشل والفوضى، والأفكار الجامدة من غير حركة تبقى تصورات ذهنية يقول: “كم فكر عظيم بقي حبيسًا في برزخ، فلم يشهد الحياة في هذا العالم المثقل بالدخان والضباب، وكم منهج تحطم مصدومًا بالأفكار الكدرة للمصابين بقصر النظر. فهؤلاء لا يولون أهمية ولا يعون معنى للعلم ولا للمعاني التي تربط بين الأشياء والحوادث، ولا للمناسبات بين الإنسان والكائنات”(46).

فثمة تداخلٌ بين الحركة والفكر، فالعمل الحركي مرتبط بالفكر، والحركة والجهد الحركي أرضية لأفكار وبرامج جديدة، ويمثل الأستاذ هذا التداخل بتشبيه بليغ فيقول “فكأنَّ الفكر بهذا المعنى سماء ومطر للعمل الحركي، أو فضاء وهواء له، وكأن الحركية أرض وسدانة للفكر أو تراب وقوة الإنبات فيه… كل جهد حركي هو تحقيق فكر وبرنامج، وكل فكر هو بدايته ووتيرة للعثور على أُطُره الحقيقية وبلوغ مراميه في ثنايا التحركات الملتزمة به… (47).

وليس كما يظن البعض بأن المفكرين معزولون عن المجتمع ليس لهم علاقة بما يدور، فهو يرى أن رجل الفكر هو رجل الحب الذي يحب الله تعالى كحب مجنون، ويحتضن كل إنسان إلى العشق ويداعب الأطفال ويحثُّ الشباب إلى الوصول إلى الإنسان المثالي، ويوقر الشيب بأخلص التوقير والاحترام ويسعى للحوار مع الجميع، فهو رجل حكمة يستوعب كل شيء بموازين واضحة وهو أنموذج للشعور بالمسؤولية، ويستشعر التوقير للقيم ويهب لها قلبه. وفي سلوكه يكون مشدودًا شدًّا وثيقًا بحسابات الحق(48). ويرى أن الذين يعيشون من غير فكر سطحيون كأطفال يقلدون كل ما يرون ويسمعون، ولا يحسون بأنفسهم، ولا يشعرون ألبتة بوجود قيم تخصهم فهم يحيون حياة العبيد، يُسخّرون كل شيء لخدمة الجسم بل يغيرون ما وهبهم الله كالقلب والإرادة والحس والشعور إلى وسائل رخيصة لملذاتهم البدنية، ويكفي أن الذين يعيشون مفكرين يرون كل لحظة من حياتهم طريقًا للأفكار المتكررة والتجديد في الحياة(49).

فالفكر والهدف السامي يشحذ الأجيال ويولِّد الطاقة، وهو منبع صافٍ يمد بالحماس، والفكر السامي يصل بالمساعي الفردية إلى حركة جماعية، فقد كانت أهم مصادر القوة لتلك الثلة الأولى من المجاهدين فكرة واحدة بدلَّوا بها مصير الإنسانية(50).

