انطلاقا مما تقدم يثار السؤال الآتي “ما مرتكزات الثقافة عند الأستاذ فتح الله؟”

يجيب الأستاذ نفسه عن هذا السؤال من خلال مقالة “المصادر الأساسية لميراثنا الثقافي”: “وهذه الأسس -باختصارٍ- هي الكتاب والسنة… وبالإضافة إلى هذين العمادين -وفي إطار مرجعيتهما- التفسيرُ والحديث وأصول التفسير وأصول الحديث والفقه وأصول الفقه… ونخص بالذكر الفقه وأصول الفقه فهما -من حيث إنهما ثمارُ مساعٍ حثيثة وكدحٍ مضنٍ، ومن حيث إنهما من غير مثيل أو شبيه لهما في التاريخ- مَنبعان لا ينضبان ومصدران قابلان للتوسع والثراء الرحيب بحيث إن الشعوب التي تمتلك هذين المصدرين تُعَدُّ مالكة لأهم الأشياء الحيوية. إن كل حضارة تَفخر بقيمٍ تخصها بالذات… فالفقهُ وأصول الفقه من أهم وأبرز قيم حضارتنا نحن. وأحسب أننا لو كنا نحتاج إلى أن نَصِف حضارتنا -باعتبار ماضينا- بصفة، لكان من الأنسب أن نصفها بـ”حضارةِ الفقه وأصول الفقه”… حضارة الفقه وأصول الفقه المنفتحة أبوابُـها على مصاريعها للفكر والحكمة والفلسفة”.

فالقرآن الكريم والسنة النبوية وما يتصل بهما من فقه وأصول فقه يعتبران المصدر الأساسي الموجه للميراث الثقافي بالنسبة للأستاذ، وهو إذ يبرز هذا المرتكز لا يقف بذلك عند حدود الخطاب بل هو يركز على جانب الحضور الفعلي لهذين المصدرين في الحياة من خلال بناء نماذج بشرية متحلية بثقافة تستمد مرجعيتها من سنة رسول الله  ومنهجه في الحياة ومنهجه في التفاعل مع الكون، ومن خلال الاسترشاد بالقرآن الكريم وما يتصل به من تفسير وفقه وأصول فقه.. وهو إذ ينبه إلى ذلك كله إنما ينبه إلى الأساس المتين الذي يكون خير عون للإنسان في مسيرة البناء والانبعاث من جديد والنهضة.. وهو كذلك إذ ينبه إلى ذلك يؤكد بأن كل منطلق لا ينطلق من خصوصيات ذاتية، فإن نتاجه ومخرجاته سلبية لا محالة، ولن يكون هناك انبعاث ولا نهضة، ولذلك وجب الارتكاز على هذه الخصوصيات. بمعنى أن الأستاذ فتح الله كولن يجعل القرآن الكريم والسنة النبوية وتوابعهما شرطين أساسيين للانبعاث الحضاري والنهضة والتقدم. ولا يقف هذا الرجوع إلى هذه الأصول عند مجرد اجترار ما قدمه السلف، بل لا بد للأجيال الحالية من أن تسجل حضورها.

لقد كانت البيئة التي أنتجت ما أنتجته من معطيات ثقافية ومن ميراث يعترف العدو قبل الصديق بقيمته وأهميته.. لقد كانت هذه البيئة بيئة حية معطاء وبيئة ولودا، بفعل ما وفرته المصادر الأساسية من أجواء مساعدة على الصلاح وعلى الإبداع. ولذلك فإن حضور هذه الأصول في حياة الأجيال الحالية، وعيشها كما كان يعيشها الأجداد، سيولد بيئة مساعدة على الانبعاث والنهضة وغير ذلك من أسباب النهوض، وسيقدم لهذه الخصوصيات إضافات كثيرة كما أضاف الأجداد بما أنتجوه من علوم ومعارف كانت مرشدا ومنارة تنير الطريق.. يقول: “يتحتم علينا -من أجل بناءِ فهمٍ ثقافي أمتن وأسلم وأقوم وأبقى لأمّتنا- أن لا نفدي قِيَمَ ماضينا وحاضرِنا ومستقبلنا بعضَها لبعض مع مراعاة الأولوية للمستقبل، وأن نوقر ونصون الديمومة والتوسع بنفس الدرجة.. والحقيقة أن الزمان الثقافي غير مرتبط بفكرة التواجد قبلُ أو بعدُ، على خلاف مفهوم الزمان المعروف لدينا. وأرى من الأنسب أن نسميه بـ”ما فوق الزمان”. بل الأحرى أن ننظر إليه مستقلا عن الزمان ومتعاليا عنه. والواقع أن ديمومة الثقافة بذاتها منوطة باستقلالها. لكن من البدهي وجودُ إطار من المرجعيات تنظِّم بناءها الذاتي والمستقل تماما، وتُشكِّل كيفية علاقتها بالجهات المختلفة”.

