مشروع الخدمة من عين الواقع المبادئ والمجالات

يشكل الأستاذ كولن بتجاربه المتعددة وبحرصه الصارم، على تربية الأسوة والقدوة نواة المدار، وحوله يتحلق “إخوة الخدمة” في دوائر كلما ابتعدت كبرت كموج البحر لا يظهر عليها التناهي من شدة التفاني… توالد بالإيجاب، وتكاثر بالنفع، ويدور الكل حول تلك النواة التي تشكل في نظري “مركز مشروع الأستاذ فتح الله كولن”… ولذلك لم يَعد الأستاذ مجرد رسائل أو كتب أو محاضرات ودروس، بل أصبح مدرسة متحركة، مدرسة يمثلها الإنسان والحضارة والعمران، هذه المدرسة بإنسانها وعمرانها وأدبياتها وأنشطتها العلمية والفكرية التي تعددت وامتدّت، فسحت في المجال للباحثين والدارسين والزائرين ليجعلوا منها مجالاً للبحث والدرس، وإطارًا للكلام الهادف والمتعدد.
وتجربة الأستاذ هي تجربة رباعية التركيب: “التراث الإسلامي” الذي هو المنطلق والمجال، و”التجربة الشخصية” التي هي الوسيلة والأداة، و”الواقع المعاصر” الذي هو القصد والهدف، و”البعد الإنساني” الذي هو الدافع والمحرك، وهذا ما ستوثقه السطور التالية.

[gdlr_divider type=”solid” size=”50%” ]

المتكلمون فيمشروع الخدمة

لا يكون الفرد متخلقًا في عرف الخدمة إلا إذا كان عونًا لغيره. تلك هي” الأخلاق العملية” التي من خصائصها الوسطية والاعتدال، وهما أساسيتان في الأخلاق الإسلامية.

المتأمل في عطاءات الباحثين في مشروع الأستاذ فتح الله كولن يجدهم على عدة أصناف:

أ- فيهم من يُطالع تأليف الأستاذ والإنتاجات الفكرية حوله لا يتجاوزها إلى الرؤية الميدانية، فهذا الصنف يبقى تصوّره ناقصًا، لأنه انحبس في الجانب النظري.

بـ- وصنف يقف على المنجزات والإبداعات ومشروعات الخدمة فيراها رأي العين، فهذا يقف على نصف الحقيقة، لأنه وقف في نصف الطريق، فالرؤية وحدها لا توصل إلا إلى نصف الطريق ما لم يربط تلك المنجزات بالمحفّزات الدينية والخلقية والإيمانية والواقعية التي فرضت نفسها، وهذا يتطلب فهمًا من نوع مغاير.

جـ- وصنف من الباحثين قرأ وطالع وبحث وأصَّل وعاين حقيقة الخدمة عن قرب، فهذا الصنف على جانب كبير من الفهم والمعرفة، لأنه التزم بالمنهج فربط النظري بالعملي.

د- أما من انخرط في المشروع كلية، وأصبح من “إخوة الخدمة”، ومن عناصرها الفاعلين ومن المجتهدين العاملين فهذا -في نظري- حاز عنصر السبق في العلم والفهم؛ وفي الحديث الموقوف: “تعلموا تعلموا فإذا علمتم فاعملوا” (أخرجه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل، بإسناد حسن)، وفي حديث موقوف آخر “تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا”. (أخرجه الدارمي في سننه)

هذا الصنف هو الرابع من حيث التصنيف، وهو الأول من حيث الاعتبار، صنف دفعتْ به تجربته إلى الانخراط في العمل ومن ثم إلى الاتحاد في المشروع الكلي للخدمة ليصبح جزءًا منها وهي في الغالب تُبنى عليه، ومدار العمل كله فكريًّا كان أو نظريًّا على التجربة العلمية والعملية للأستاذ فتح الله كولن.

لقد أصبح هذا الصنف على مدار الوقت موضوع بحث ومجالاً للفهم والمعرفة، لِمَ لا وهذا المشروع يرتكز على الإسلام بكل ثوابته، ذلك أن الإطار العام الذي يتحرك فيه الأستاذ، هو فكر إصلاحي شامل ينطلق من التراث الإسلامي الكلي: القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والأصول والمقاصد والفكر والزهد… إلخ.

فَصَيْحةُ الأستاذ هي صيحة إصلاحية شاملة انبنت على تجارب الإصلاح في العالم الإسلامي مرورًا بتجربة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كإحدى التجارب التركية الرائدة في مطلع القرن الماضي. والثابت الثاني، الواقع التركي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الواقع بماضيه وحاضره؛ إنه فتح الله كولن بفكره وذاته، الفكر الذي نهل من معين التراث، والذات التي عايشت الواقع المرّ الذي طرأت عليه تحولات جذرية.

لقد سخَّر للواقع جيلاً نهل من الماضي واتجه صوب الحاضر ليستشرف المستقبل، كانت آهاته آهات حسرة، وأنينُه أنين ألم.. إلى جانب هذا الثابت هناك البعد الإنساني الذي استحضره الأستاذ عبر واقع التحضر العالمي، واقع العولمة والتحديات المعاصرة الجارفة.

من هنا نقول إن تجربة الأستاذ هي تجربة رباعية التركيب: “التراث الإسلامي” الذي هو المنطلق والمجال، و”التجربة الشخصية” التي هي الوسيلة والأداة، و”الواقع المعاصر” الذي هو القصد والهدف، و”البعد الإنساني” الذي هو الدافع والمحرك. وسنرى تطبيقات كل ذلك عند حديثنا عن “إنسان الخدمة” في النقطة الموالية.

 إنسان الخدمة

كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في المدلول والمعنى:

مدلولها الأول “إنساني” غير قاصر على القطرية أو الانتماء الجنسي أو العقدي.