وحتى لا يبقى الحديث عن إنسان الحركة والفكر حديثًا نظريًّا، يقدم الأستاذ فتح الله كولن نماذج عملية في الحياة المعاصرة لأشخاص يرى أنهم يمثلون إنسان الفكر والحركة ويذكر نبذة يسيرة عن حياتهم باعتبارهم نماذج وقدوات، فالقدوة هي: “المعلِّم القدير بلا لسان، والمرشد الناصح من غير بيان، وهي مدرسة الإنسان العلمية التي يرسخ تعليمها في النفوس، ويعلق بالأفهام، والناس مائلون طبعًا إلى أن يتعلموا بعيونهم أكثر مما يتعلمون بآذانهم، والمرئي يؤثر أكثر من المقروء والمسموع، وتعليم العمل أنفع من تعليم القول، والإرشاد يري الطريق ولكن القدوة البكماء تسير فيه، ومهما أوتي المعلم من البراعة في تهذيب النفوس فليس ببالغ ما يبلغه زميل له دونه في المهارة وفوقه في السيرة، ولذا كان خير النصح افعل كما أفعل لا كما أقول”(51). في العبارات السابقة قولٌ بليغٌ في بيان أهمية القدوة ودورها وتأثيرها في النفوس، وبيانٌ لميل النفس البشرية لها لا إلى الكلام من غير فعل، لذا جاء القرآن الكريم يبين موقع وأهمية القدوة في التربية وتعديل السلوك. قال تعالى: }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا{ (الأحزاب:21). فالآية الكريمة تبين أهمية القدوة في المجتمع، وما لَهَا من تأثير واضح على أفراد المجتمع. لذا جعل الإسلام القدوة الدائمة في شخص المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو عليه الصلاة والسلام قدوة متجددة على مر الأجيال وفي واقع الناس. ولا تَعرِض التربية الإسلامية هذه القدوة للإعجاب والتأمل، إنما تعرضها على الناس ليحققوها في ذوات أنفسهم بقدر ما يستطيع كل فرد منهم وبقدر ما يصبر على الصعود(52). فالقدوة عامل مهم في إصلاح الأفراد أو إفسادهم، فالمربِّي الصدوق الشجاع الكريم يُنشئ شابًا صدوقًا أمينًا خلوقًا كريمًا شجاعًا، لذا فالقدوة من أفعلِ الوسائل وأقربها إلى النجاح. فمن السهل تأليف كتاب في التربية ومن السهل تصور منهج، ولكن يظل هذا غير ذي جدوى ما لم يتحول إلى حقيقة واقعة تتحرك في واقع الأرض، وما لم يترجمه البشر بسلوكات وتصرفات حقيقية، فعندئذ يتحول المنهج إلى حقيقة، والحقيقة إلى حركة، والحركة إلى تاريخ(53).

ويؤكد الأستاذ أنه ليس هناك نمطٌ أو نسقٌ معينٌّ لإنسان الفكر والحركة. فقد تجده إنسانًا متفانيًا في العلم، أو فنانًا أو رجل دولة يجمع كل هؤلاء. ومن الأسماء التي أشار إليها “النورسي” و”أحمد حلمي”… بل يقترح الأستاذ على طلبة العلم الاهتمام بالكتابة عن هؤلاء للاستفادة ممَّا توصلوا إليه. أما الفكر الذي يريده الأستاذ فهو الفكر الذي يُبرز هويتنا الداخلية المنسوجة من ميراث حضارتنا وثقافتنا الذاتية، وجعل هذا الفكر محور الانبعاث من جديد، يقول:” إن بعضًا منا لا يدرك على المدى القريب الفوائد المترتبة على العيش في أجواء “محور الذات” لكن سوف تبدو الأهمية في مراحل التقدم كلها لذا علينا أن نواصل السير في إطار ديننا وتراثنا وعقائدنا وتقاليدنا(54). ويتابع: “إذ ينبغي على الأمة ألا تغض البصر عن جذورها المعنوية في جميع فعالياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما ينبغي عليها ألا تنسى البته الرسالة الهادفة المميزة لثقافاتنا الذاتية ما دامت قد قررت أن تحقق الشهود الحضاري في عصرها…”(55).

فهو يدعو إلى ضرورة بناء النسق الخاص بالأمة بحيث تنطلق فلسفة الحياة منه، وأن يتم التفريق بين النسق الذاتي والنسق المترجم، فالنظام الفكري الإسلامي عادل ويستجيب لمتطلبات الإنسانية، يقول: “فهو نظام يحقق العدالة الكونية المرتقبة في الأرض كلها بتحويل السلوك الأخلاقي للمتطلبات الإنسانية، فيصل المجتمع في ظلِّ ذلك إلى القدرة على تجديد نفسه ذاتيًا بالتربية على الروح والأخلاق والفضيلة والتفكير…” (56).