قد يلتقي الأستاذ فتح الله كولن مع العديد من مفكري الإصلاح في قضية الارتكاز على القرآن الكريم وعلى السنة النبوية. فأغلب مفكري الإصلاح إن لم نقل كل مفكري الإصلاح الذين ينطلقون من رؤية إسلامية يجمعون على ضرورة الرجوع إلى القرآن والسنة، ولكنهم وهم ينظرون لذلك نسوا وضع خطة عمل لتفعيل ذلك، وهو الجانب الذي يميز الأستاذ فتح الله كولن.. فرؤيته الفكرية ومجهوده النظري لا ينفصل عن المستوى التطبيقي والحركي في مشروعه الإصلاحي بصفة عامة.

فما موقع القرآن الكريم في هذا الميراث الثقافي؟

وما موقع القرآن الكريم في التصور الإصلاحي بكامله؟

وما طبيعة نظرة الأستاذ فتح الله للقرآن الكريم؟

وما منهج تفعيل الوحي عنده؟

يقول عن القرآن والكريم وعن حيويته واستمرار نضارة خطابه، باعتباره وحيًا: “إن القرآن الكريم -سواء بالتفسيرات المروية عن رسول الله  أو التفسير والتأويل في ضوء قواعد اللغة العربية وأساليبها، أو أسباب النـزول- لم يزل مصدرًا مهمًّا لثرائنا الفكري، حتى إن من ينظر إليه بالنظر السطحي فلا يخفى عليه كم هو مصدرُ ثراءٍ كبير.. والمعنى عينه جار على الحديث أيضًا، لكن الواجب أن تصان هذه العلوم بالعقول الوفية والمقتدِرة، وإلا فلا منجى ولا مفرّ لأمّتنا من حياة الشقاء في هذا الثراء إن دام ما يراد لهذين المصدرين النيرين الفياضَين من تكديرٍ لصفائهما أو إغفالٍ لوجودهما، نتيجةً للعداوة اللدود من الخصوم، والخذلانِ أو السكون من الأصدقاء”.

فالقرآن وما يحيط به من معارف وعلوم، هو أول مصدر للثراء الفكري المتصل بالذات، بل هو أساس كل شيء في حياة المؤمن.. فالقرآن كتاب مقدس أوحاه الله تبارك وتعالى على رسوله  ليبلّغه للناس كافة، بما أنه الكتاب الذي وضع فيه الله تبارك وتعالى تفاصيل السير إليه، وتحقيق الغاية من خلق الإنسان ونزوله إلى الأرض. ولذلك فإن القرآن الكريم الذي بلّغه الرسول  لكل من كانوا محيطين به كان أداة تفتحت بها بصائر رجال حول الرسول  وتعمق به شعورهم وتوسع به إدراكهم الفكري، حينما ربطهم بالآفاق واسعة، بعد انتشالهم من ضيق رؤية لا تتجاوز حدود اليومي إلى آفاق الوجود والكون الواسعين.. لقد أخذ بألبابهم منذ الوهلة الأولى نظرا لمنطقه الدقيق وقدرته على مخاطبتهم بأسلوب عهدوا أنفسهم أقدر الناس عليه، لكنهم مع ذلك عجزوا كل العجز عن الإتيان بمثله، وأدركوا مع كل ذلك بأنهم بالانفتاح على القرآن وتشريع أبواب كل جوارحهم سينتقلون بفضل ما أودعه الله في هذا الكتاب من أسرار إلى مقامات أخرى ترشد العالم إلى كل أنواع الفضل والخير. لقد أدركوا -وهم متحلقون حول المبلغ الأول- لهذا الخير العظيم بأن “الاستفادة من خيره منوطة بمقدار ما تتسع له العقول المنصفة”.