المدلول الثاني التواضع الجمّ، والعمل بنكران الذات. ويعني تيسير الأمور على الناس في حياتهم العامة.

مشروع الخدمة من حيث مكوناته وأساليبه، هو ذاتي التكوين، لم يَستعر هذا المشروع تنظيمه وأساليبه وهيكلته من غيره، لكنه في عمومه استوحى التجربة من التراث الإسلامي.

فالخادم هو مَن يعمل ليساعد ويعين لتيسير ما تعسّر وتقريب ما بَعُدَ، وهي شاملة وعامة. وإذا أردنا تقريب المعنى أكثر قلنا: إن “إنسان الخدمة” هو في خدمة الإنسانية كلها، ولا يُفهَم من “إنسان الخدمة” دونية المعنى، إنهم صحابة الأستاذ وتلامذته المباشرون، فعلى الرغم من التطور الحضاري والنمو العمراني والتكنولوجي الذي حازت فيه تركيا عنصر السبق، ما زالت فئة ظاهرة على الحق يمتحون من تجربة صحابة النبي › القدوة الحسنة ž. وكثيرًا ما كان الأستاذ يذكرهم بذلك بعبارة “حرق المسافة بينهم وبين النبي ›”؛ فالقرون الممتدّة منهم إليه لا تعني شيئًا أمام القدوة والأسوة، فلا تقف حائلاً في وجه الاتّباع والاقتداء، بهذه العبارة تُطوى الحضارة كلها لتصبح وسيلة للخدمة، ولن تكون هي الأخرى عائقًا في وجه استلهام التجربة النبوية كما يحلو للبعض أن يتصور، تمامًا كما طويت القرون(1).

من موقع الزائر الناظر تجد أن “إنسان الخدمة” يشكل الأسرة الكبرى في مجتمعه. صحيح جدًّا أن “الأسرة” هي نواة المجتمع، لكن الخدمة قلبت هذا المفهوم تمامًا؛ ففي الوقت الذي بدأ فيه الجميع يتكلم عن الأسرة، وسخِّرت في ذلك نظريات ومفاهيم في البحث والدرس، وتم الدفع بها في مجاري الرؤية المعاصرة مما ولد اهتمامًا مبالغًا فيه اتصف بالغلو والتنطّع، وتُنُوسِي المجتمع بل تم إهماله، ولا يلزم من الدعوة إلى إصلاح الأسرة والإفراط في الاهتمام النظري بها إصلاح المجتمع ما لم يتم التركيز على المجتمع، لكن الخدمة قلبت هذا المفهوم تمامًا، فالفرد للمجتمع، والأسرة للمجتمع.

 لقد رأينا الجميع في الخدمة من الآباء والأمهات، الشباب والشابات، النساء والرجال، الأطفال والشيوخ… لقد نزل الجميع لخدمة الجميع، ونجح الجميع في خدمة الجميع في جهات كثيرة من المعمور ما زال الإنسان متخبطًا في معالجة أمراض نفسه، يعاني من تمرد النفس، لكن هنا يتغلب الإنسان على نفسه، ويُعانُ على التغلب عليها، وتُروَّض على الرغم منها لتصبح طائعة هينة، ثم توجه إلى ما لأجْله وُجدت. فالوظيفة الحقيقية للإنسان على هذه الأرض هي الإيمان بالله والعمل الصالح، وهي أزرار ضغَط عليها الأستاذ بإحكام فبنى عليها مشروع الخدمة: ¨وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ§(فصلت:33).

لزائر تركيا وللواقف على أساليب الخدمة أن يتحدث هل يحس بالفرق بينه وبين رجال الخدمة؟ شيء طبيعي أن تحس بالتباين الشاسع والفرق الكبير بينك وبين من لا يتكلم لغتك، لكن هنا يذوب هذا الإحساس تمامًا ليعوض بتواصل كبير، إنه التواصل الروحي والأخوّة في الدين وفي الإنسانية، وهي معطيات أسهمت الخدمة في إيجادها. الخدمة لا تجعلك تغيّر من سلوكك فحسب، بل تُحدث فيك طاقة جديدة يتولد عنها منهج جديد في التعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث تصبح القراءة من موقع تجربة الخدمة لا مِن موقع الأساليب المعلقة. إنها تجربة ذات نفَس جديد في الواقعية والتأصيل والتفعيل، ولذلك كثيرًا ما كنتُ أقف مدهوشًا أمام هذا النمط من الكتابة حول القرآن والسنة والسيرة والأخلاق والحضارة والروح… إلخ(2)، أعني بذلك الكتابة التي استحدثها الأستاذ فتح الله، المصادر هي هي، لكن طرق التعامل معها يختلف، وكنت أبحث عن سرّ التميز في التأليف والتصنيف، ولا أجازف إذا قلت إنها “الخدمة”… الخدمة هنا هي كل شيء؛ هي العلم والمعرفة، وهي الثقافة والحضارة، وهي الفن والإبداع، وهي الوظيفة والمال، وهي الأسرة والعائلة، وهي الأصدقاء والإخوة… فمن استغنى عنها فقد ضيّع جانبًا مهمًّا من حياته وحياة الناس، ومن دخل إلى ساحة الخدمة متحلّيًا بتلك العناصر فقد تحصل له المراد. ولا أريد هنا أن أمثل بنماذج حية من عين الواقع، فقد خبرتُ التجربة عن قرب، وشاهدتُ وجالستُ واستفدتُ، وليس مَن رأى كمن سمع، ولا من سمع كمن قرأ، وتلك مستويات في الفهم كنت مجبرًا أن أتكلم عليها في التصنيف السابق.