فالفكر الإسلامي يتصف بالشمول من خلال تنظيمه لعلاقة الإنسان بخالقه، وعلاقته بالإنسان وعلاقته بنفسه وبالآخرين، ويشمل حاجات الإنسان الجسمية والعقلية، والروحية، وهو فكر عالمي؛ لأن دعوة الإسلام كانت وما زالت عالمية يقول عز وجل: }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ{ (الأنبياء:107) وهو فكر إنساني فيه “محبة الناس كلهم بلا أنانية ولا تعصب للون أو قوم أو وطن، وهذا ينعكس على كل تصرفات الإنسان رحمة وعدلا”(57)، وفكرًا متوازنًا يوازن بين متطلبات الروح والمادة، والقول والفعل، ومصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، بالإضافة إلى أنه فكرٌ متميزٌ. وهذا الفكر هو الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية التي اكتسبت طابعًا مميزًا عن غيرها من الحضارات الإنسانية والتي هي حضارة إيمانية انبثقت من العقيدة الإسلامية، وحضارة إنسانية عالمية في آفاقها وامتداداتها لا ترتبط بإقليم أو جنس أو مرحلة، وحضارة معطاء أعطت عطاء زاخرًا بالعلم والقيم من عدل ومساواة وفضيلة وجمال وحضارة باقية بقاء الحياة على وجه الأرض تستمد بقاءها من الإسلام(58). فيؤكد الأستاذ أن الأيدولوجيات التي برزت للميدان كانت عليلة بعلل شتى، مثل التصادم مع الطبيعة البشرية، وقد عجزت عن احتضان الفئات كلها، ولم تكن بالمستوى في استجابتها للحاجات الإنسانية، وقد أغفلت القيم الإنسانية، بل أسهمت في تأجيج مشاعر الحقد والبغض بين البشر، لذا خلَّفتْ خرابًا وأنقاضًا، وبناء على ذلك فإننا بحاجة إلى فكرٍ سامٍ يشحذ الهمم وينِّور العيون ويبعث الأمل، ليس فيه فجوات عقلية أو عاطفية(59).

فالفكر الغربي المعاصر يعاني من الغبش في معرفة الألوهية، ويعاني من النزعة المادية التي تؤمن بالمادة وحدها لتفسير الكون والمعرفة والسلوك، ومن النزعة العلمانية التي تفصل بين الدين والحياة، كما يعاني من الصراع، فهو فكر يقوم على الصراع لا يعرف السلام ولا الطمأنينة ولا الحب، صراع بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والإنسان، ويقوم هذا الفكر على الاستعلاء على الآخرين، فهم يعتبرون أنفسهم الأفضل، ويعتبرون حضارتهم هي الحضارة الإنسانية ولا يعترفون بغيرها(60).

إن دراسة العوامل الحقيقية لولادة تلك الإيدولوجيات وتأثيراتها تجعلنا أمام أزمة فكرية طاحنة، وهذه الأزمة خانقة متعددة الأثار أدت إلى إصابة العقل المسلم بأمراض خطيرة، كان القرآن الكريم قد شفاه منها، وهو مرض التقليد والذي أشار إليه الأستاذ تكرارًا وهو عقلية العوام وإهمال النظر والفكر والتدبر والتأمل الذي أدى إلى إنكار البدهيات والتحيز والتعصب والتعلق بكل ما هو شاذ وغريب(61).

إن واقع التخلف والتبعية الذي تعيشه الأمة الإسلامية يجعلها تقلد كل ما هو بعيدٌ عن بيئة المسلمين وحضارتهم الإسلامية، لاعتقادها بأن تقليد الآخر يوصل الأمة إلى مصافِّ الدول المتقدمة المتبوعة.