بهذا الإدراك -أي بإدراك كون القرآن الكريم وحيا وخطابا إلهيا يتوجه به الله تبارك وتعالى إلى خلقه من أجل مساعدتهم على معرفته والاسترشاد بمنهجه في إعمار الأرض وبناء الحضارة- نجح الرسول  المؤيد بمصدر الوحي في صنع نماذج بشرية لم يسبق لها مثيل، لأن “درجة الكمال التي وصلت إليها الأجيال التي نشأت في جوّه النوراني كانت معجزة قائمة بذاتها لا تحتاج معها إلى ذكر أي نوع آخر من المعجزات، ولا يمكن العثور على أي مثيل لهم في مستواهم من ناحية التدين والتفكير وأفق الفكر والخلق ومعرفة أسرار العبودية. فالحقيقة أن القرآن قد أنشأ جيلا من الصحابة آنذاك لا نبالغ إن قلنا إنهم كانوا في مستوى الملائكة”.

فانطلقوا نحو الآفاق مبلغين كلمة التوحيد إلى كل مكان، مرشدهم في كل ذلك هو “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، والخطاب القرآني.. لقد انطلقت هذه النماذج البشرية نحو الآفاق لا يحركها سوى شيء واحد هو “إعلاء كمة التوحيد”، ولم يكن في حسابها الاستقرار من أجل بناء الحضارة أو إدراك منفعة مادية ودنيوية، بل كان غرضهم الأول هو أن ترفرف كلمة التوحيد في كل مكان، وتبليغ الوحي إلى كل بقعةٍ وَصلوا إليها، لكن العمران والحضارة وما يترتب على ذلك من استقرار وإنتاج معرفي وغيره، كان في الأصل منحة إلهية وجائزة منحها الله تبارك وتعالى لهذه النماذج البشرية. واستمر الأمر على هذه الحال قرونا عديدة حولت فيه هذه الحضارة أمكنة قوتها من زمن إلى آخر ومن قطر إلى آخر، إلى أن تغافل الناس عن الهدف الأسمى وهو نشر التوحيد وجعل ذلك موجها أساسيا في الحياة، فابتلي الناس بما ابتلوا به من ضعف ومذلة وتراجع في القيم والأخلاق.

ومن هنا فإن فتح الله عندما يستحضر القرآن باعتباره مصدرا أساسيا من مصادر ثقافتنا كما يقول، يستحضره باعتباره وحيًا ما يزال يتنزل باستمرار إلى أن تقوم الساعة. وهذا هو عمق ما يقصده الأستاذ فتح الله بأن الخطاب الإلهي أو البيان الإلهي -الذي يعبر عنه الخطاب القرآني- هو فوق الزمان والمكان، وليس مجرد مصحف يتبرّك به ويحترم جانبه الخطي، ويعتنى بجوانب الزخرفة فيه.. فالأستاذ فتح الله كولن عندما يطرح القرآن الكريم بهذا البعد، يطرحه بروح مطلعة على تاريخ الحضارة الإنسانية بصفة عامة، وتاريخ الحضارة الإسلامية بصفة خاصة، يعلم يقينا أن الحضارة الإسلامية هي إسلامية بمقدار التصاقها بالوحي وروحه. فإذا هي ابتعدت عن هذه الروح ضاع منها مشعل الحضارة، والتجأت إلى هامش التاريخ وصارت تابعا، والأصل أن تكون رائدة. بعبارة أخرى إن الأستاذ فتح الله ينظر إلى عمق التمثيل لقيم الوحي، فكلّما مُثِّلت قيمُ الوحي تمثيلا حقيقيا وسليما وعميقا كلما تحقق الشهود الحضاري، يقول: “يمر العالم الإسلامي كله -في عصره القريب الأخير- بأشد أزمة واجهَته في تاريخه، من حيث الاعتقاد والأخلاق والنمط الفكري والمعارف والصناعة والعادات والتقاليد والأوضاع السياسية والاجتماعية. لقد نجح المسلمون في تأسيس أكمل إدارة، تعجز عنها مدارك التصور الإنساني، لمّا كانوا زمنًا أشد أهل الأديان تمسكًا بالدين، وأقوى الناس التزامًا بالأخلاق، وأسلمهم أعرافًا وتقاليد، وأجدرهم بقيادة الدنيا بسعة أفقهم السياسي والاجتماعي ونُظُمهم الفكرية. ذلك، بمعايشتهم للدين من غير خلل، وبكمال أخلاقهم، وعقلهم العلمي، وسبقهم الناس في كل عصر. واستطاعوا أن يمدوا سلطة إدارتهم – في ظل الأعمدة الثلاثة: الإلهام والعقل والتجربة- من جبال “بِيرِينَة” إلى المحيط الهندي، ومن “قَازَان” إلى “الصومال”، ومن وبواتييه إلى سدّ الصين… وأحيوا الشعوب التي في عهدتهم في هذه المساحة الواسعة، بأنظمة متخيلة في المثاليات، حتى جعلوا الدنيا بُعدًا من أبعاد الجنة، وذلك في زمن كانت الدنيا تمر بأحلك العصور ظلمة”.