وقد يقول قائل: “إن الدعوة يمكن أن تكون من دون هذا النوع من الخدمة” أقول: قد يكون ذلك في غير الواقع التركي، أما الواقع التركي المعاصر فهذا النوع يبدو ناجحًا بكل المقاييس، إنه ربيع تركيا الخاص،(3)، الربيع الذي يطلق عليه من موقع لغة الخدمة “الأزهار”، وهو نعت لطيف، جميل وخفيف، إنها أزهار الأستاذ التي تتفتّح يومًا بعد آخر… ولقد تكلم الأستاذ بديع الزمان -رحمه الله- عن الأزهار في وقت من الأوقات، وتكلم الأستاذ فتح الله كولن عن الأزهار في هذا الوقت لتكون في كل وقت، ومهما خيم صيف حارق للإيذاء بها فإن نواتها توجد في عمق التراب، وبالتحديد فوق قبور الأجداد، أولئك الذين ماتوا مرتاحين بعد أن فعلوا ما عليهم، ما زالت آثارهم ثابتة، وقبورهم محطّ الزيارة إلى اليوم، منطلقها قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري œ، إنهم زرعوا فأنبتوا، فكانت تلك الأزهار من بذرتهم.

العاملون في الخدمة تطلق عليهم ألقاب متعددة، منهم من ينعتهم بـ”أبناء الخدمة”، ومنهم من يصفهم بـ”إخوة الخدمة”، ومنهم من يسمّيهم بـ”أصحاب الخدمة”؛ وقد نطلق عليهم “إنسان الخدمة” وهي إطلاقات لا تغير من الحقيقة شيئًا، إنهم كذلك بكل المواصفات… والباحثون يطلقون الوصف حسب ما يريدون منه، والكلمة الرائجة هي “الأصحاب” وهي كلمة لطيفة ودالة، وهي من إطلاق الأستاذ نفسه، كان يسمّيهم بـ”الأصحاب” عِوَض “التلاميذ”، وهو نعت مؤصل من سنة النبي › حين نعت أتباعه بـ”الأصحاب”، فقد دعا النبي › من تبعه ورآه وآمن به منهم بـ”الأصحاب”، ولم يطلق عليهم نعت “تلاميذ” وإن كان هذا النعت في حقهم جائز.

 فالصحابة كانوا قدوة لأبناء الخدمة، قال لهم الأستاذ مرّة وقد خرج إلى جماعة منهم وهو يحمل كتاب حياة الصحابة للكاندهلوي بيده: “كونوا مثل هؤلاء أو موتوا”.

إن سر نجاح الخدمة يكمن في هذه الصيرورة المطردة، فهي نموذج يتكامل يومًا بعد يوم، لا اختلاف ولا تباين، ولا فارق بينهم ولا تباعد إلا بالجد والعمل والتقوى، الجميع على نمط متجانس، وهو سرٌّ يرجع إلى الالتزام بالخط القرآني، وهو خط واضح بيِّنٌ، يقول تعالى: ¨يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ§(الحجرات:13)؛ التعارف مقدمة ضرورية للتعرف والتواصل، وبالتعرف والتواصل يتم التعايش، وبالتعايش يتحصل التسامح والتآخي، وإذا تحصلت هذه الأمور جميعها تقوت أواصر المحبة، وما سبب النفور والإعراض المفضيَين إلى الكوارث الأخلاقية في بعض الأحيان إلا بجهل كل طرف للآخر. وأعتقد أن سبب المحبة الحاصلة بين أفراد الخدمة إنما هي نابعة من ثقافة معينة.

إن المتأمل في ثقافة وأدبيات الأستاذ فتح الله، يجدها تفوح بفكر المحبة، وبالأساليب الدافعة إلى تحصيل المحبة -محبة القلوب- وهي ظاهرة تحتاج إلى أن تفرد ببحث مستقل. وإننا لنرجو صادقين أن تمتد هذه الأفكار والتوجيهات والنصائح والإرشادات إلى أجيال الإنسانية كلها.

إن أكبر نجاح حققه إعلام الخدمة، هو أنه تصدى للإعلام الكاذب ففضح أساليبه وخططه. وتَحقَّق من هذه العملية أن الإعلام المضاد خفف من حدة التمويه والزيف والتضليل.

مرتكزات المشروع

نقصد بـ”المشروع” الخدمةَ، الخدمة التي تسير من دون مواثيق ولا معاهدات بين الأفراد، ولا دفاتر أو سجلات، ومن دون قانون داخلي أو خارجي، ولا يفعل من هذا إلا ما اقتضته الضرورة الإدارية. أما العلاقات داخل الخدمة فتتسم بالسجية والفطرة وحسن الظن بالآخر كيفما كان هذا الآخر، والأمور -ما رأيناها- تسير من دون تكلّف أو تعسف، أو سلطة صارمة تزرع خوف أبناء الخدمة منها لا من الله U. ويمكن القول بأن الأستاذ هو اسم على مسمّى؛ فهو “فتحٌ” مبين على هذا الجيل المتعطش للتربية، وللقدوة الصالحة، والتوجيه النير، فإذا كان السلطان محمد الفاتح قد فتح الديار، فإن الأستاذ محمد فتح الله قد فتح القلوب، وهذا العصر هو عصر فتح القلوب ولكل زمان عمله.

فالأستاذ مربٍّ بالدرجة الأولى، وللتربية مجالات في فكره:

المجال الأول: التاريخ التركي بصفة خاصة.

المجال الثاني: التاريخ العالمي بصفة عامة.