وعن هذه التبعية عبر أحد الكتاب قائلاً: “فأما نحن الذين نزعم أننا مسلمون فأرانا نتلقى في صميم فهمنا لقرآننا وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم عن المستشرقين وتلامذة المستشرقين! وأرانا نتلقى فلسفتنا وتصوراتنا للوجود والحياة من هؤلاء وهؤلاء من الفلاسفة والمفكرين (الإغريق والألمان والأوروبيين والأمريكان)، وأرانا نتلقى نظام حياتنا وشرائعنا وقوانيننا من تلك المصادر المدخولة، وأرانا نتلقى قواعد سلوكنا وأخلاقنا من ذلك المستنقع الآسن الذي انتهت إليه الحضارة المادية المجردة من روح الدين … “(62). ولبناء إنسان الفكر لا بد من التخلص من كل الأفكار في داخلنا والتي تخرب جذور الروح. والعمل على طبع فكرنا الذاتي ونظامنا الاعتقادي وفق نسيجنا الحضاري والخاص(63)..

ويفهم من حديث الأستاذ المصطلح الشائع والمعروف بالتَّخْلِيَة والتَّحْلِيَة، ويقصد بالتخلية ترك الأفكار والمعتقدات المخالفة وعدم ممارستها، وحتى يتمكن الفرد من هذا الأمر يجب تجنب هذه الأفكار، ونبذ السلوكات والعادات والانحرافات غير المرغوب فيها؛ وتعد هذه المرحلة تهيئة لمرحلة وجدانية نفسية عند الشخص تسهل تخليِّه عن الأفكار والمعتقدات المخالفة والتخلص بتركها دفعة واحدة، قال تعالى: }قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ{ (الأنعام: 151)، والمتأمل يلحظ أن هذه السلوكات لا علاقة لها بجسد الإنسان، لذا أَمَرَ بتركها دفعة واحدة.

أما التحلية فيقصد بها جعل الفرد يمارس سلوكًا جديدًا يكون محلاً وبديلاً للسلوك الذي تمَّ تركه، وحتى يتمكن الفرد من ممارسة السلوك يجب عليه المجاهدة: ويُقصد بها أن يتكلَّف الإنسان فعل السلوك المراد تثبيته لقوله تعالى: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ{(العنكبوت: 69). وهذا ما عناه الإمام الغزالي بتكلف الفعل الذي يراد تحويله إلى سلوك ثابت، حيث قال: “فمن أراد مثلاً أن يُحصِّل لنفسه خُلُق الجُود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجود وهو بذل المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفًا، مجاهدًا نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعًا له…”(64).

وكذلك تكرار السلوك، ويقصد بالتكرار أن يمارس الفردُ السلوكَ بشكل مستمر، والهدف من تكرار السلوك أن يصير ثابتًا مستقرًا، قال تعالى: }وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ{ (الأعراف: 205)والتكرار هو ما تحدث عنه الغزالي بقوله: “ولا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذُ الطاعة واستكراهُ المعصية في زمان دون زمان، بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام وفي جملة العمر. وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر كان الثواب أجزل والنفس أزكى وأطهر والأخلاق أقوى وأرسخ. وإنما المقصود من العبادات تأثيرها في القلب ويتأكد التأثير بكثرة المواظبة عليها…”(65).

الهوامش

(1) 68، نظام الإسلام: العقيدة والعبادة، محمد المبارك، دار الفكر- بيروت،ط4، 1975م.

(2) 13، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(3) 14، المصدر السابق.

(4) 26، المصدر السابق.

(5) 26، المصدر السابق.

(6)  1/216، إحياء علوم الدين، أبي حامد محمد بن محمد الغزالي.

(7) 149، العبادة في الإسلام، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة- بيروت.

(8) 160، قرارات في التربية الإسلامية عبد الرحمن النقيب، الرياض، ط1، 2004م.

(9) 83، الأساس التعبدي للتربية الإسلامية”بنان” أحمد ضياء الدين.

(10) فتح الله كولن، ونحن نقيم صرح الروح، ص 61.

(11) 1/391، إحياء علوم الدين، أبي حامد الغزالي.

(12) 85، في النفس والمجتمع، محمد قطب، دار الشروق، ط5، 1980م

(13) 73-77، نظام الإسلام العبادة والعقوبة، محمد عقله، عمان، ط1، 1986م.

(14) 36، إسلامنا، سيد سابق، دار الكتب الحديثة – القاهرة، ط2، 1976م.

(15) 4/449، إحياء علوم الدين، أبي حامد الغزالي.