لقد كان القرآن باعتباره وحيا يتنزل على الناس فيبعث فيهم الحياة والحيوية والنشاط، لكنه عندما سُحب من مقامه العالي الذي يشرف منه على كل شيء، انهار البنيان وانهدت الصوامع. ولذلك فأصحاب الأحكام المسبقة والمنحرفون فكريا، والأرواح الأسيرة المكبلة، لن تستطيع الإحاطة بأسراره. فوجب تحرير الفكر من الأحكام المسبقة، ووجب انطلاق الروح من عقالها لكي تدرك معاني هذا القرآن الكريم، لأنه “أبدًا كتابٌ ذروةٌ في العلاء يتعدى آفاق البشر، وبيانٌ لا مثيل له بتنوع تفسيراته وتأويلاته بِطول موجات مختلفة، وذلك إنّما ينجلي لمن يفتح صدره له بإخلاص وصدق. إنه إكرام إلهي مهم للإنسان، والتعرفُ عليه ثم اللجوءُ إليه في كل مسألةٍ حظٌّ فوق الحظوظ وجَدٌّ فوق الجدود.. لكن -يا ترى- كم شخصا هو على دراية بهذه الحظوة؟! والحق أنْ لا حلَّ لمعضلة بشرية من غير اللجوء إلى ضيائه، وأنْ لا سعادةَ باقيةً يَحظى بها الإنسان من غير البناء على أسسِ شلَّالِ بيانه الدفاق”.

إن الأستاذ فتح الله يقدم الدليل بعد الدليل ملحا على أن كتابا مقدسا ظل محافظا على قوة خطابه وعلى نضارة معانيه وعلى حيوية بيانه على مر الزمن، لا يمكن إلا أن يكون أهم مصدر لثقافتنا. فما حقيقة هذا الكتاب، وما طبيعة نظرة الأستاذ للقرآن الكريم؟

تحدث الأستاذ عن القرآن الكريم في الكثير من المواضع، حتى لا يكاد كتاب من كتبه لا يُذكَر فيه مصطلح القرآن أو يشار فيه إلى معانيه. ويرجع ذلك إلى مقام القرآن الكريم في فكر الأستاذ فتح الله، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي يبني مجموع مشروعه الحضاري على القرآن الكريم وعلى السنة النبوية. فالقرآن حاضر في مختلف مراحل مشروع “الخدمة”، إذ هو المصباح الذي استنارت به الخدمة في حركتها، وهو المصباح الذي أنار للأستاذ فتح الله السبيل للإجابة عن الأسئلة المحرجة في مسيرة حياته الحافلة، يقول: “القرآن هو قمة الفكر المتين والصحيح، وأساس التعبير الدقيق، وقاعدة للتعبير المنطقي. وكما كان هذا الفرقان العظيم سيد الكتب السماوية وغير السماوية كان المخاطب الأول له سيد الأنبياء والمرسلين . الكتب السابقة جاءت لكي تضع إشارات على طريقه وأعلامه، أما الكتب التي جاءت بعده فلكي تقوم بشرحه ووضع الهوامش والحواشي، كل حسب خريطة روحه وغنى ذلك الروح”.

ويقول في مكان آخر معمقا هذه النظرة: “بل إن العصور المظلمة التي جال فيها ظلُّه أصبحت عصورا ذهبية. أما العصور التي تعرفت به عن قرب وعاشته فقد تحولت إلى ما يشبه الجنة. من وهب نفسه له سما إلى مرتبة الملائكة، وأصبح كل ما في الكون من أحياء وجماد أليفا عنده.. بل هو معجزة كبيرة وشاملة وغنية تتجاوز كل الأزمة والأمكنة، وتلبي جميع المطالب الإنسانية بدءً من العقائد وانتهاء بأصغر الآداب الاجتماعية، وهو بعمقه يستطيع حتى اليوم تحدي الجميع وتحدي جميع الأشياء”.