التاريخ التركي مشحون بالدلالات والأحداث، ففيه دروس وعبر، وهو يحاول التركيز على التاريخ المحلي، لأن هذا التاريخ يُراد له أن يفصل عن الزمن التركي المعاصر. لقد حاول المستشرقون تشويه تاريخ السلطنة العثمانية ووصفها بأبشع النعوت والأوصاف، وما زال هذا النيل إلى اليوم ساري المفعول في الأفلام والمسلسلات.. التاريخ هو كل شيء في الفكر التركي الحديث، لأن به تنتعش الذاكرة ومنه تتغذى، فالحاضر المؤلم فيه الكثير من معطيات الماضي. وأما التاريخ العالمي فهو مركب من تاريخين:

التاريخ الأوربي الذي يعتبر التاريخ التركي جزءًا منه بحكم الجوار الجغرافي، ولهذا التاريخ أثر كبير على مسيرة التقلبات الزمنية في تاريخ الحضارة الإسلامية التركية.

وأما الثاني فهو الواقع الحديث والمعاصر، هذا الواقع أدرك الأستاذُ أقفالَه، ففتحها فانفتحت مغاليقه. إن الحديث عن “فقه الواقع” في فكر وفقْه الأستاذ لَيحتاج إلى وقفة خاصة، لأن البحث في فقه الواقع يتطلب استحضار المستندات الفقهية والأصولية والمقاصدية من خلال إنتاجاته، كما يتطلب استحضار معطيات الواقع بكل أبعاده، وتطبيق تلك المستندات على هذه المعطيات ثم استخلاص ما سيقع.

وأما المجال الثالث فيتمثل في استغلال القدرات وتدبير الإمكانيات، لأن الواقع لا يرتفع.

لقد وفر الأستاذ الإمكانيات الموجودة في سبيل الخدمة، هذه المجالات الثلاثة التي استطاع الأستاذ أن يكون بها الجيل الذهبي للخدمة بُنيت هي الأخرى على قواعد ثلاثة: التسامح، والحوار، والتقريب بين المتباعدين.

وتستطيع أن تلحظ هذا في مجمل الأنشطة التي تقوم بها “مجلة حراء” الغراء وأخواتها على الصعيدين المحلي والدولي، كما تستطيع أن تلحظ ذلك في مؤسسات الخدمة المنتشرة في أرجاء تركيا، من ذلك مثلاً “مؤسسة الحوار” التي هي وَقْف للصحفيين والكتاب، يتم الاشتغال فيها على ترسيخ “ثقافة التعايش”، ويتم البحث فيها عن المناخ لتجسيد ثقافة الحوار من خلال اللقاءات والندوات والورشات… إلخ.

إن فتح بابِ الحوار والتعايش السلمي ونشر ثقافة التسامح إنما وَقَع الانطلاق فيه من واقع تركيا في إطار الحكم العثماني؛ لقد كانت تركيا إمبراطورية واسعة ممتدة الأطراف، تتعايش فيها كل الأجناس وكل الملل والنحل، وكانت العاصمة إسطنبول رمزًا للتعدد في أبهى صوره، لكن بين عشيّة وضحاها تحوّلت تركيا إلى دولة قطرية وطنية وعرقية. ولذلك فما يقوم به “إخوة الخدمة” ليس بدعًا من الفكر والعمل، بل هو نهج من نهج الأجداد. ثم إن جذوره ممتدة في الزمن التاريخي للحضارة الإسلامية، وقد أدرك قيمة هذا النهج الأستاذ محمد فتح الله كولن.

لقد عمّت فكرة إرهابية الإسلام العالمَ، فالإسلام دين إرهابي -كما صوّروه- يحث على القتل والكراهية والبغض والنفور، وهذه التهم ما زالت -للأسف- سارية إلى اليوم، ساهم في نشرها جيل من المستشرقين المستعمرين وممن نال من وحدة الخلافة الإسلامية، واستمر هذا النعت قرونًا من الزمن تصطبغ به الأدبيات الثقافية الغربية، وتزكّيه الفلسفات والنظريات الممسوحة باسم العلم. وقد حاولوا الدفع بها في مجال التربية والأخلاق حتى أصبحت فكرة جاهزة قابلة للاعتناق والاعتقاد، وبالتالي قابلة لأن تستثمر في مجال السياسة العالمية تجاه العالم الإسلامي. والشيء الأخطر هو أن أيّ تحرك إسلامي أو تجمّع إسلامي أو سياسة إسلامية إذا لم تكن تتوافق مع الرغبة الغربية وطموحاتها، فهي مصدر قلق وإرهاب!

أدرك الأستاذ فتح الله كولن هذا المدّ الثقافي الخطير المشحون بالنعوت القدحية وبالملصقات اللفظية الجاهزة، فبادر بتنقية الخطاب الإسلامي من كل ما قد يجلب إليه هذه التهم الجاهزة، فبنى فكره على “الحوار” والتسامح والأخلاق والقيم والتربية الروحية والجهاد بالكلمة الهادفة، والتآخي ومد جسور التعاون، مستبدلاً مصطلحات كثيرة بأخرى أكثر دلالة وأبلغ أثرًا، فركّز على الحوار جاعلاً منه دعامة أساسية. والحوار مبدأ أصيل في الثقافة الإسلامية، وأداة فعّالة في الدعوة والإصلاح الشامل.

انطلقت فكرة الدعوة إلى الحوار -بتوجيه من الأستاذ كولن- منذ سنة 1995م، وقد وقفنا أثناء زيارتنا العلمية في مطلع سنة 2013م والتي امتدّت أسبوعًا كاملاً على مركز من مراكز الحوار في إسطنبول وهو واحد من ستة مراكز موجودة في منطقة البوسفور، فإخوة الخدمة عمَليّون أكثر مما هم نظريون، يحبّون أن يطلعوك على ما هو موجود عوض الاكتفاء بالوصف والكلام. لا يتحدثون عما يعملون، بل يعملون أكثر مما يقولون، ويتركون للزائر الواقف على أساليب الخدمة الحكمَ الحرّ والمطلق.