(16)حديث4372 ، 4/305، النسائي، السنن الكبرى.

(17)  35، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(18) 8-9،  ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن.

(19) معجم علم النفس الطب النفسي، القاهرة، جابر عبد الحميد، وعلاء الدين كفافي، دار النهضة العربية، ط1، 1988م.

(20) 946، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، عبد المنعم حنفي، دار النهضة- القاهرة، ط3، 2000م.

(21)  10، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(22) 18، المصدر السابق.

(23) 24، المصدر السابق.

(24) 15، المصدر السابق.

(25)  10، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(26) 35-36، حاضر العالم الإسلامي، توفيق الواعي.

(27) 106، التقليد والتبعية، ناصر العقل.

(28) 14، مفاهيم العلوم الاجتماعية والنفس، أنور الجندي.

(29) 14، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(30) 17، المصدر السابق.

(31) 30، المصدر السابق.

(32) 30، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(33) 32، المصدر السابق.

(34) 11، مدخل إلى الحضارة الإسلامية،عماد الدين خليل.

(35) 10، خصائص الحضارة الإسلامية وآفاق المستقبل،عبد العزيز التويجري.

(36) 6، ونحن نبني حضارتنا،فتح الله كولن.

(37) 29، المصدر السابق.

(38) 19، الوسيط في الحضارة الإسلامية، عماد الدين خليل.

(39) 26، المصدر السابق.

(40) 20-22علوم حضارة الإسلام، خالد الحربي.

(41) 12-43 ونحن نبني حضارتنا،فتح الله كولن.

(42) 22، المصدر السابق.

(43) 59، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(44)  81،  الثقافة الإسلامية، محمد أبو يحيى.

(45) 20،  أخلاق الداعية، عدنان خطاطبة.

(46) 82، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(47) 80، المصدر السابق.

(48) 111/ 112، المصدر السابق.

(49)120، المصدر السابق.

(50) 45، ونحن نبني حضارتنا،فتح الله كولن.

(51) 67، الخلق الإسلامي الكامل،  بديوي.

(52) 257، أصول التربية الإسلامية، عبدالرحمن النحلاوي.

(53) 180، منهج التربية الإسلامية، محمد قطب.

(54) 23-24، ونحن نبني حضارتنا،فتح الله كولن.

(55) 26، المصدر السابق.

(56) 126، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

(57) 159،  محاضرات في الثقافة الإسلامية، نوح القضاة، عمان، مديرية الإفتاء العسكري.

(58) 7، خصائص الحضارة الإسلامية، عبد العزيز التويجري.

(59) 38-39، ونحن نبني حضارتنا،فتح الله كولن.

(60) 13-23،  الإسلام… حضارة الغد، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة- القاهرة، 1995م.

(61) 141، تجديد الفكر الإسلامي، محسن عبد الحميد.

(62) 1/440  في ظلال القرآن،  سيد قطب.

(63) 15، ونحن نبني حضارتنا،فتح الله كولن.

(64) 2/73 إحياء علوم الدين، أبي حامد الغزالي.

(65) 2/73 المصدر السابق.

 (1) 13، ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن، ترجمة عوني عمر لطفي أوغلو، دار النيل للنشر-مصر، ط7، 2014م

(2) 14، المصدر نفسه.

(3) 26، المصدر نفسه.

(4) 26، المصدر نفسه.

(5) 165،ج1، إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، دار المعرفة، بيروت.

(6) 60، ونحن نقيم صرح الروح.

(7) 303،ج1، إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي.

(8) 479،ج1، المصدر السابق.

(9) 35، ونحن نقيم صرح الروح.

(10) 8، ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ترجمة عمر عوني لطفي، دار النيل للنشر – مصر، ط2، 1433ه – 2011م.

(11) 30. نحو الجنة المفقودة،

(16) 30، النور الخالد، محمد مفخرة الإنسانية

(17) 54، المفاهيم الأساسية في ممارسة التصوف

(18) 1، ويب، فتح الله غولن، 102-3