القرآن الكريم عند الأستاذ فتح الله مصدرا مطلقًا لا ينضب من المعلومات والحلول لمشاكل العالم. فقد وُهبت للقرآن في تصور فتح الله نعمة الإرشاد إلى طريق سعادة الدارين، بل هو مفتاح السعادة الذي يستطيع حل كل الألغاز في كل موضع في هذا العالم.. فبفضله يستطيع العالم الخروج من دائرة الحيرة والتّيه، والوصول إلى بناء الانسجام بين الأفكار والمشاهد، وبين الفكر والشهود. فالقرآن الكريم باعتباره كتابا مقدّسا وباعتباره وحيا، جاء لنجدة الإنسانية”. إنه هو مفتاح كل المجالات المرتبطة بحياة الإنسان. يقول موجها خطابه إلى القرآن الكريم: “كيف سيكون حالنا إن لم تهطل كالغيث، ولم تهدر كالصاعقة، ولم تسحق سحق الصاعقة؟! وكيف ستكون حال الإنسانية؟! وكيف تستفيق هذه الأمة وتنهض؟! وكيف تخطو المدارس إلى الأمام؟! وكيف تتنور المعابد؟! وأين سيجد القلب والروح والعقل ضالتهم؟! وأي شيء يستطيع أن يكون بلسما لهذه الأرواح البائسة والقلوب المكلومة وشفاء لها؟! وكيف تستطيع هذه الأرواح المشلولة أن تبسط أجنحتها وتطير؟! وكيف يستطيع العقل فتح الطرق المسدودة أمامه فيرشد الفكر إلى طريق الأبدية؟!”.

ومن يحلل رؤية الأستاذ فتح الله بخصوص القرآن الكريم سيلاحظ بأنها تلتقي إلى حد بعيد مع رؤية الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، لكن أفكار فتح الله تتميز بروحها الحركية المتصلة بمشروع “حركة الخدمة” التي بدأها فتح الله قبل خمسين سنة خلت، بل إن مشروع فتح هو بوجه من الوجوه الصورة التي كان النورسي رحمه الله يحلم بتحققها في الواقع. وعند فتح الله عقيدة ثابتة أن حقائق القرآن الكريم ستقول كلمتها في المستقبل، وهو مقتنع بأن العصر الحالي هو عصر آخذ في التوجه إلى القرآن الكريم إذ يقول: “هناك العديد من المفكرين المعاصرين الذيـن يرون بـأن العصر القادم سيكون عصر القرآن. والحقيقة أننا إن دققنا قليلاً لرأينا أن عصرنا الحالي بدأ يتجه للقرآن بسرعة أكبر مما كنا نتوقع أو نتصور. أجل.. حتى أصحاب أكثر النظرات بلادة وسطحية يستطيعون حدس كيف أن القرآن مرتبط بالكون ومتداخل معه، وكيف أن جميع بياناته حول الوجود صائبة، فلا يملكون أنفسهم من الإعجاب بقوة تأثيرها ونورانية عالمها”.

فإذا كان القرآن قد غير وجه العالم منذ أربعة عشر قرنا خلت، فإن فتح الله يعتقد بأن القرآن سيقول كلمته في القرون الحالية وفي المستقبل، وهو على يقين بأن القرْن الواحد والعشرين سيكون عصر القرآن، انسجاما مع رؤية مركزية في مشروع فتح الله كولن الإصلاحي، هي طرد اليأس واستحضار الأمل في المستقبل، فالقرآن سيحمل الحلول لكل مشاكل العالم، وعلى المسلم أن يكون واثقا في ذاته وفي القيم التي يمثلها، وأن يؤمن بحقائق القرآن وقدرتها على أن تكون بلسما لمشاكل العالم الروحية والواقعية، وشرط ذلك أن تتمثل الأجيال الحالية القرآن كما تمثله المسلمون الأوائل، يقول: “ولو تصرف مسلمو اليوم في موضوع القرآن بصفاء المسلمين الأوائل -علما أن هناك حركة ملحوظة في هذا الاتجاه حاليا- لاحتلّوا مكانة مرموقة في التوازن الدولي الحالي في وقت قصير، ولتخلصوا من تقليد الآخريـن والسير وراءهم، ولما وجدوا السلوان في ودْيان التقليد الأعمى. إن قيام الطلاب الأوائل للقرآن بتلك الحملة الإيمانية والأخلاقية التي أدهشت العالم آنذاك يجب أن يدفع إنساننا المعاصر إلى تنـاول تلك الحملة بالدراسة والتدقيق بكل حرص. أجل.. إن ظاهرة قيام بضعة آلاف من الصحابة -بعد ظهور الإسلام بين جبال مكة الوعرة- بحملة وبانقلاب كبير أضاءوا بـه أرجاء الأرض، حادثةٌ متميزة وخارقة للعادة يجب تدقيقها وتقييمها، وهو منبع ثرّ غنيّ يرجع له المؤمنون على الدوام”.