كانت فكرة الحوار هي فكرة الأستاذ نفسه، فقد كان يدعو إليها دائمًا، وكان دائب الزيارة لكل الفئات والهيئات والتيارات والمنظمات، وكان يقدّم الخدمة كأنموذج؛ الخدمة التي جمعت كل الأطراف المتصارعة على طاولة واحدة، فبعدما كانت القطيعة والانفصام تسود بين الأطراف المتخاصمة، اجتمعوا على مجلس واحد وحاور بعضهم بعضًا، وأدركوا جميعًا أنَّ همَّهم مشترك هو خدمة الوطن. وقد شمل هذا الأسلوب كل الطوائف في المجتمع التركي، من حزبيين ومفكّرين ومثقفين ونقابيين ورياضيين وفنّيين… إلخ، وأصبح الأستاذ فيما بعدُ الرئيس الفخري لهذه الملتقيات الحوارية.

“إنسان الخدمة” كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في المدلول والمعنى: الأول “إنساني” غير قاصر على القطرية أو الانتماء الجنسي أو العقدي. والثاني التواضع الجمّ، والعمل بنكران الذات.

الواقعية والواحد المتعدد

مشروع الخدمة من حيث مكوناته وأساليبه، هو ذاتي التكوين، لم يَستعر هذا المشروع تنظيمه وأساليبه وهيكلته من غيره، لكنه في عمومه استوحى التجربة من التراث الإسلامي، نعني بذلك التوجيهات النبوية وآراء السلف الصالح، ثم معطيات الواقع الذي لا يرتفع. إن السر في نجاح المشروع يكمن في الاستلهام من التراث، ومن توظيف الطاقة والقدرات. ولو كان مقتبسًا من غيره لكان نصيبه الفشل، والتجربة لا تكون ناجحة إلا في واقعها وبواقعها.

يجب الإشارة إلى نقطة مهمة جدًّا قلما ينتبه إليها الباحثون في فكر الأستاذ محمد فتح الله؛ ذلك أن مجمل الأعمال الفكرية والثقافية التي أنجزها إنما هي نتيجة الاستفادة من التاريخ، ونعني بـ”التاريخ” دراسة أسباب سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا. لقد استفاد الأستاذ من أسباب السقوط، ومن موقع السقوط، بحث في أسباب النهوض وهو المتمثل في الخدمة باختصار.

إن الواقعية التي نتكلم عليها هنا، هي واقعية الفكر، وواقعية التصور، وواقعية التجربة، وواقعية الفهم والعلم، وواقعية الحركية والتفاعل… الواقعية هنا متعددة الأبعاد، ويحلو لي أن أصف الأستاذ محمد فتح الله بـ”الرجل المتعدد”. إذ لو لم يكن التعدد موجودًا لما امتد منه هذا التعدد، تعدد ملموس في داخل تركيا وفي خارجها، لو لم يكن التعدد موجودًا، لما تمكنت آراء وأفكار وتصورات ومذاهب وملل ونحل وفلسفات من التوحد حول طاولة الأستاذ، وهي تجربةٌ أساسُ نجاحها هو الطموح، وهي النقطة التي سنتولى الإشارة إليها في المعالجة الآتية.

إذا جاز لي أن أصف الإنتاج العلمي والتربوي للأستاذ محمد فتح الله كولن، فإنني أقول إنه بمثابة صيدلية عامرة تحوي عقاقير متنوعة ومتعددة، كل واقع يستلهم منها ما يراه مناسبًا لدائه. الداء واحد لكن لا أحد ينكر أن مضمونه مختلف، لذلك جعل لكل واحد جرعته، سواء أكان هذا الواحد رجلاً أم امرأة، شابًّا أم كهلاً، مجتمعًا أم دولة، مسلمًا أم غير مسلم… ومنبع هذا التعدد، هو التمكن من فهم الواقع أولاً، ومن ملامسة مشاكله. فالناجحون في الدعوة هم المتحكمون في فهم الواقع وفهم مشاكله بغية معالجتها. العشرات من الدعاة اليوم، يملأون الشاشات يوجهون ويعظون ويرشدون؛ وها هي خطبة الجمعة -مثلاً- تقام في بقاع العالم الإسلامي، ويحضرها جمع غفير من المصلين، لكن الخطباء ما استطاعوا -في بعض البلاد الإسلامية- أن يزيلوا من الناس ظاهرة واحدة من الظواهر المذمومة وما أكثرها، والأغرب أنها في توالد وتكاثر.

لقد سعى الأستاذ محمد فتح الله كولن إلى إنتاج الخير وزرعه ليكون في كل مكان حتى يعمّ، وإذا عمّ المكان امتد في الزمان ليكون المستفيد الأول منه هو الإنسان.

طموح محمد فتح الله كولن

لا يمكن للأستاذ محمد فتح الله كولن، أن يتخلى عن خصوصيته كطفل نشأ في بيت محافظ، بيتٍ تربى فيه على القيم المعنوية والأخلاق المثالية، ونشأ في جو التعليم التقليدي الكلاسيكي في الكتاتيب والمدارس الدينية التي أنهى بها دراسته، وهي معاهد ومدارس لم تكن في المستوى المطلوب في ذلك الوقت. لكن الطموح والتميز كانا في أعماق هذا الطفل الذي كلما كبر ونما، نما معه طموحه. كلما نما الإنسان الطموح نموًّا مثاليًّا، نما معه طموحه، وكلما انحرف، انحرف نمو الطموح. لكن نمو الطفل محمد فتح الله كان مطردًا، ليستقر به الحال في مهمة الدعاة والمربين الأخيار. لقد سخّره الله تعالى لشحذ الهمم، وصقل الأرواح، وتنمية المدارك، وإذكاء العقول… وها هو بطموحه الفياض، يتمكن من زرع الطموح ومن تنمية الطموح؛ وهو طموح يتقد بالمشاكل، وينتعش بالقلاقل، وينمو في ظل الاختلافات والفتن.

مبادئ الخدمة

1- العمل: العمل من حيث من يقوم به على نوعين: عمل فردي وعمل جماعي. العمل الفردي عمل ضعيف، لا يصمد ولا يؤثر لا سيما في هذا العصر. وفكر الأستاذ كولن هو فكر لأجل العمل، وكلام لأجل الممارسة. فكل ما صدر عنه له صلة بالعمل ولا شيء غير العمل. ولعل السر، يكمن في عنصر الإخلاص. البنايات ليست هي كل شيء، ففي العالم بنايات ومرافق ووزارات وكليات… إذا غاب منها الإخلاص، كانت ركامًا من الإسمنت الصلب كصلابة القلوب التي تديرها. ولقد أفلست الحضارة، حين غاب منها الإخلاص، لأنه إذا غاب الإخلاص حصل الإفلاس.

2- الوقف: تُعوّل الخدمة في جانب كبير منها على الوقف؛ فالوقف هنا، ليس كلامًا يردد في هذا الحديث أو ذاك، أو شعارًا يرفع من موقع مآزق الإيمان الصعبة، بل هو تربية وخلق وسلوك يتسم بالمنافسة المشروعة وبنكران الذات. نرى العمل ولا ندري كيف تم، تراه ماثلاً أمامك ولا تدري متى أُنجز، تعاين المنجزات قائمة شاهقة أبراجُها في السماء تنعكس على الإنسان والحضارة والعمران دون أن يذكر أصحابها.. منجزات أوقفوها في سبيل الله صدقة جارية وتواروا خلف الجدران، ومنهم من توارى خلف التراب، تاركًا ما أوقف أمانة في أعناق الخدمة. وقد امتد هذا الوقف خارج تركيا، لقد استطاع الوقف أن يتعدى عتبة الحدود والقيود إلى ساحة العالم الإنساني كله… إنها الخدمة التي تسير من دون مواثيق ولا معاهدات، ولا دفاتر يتباهى بها، ولا سجلات تُحرِج أحدًا، ولا قانون ملزم داخلي أو خارجي، ولا يُفعَل من هذا كله إلا ما اقتضته ضرورة التسيير الإداري، وإلا فمجال الخدمة مفتوح.

3- التربية والأخلاق: حرص الأستاذ محمد فتح الله كولن على التربية؛ تربية الجيل الذي أطلق عليه نعت “الجيل الذهبي”، الجيل الذي تربى على الخدمة. لكن الخدمة هي في حاجة إلى خدمة، وخدمة الخدمة هي التربية الإسلامية في صفائها ونقائها، وفي إطارها العلمي والمعرفي. لقد أدرك الأستاذ أنه لا خدمة من دون تربية، تربية كان يبدأ فيها دائمًا من نفسه، ثم يمتد لينشئ الجيل الذهبي، ومعناه الجيل الغالي والنفيس لأنه أغلى ما هو موجود في المجتمع، جيل أُعيد إليه الوعي بدينه وحضارته وقيمه، جيل ساهم هو بدوره في إعادة الوعي للشعب التركي، هذا الشعب الذي طُمست هويته ردحًا من الزمن.

إلى جانب عنصر التربية هناك عنصر “الأخلاق” أيضًا، الأخلاق التي حولها الأستاذ من أخلاق فردية إلى أخلاق اجتماعية، ومن أخلاق خاصة بالذات إلى أخلاق متعدية إلى الغير. ويمكن القول بأن الأستاذ سخّر مجمل النظريات والأفكار والآراء الخلقية في سبيل الخدمة. ولا خير في أخلاق لا تؤدي وظيفة الخدمة أو تعين عليها، إنها الأخلاق العملية المتمثلة في التعاون والتكافل والتآزر والتآخي… فلا يكون الفرد متخلقًا في عرف الخدمة إلا إذا كان عونًا لغيره. تلك هي “الأخلاق العملية” التي من خصائصها الوسطية والاعتدال، وهما خاصيتان أساسيتان في الأخلاق الإسلامية، فبقدر ما نتكلم عليهما نظريًّا بقدر ما يجب أن نتعامل بهما واقعيًّا، فالرجل الصالح يُكون الإنسان الصالح، والرجل الصالح يُؤلف الكتاب الصالح، والشركة الصالحة تُسهم في نشر الإنتاج الصالح، والإذاعة الصالحة تبث الأخبار الصحيحة والسليمة والصالحة… فالإنسان الصالح -في بداية المطاف ونهايته- هو ثمرة غالية، وهو ما تحاول الخدمة أن توجده وتُكوَّّنه.

إذا جاز لي أن أصف الإنتاج العلمي والتربوي للأستاذ كولن، فإنني أقول إنه بمثابة صيدلية عامرة تحوي عقاقير متنوعة ومتعددة، كل واقع يستلهم منها ما يراه مناسبًا لدائه.

هذا الالتفاف العجيب حول شخص الأستاذ كولن هو سر نجاح الخدمة، وهو التفاف يعكس وحدة المرجعية ووحدة التصور ووحدة الفكر ووحدة التربية والأخلاق ووحدة العمل والممارسة… وهي وحدة ضمنت للخدمة وحدة الهدف والقصد؛ الكل عرف ما قصد، ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجد.

4-الحوار: لقد أنبئنا بأن الحوار -على مستويات متعددة- بدأ بين الأيديولوجيات، ثم بين الأقليات، ثم بين الحضارات والثقافات، فتطور إلى الأديان والمعتقدات. لقد زار ممثل الفاتكان الأستاذ وحاوره وتكلم معه، ورتب له زيارة إلى البابا بإيطاليا. ويذكرون أن ممثل البابا لفظ أنفاسه في مستشفى “سماء” وهو المستشفى الذي كان يتعافى فيه الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله، وهو من مؤسسات الخدمة. ويذكرون أن الممثل ربما مات على دين الإسلام، لأنه همس في أذن الأستاذ بشهادة التوحيد، وكان قد أصيب بحادثة سير في إيطاليا طلب على إثرها الانتقال إلى تركيا، وكان من وصيته أن يغسل ويكفن ويدفن على طريقة إخوانه المسلمين هنا في تركيا، وكذلك كان.