ما يضفي المشروعية على ما يذهب إليه فتح الله هو ما يمثله القرآن، إذ هو معين لا ينضب من الحلول، مع خاصية الصدق والإخلاص الذي يميز خطابه.. فكما أنه لم يخدع من تفاعل معه منذ قرون بعيدة، فلن يخدع من يتفاعل معه في العصور الحالية ومن سيتفاعل معه في العصور المقبلة. وهذا أمر يقيني وعقدي بالنسبة للأستاذ فتح الله كولن، فهو متأكد بأن الخطاب القرآني كان محركا للفاعلية الإنسانية في عصور السعادة، فإنه يقينا يستطيع تركيز الحركية والفعل في كل زمن وفي مكان. ونظرا لأن رؤية فتح الله تلتقي مع رؤية النورسي رحمه الله فهو يرى ضرورة الاتجاه نحو العلم من أجل معرفة الظواهر الكونية وفهمها، انطلاقا من كون الوجود قرآنا شهوديا يشهد بعظمة الخالق، ويشهد بصدقية الخطاب القرآني. فالقرآن الكريم باعتباره كتابا لحقائق كونية وكتابا يرشد ذوي الألباب إلى تدبر عظمة الخالق، فإن العلم السليم سيتناسق كل التناسق مع القرآن المكتوب الذي يدعو الناس بشتى السبل إلى العلم وإلى البحث العلمي، ويدعو إلى التأمل في كتاب الكون، بل ويدعو إلى نظام للتفكير خاص في فهم أسرار الوجود.. يقول في بيان هذه الحقيقة: “لذا نستطيع أن نقول بأن القرآن كما لم يقم بالأمس بخداع الذين آمنوا به واتبعوه ولم يحيرهم، كذلك لن يخدع الذين سيتوجهون إلى جوّه النوراني ويؤمنون به بعد اليوم، ولن يخيب آمالهم. لأننا نؤمن بأن العقول عندما تضاء بنور العلوم، والقلوب تتنوّر بمعرفة الحقّ، وعندما يوضع الوجود تحت عدسة العلم والحكمة للتدقيق والدراسة، سيكون كل حكم صادر باسم العلم موافقًا لروح القرآن ومتلائمًا معه”.

والأهم من ذلك هو أن القرآن الكريم يعلم الإنسان حقيقة ماهيته، ويعلمه الحق والحكمة، ويعرّفه بذات الله وصفاته وبأسمائه الحسنى التي تجلى بها على الوجود -كما يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي-، بل إن القرآن -كما يبين فتح الله- “هو الكتاب الوحيد الذي يعلّم الإنسان معنى الإنسان وماهيته والحق والحكمة وذات الله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى، وذلك بأدقّ ميزان. وليس هناك كتاب آخر يماثله في هذا الميدان أبدًا. ولو طالعت حكم الأصفياء والأولياء وفلسفة الفلاسفة الباحثين عن الحق لعرفتَ ذلك بنفسك”.

فهرس الكتاب

About The Author

أستاذ بجامعة شعيب الدكالي بالمغرب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية. حصل على دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها سنة 1993م. حصل على دكتوراه الدولة في الآداب سنة 2002م. عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية منذ سنة 1994م. عضو مؤسس لمنتدى الحوار الأدبي. مؤلف كتاب «أشواق النهضة والانبعاث قراءة في مشروع الأستاذ فتح الله كولن الإصلاحي».

Related Posts