لم يكن إخوة الخدمة يحتكرون الحوار من دون الملل والمذاهب والنحل، بل كان للنصارى -مثلاً- قاعة للحوار، لكنها كانت شكلية لم يجن منها المسيحيون غير الخسارة. أما إخوة الخدمة، فقد كان الحوار عندهم متميزًا جدًّا؛ فقد كانوا يربحون في كل مرة، وأقوى ربح هو أنهم ربحوا النصارى أنفسهم حيث بدأ أبناؤهم يتوافدون على مدارس الخدمة، ثم إنهم ربحوا فئة من الشعب التركي وهي فئة الأغنياء والأثرياء، هؤلاء كانت أصولهم إسلامية لكن تدينهم كان ضعيفًا جدًّا، لا يعرفون معنى الشهادة ولا القبلة ولا الإيمان، ومنهم من ينزعج من الأذان وإقامة الصلاة ويهاب الشعائر، هؤلاء هم الذين يطلق عليهم “الأتراك البيض”، وكانوا من حكام تركيا، وجلّهم تربوا في المدارس الأجنبية. هؤلاء هم الجيل الضائع، وهم الفئة المعادية وقد تملكهم الغرور حتى أصبحوا يحسبون أنفسهم بأنهم فوق الناس، لأنهم -حسب ظنهم- يمثلون الإنسان الأناضولي الممتاز، لكنهم بفعل الحوار الهادئ والمنهجي تغيروا كثيرًا.

لقد كان إخوة الخدمة، يربطون الجسور مع كل الطوائف والفئات والاتجاهات في تركيا؛ علويين، أتراكًا بيضًا، علمانيين، اشتراكيين، شيوعيين… واستطاع الجميع أن يتمثل على الأقل أهمية الحوار وضرورته، ومن هنا لم يعد أحد يقف ضد الحوار. فكان هذا أكبر مكسب في تجربة الخدمة.

استطاعت التجربة أن تقلب الموازين وتغير الكثير من المفاهيم المغلوطة؛ فمن الأفكار الرائجة -مثلاً- في تركيا، أن كل مسلم هو متخلف ورجعي وأصولي ووثوقي، يميل إلى العيش في غياهب الماضي فينسى الحاضر والمستقبل. لكن المروّجين لمثل هذه الأفكار تفاجأوا، لأنهم وجدوا أمامهم جيلاً -من أبناء الخدمة- من الفئة المتحضرة والمتمدنة، جيلاً إنسانيًّا متخلقًا وتواصليًّا بامتياز، جيلاً وهب نفسه لخدمة الإنسانية، وتطوَّر النعت القدحي من الرجعية إلى المحافظة، وبدأوا يرسلون أولادهم إلى معاهد ومدارس الخدمة، ووقفوا على تخلّفهم وعلى قصور نظرتهم، وبدأوا يدركون -على مر الوقت- أن الإسلام ليس كما يتصورون.

مجالات الخدمة

أالأسرة والخدمة: حين تصبح العلاقات العائلية والأسرية كلها في “خدمة” الخدمة، حين يصبح أفراد الأسرة كلهم أطرافًا في الخدمة، تتحول الخدمة إلى “عائلة كبيرة”. فأولاد الفرد من الخدمة هم أولاد الناس كلهم، وأولاد الناس كلهم هم أولاد كل فرد من أفراد المجموعة. كل النساء أخوات هنا، الكل في خدمة الكل. هنا تذوب الأسرة الصغيرة في إطار الأسرة الأكبر، وهي مقدمة نحو أن يصبح المجتمع كله كالأسرة الواحدة. ولذلك فإن أبناء الخدمة، لا يتضايقون من مساعي الحكومة التركية في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي؛ ذلك أن كل ما هو اتحاد تحب الخدمة أن تكون فيه. وهذا من شأنه أن يحقق للاتحاد الأوربي نفسه مزايا كبيرة ما دام من مستلزمات السياسة الأوربية التركيز على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي أمور تحققت في برنامج الخدمة عمليًّا. لن تكون هذه الخدمة شكلية أو تجنى من ورائها مصالح مادية أو مكاسب سياسية، بل هي تتماشى مع المتطلبات الحقيقية للمصالح الأوروبية المتمثلة في الصناعة والتعليم والتجارة، وهي أمور قطعت فيها الخدمة شوطًا بعيدًا.

إن أوربا شاخت، وأصبحت في طريق أن ينطبق عليها ما كان ينطبق على الإمبراطورية العثمانية في عهودها المتأخرة حين نعتوها بـ”الرجل المريض”. والنعت الذي ينطبق عليها حاليًّا هي أنها “قارة عجوز”. فهي بحاجة إلى أجيال فتية، وهذه الأجيال لا توجد سوى في تركيا من ناحيتين: من حيث الموقع، ومن حيث المصالح المشتركة. فلا مناص لأوروبا من التكامل مع تركيا، ثم هناك ناحية أخرى، وهي أن أوروبا تتواجد بها أجيال من تركيا معروفون بالعمل والجد والاجتهاد، برهنوا من خلالها على كفاءاتهم وإخلاصهم. لهذا السبب، سعى إخوة الخدمة إلى تهيئة أنفسهم للاندماج في المجتمع الأوروبي وخدمته، بالطرق التي يسعى لتحقيقها وهي بناء الإنسان مع غرس المقومات والمبادئ.

بـالإعلام: لست بحاجة هنا إلى سرد مجمل إنجازات الخدمة في مجال الإعلام الذي تعددت واجهاته: الإذاعات، والقنوات، والمجلات، والصحف… فهذا شيء كثير -ولله الحمد- لكن يكفي أن نذكر من هذا الإنجاز، جريدة “زمان” التي لا تقف أمامها أية جريدة. كما قمنا بزيارة مقر الإذاعة بتاريخ 29/01/2013 التي قدم إلينا مديرها شروحات مستفيضة عن توظيف القضايا الدينية والعقدية يطول بي المقال في بسطها وشرحها.

إن أكبر نجاح حققه إعلام الخدمة، هو أنه تصدى للإعلام الكاذب ففضح أساليبه وخططه. وتَحقَّق من هذه العملية أن الإعلام المضاد خفف من حدة التمويه والزيف والتضليل، ورام إلى الصدق خوفًا من المنافسة والإقصاء. لم يفعل هذا وعيًا منه بمسؤولية الكلمة، بل كان دافعًا من فعل الخوف من إعلام الخدمة.

جـالاقتصاد ويتمثل في:

1- التجارة: نعني بالتجارة؛ المعاملات التجارية، ورجال الأعمال، والشركات التجارية. والتجارة هي كل شيء لأن لها صلة بالمال، والمال عصب الحياة، وأحد الضرورات الخمسة التي جاءت به الشريعة الإسلامية. وهي -قبل هذا وبعده- سنّة فعلها النبي ›؛ فقد كان تاجرًا، وأجداده تجارًا، وكذلك قبيلته التي ذكرها الله في محكم التنزيل، وتزوج من تاجرة، وبقي يشتغل بالتجارة حتى نزل عليه الوحي. وهذا يبين -أولاً- على أن الوحي نزل على تاجر، وتوسع في أوساط التجار، وهذا يبين -ثانيًا- على أن التجار هم عمدة المجتمع وأساسه. فقد ساهمت تجارة الصحابة ž في تنمية المجتمع حتى إن الله تعالى ضرب بها الأمثال في القرآن الكريم. لكن المسلمين تقاعسوا في الاهتمام بـ”التجارة” ولم يعطوها حقها الذي تستحقه، فأُتُوا منها.

في سنة 2005 أقيم ملتقى عالمي ضمّ تجار الخدمة وتجارًا من خارج الخدمة، وانعقد جسر عالمي للتجارة، واستطاع تجار الخدمة أن يجمعوا 180 ألف تاجر من أنحاء العالم، كان الغرض منه تلافي الإفلاس التجاري.

لكن أبناء الخدمة لم يُهملوا هذا المجال المهم؛ ففي سنة 2005 أقيم ملتقى عالمي ضمّ تجار الخدمة وتجارًا من خارج الخدمة، منذ ذلك الوقت، انعقد جسر الملتقى العالمي للتجارة، واستطاع تجار الخدمة أن يجمعوا حوالي 180 ألف تاجر من مختلف أنحاء العالم، كان الغرض منه تلافي الإفلاس التجاري، وحتى الذين أفلسوا، استفادوا من إفلاسهم فأخذوا الوقاية والعلاج في آن واحد.

كان وراء ذلك فئة من الشباب الذين وفرتهم الخدمة، والذين تتراوح أعمارهم ما بين 26-32 سنة، وضعوا لجانًا حسب الاهتمامات، ونظموا أنفسهم تنظيمًا محكمًا. وأطلقوا على منتداهم نعت “لونجا” وهو منتدى معروف في تركيا، يلتقون فيما بينهم فيتحاورون ويتشاورون ويتعاونون فيعقدون صفقات مع بعضهم. والهدف من هذه الملتقيات، هو الانفتاح على العالم الخارجي. وجرى الانفتاح مؤخرًا على القارة الإفريقية بصفتها قارة بكرًا كما يعتقدون. هؤلاء كلهم أعضاء في اتحاد “توسكون” الذي تطور إلى مؤسسة كبيرة، بحيث أصبحت أكبر التجمعات لتجار تركيا، كانت تضم في سنة 2005 حوالي 600 جمعية، ولا ندري ربما زاد العدد الآن.

ومن المواصفات التي حددتها مؤسسة توسكون للتاجر: النظرة إلى الأفق لا إلى الثروة. الاهتمام بمن له رغبة في الحركة التجارية. الاهتمام بالتاجر الصغير ليصبح تاجرًا كبيرًا في المستقبل.

وفضلاً عما سبق، فإن الخدمة حريصة على توفير جو يليق بالتجار، لأن للتجار عالمهم الخاص بهم، فهم لا يجالسون العلماء والمثقفين، لأن للتجارة أسلوبها وثقافتها. ورجال التجارة يخافون على أموالهم، لأنهم لا يملكون شيئًا غير المال. فسر التجارة هو البحث عن الأسواق التي فيها الخصب، وهم دومًا يبحثون عن الربح. لكن التجارة هنا في تركيا -وفي تجارة الخدمة بالذات- الأمر يختلف؛ فهم يجلسون ويجالسون، ويأنسون ويستأنسون، ويأخذون ويعطون، فيتعاونون ويتساعدون… وهم جنود في الخدمة، والخدمة تعول عليهم كثيرًا. لذلك أضافت التنظيمات التجارية -المتحدَّث عن بعضها سابقًا- بعدًا آخر لمدى الوحدة والتوحد لأجل التعاون، وفتح آفاق التجارة والعمل بغية النماء والاستثمار. في هذا الاتحاد يلتقي الشباب بالشيوخ، فيستفيدون من تجربتهم، وينهلون من معين خبرتهم. وهل يستغني الشباب عن الشيوخ؟ اللهم كلا.

كان من أهداف الكليات والمعاهد المتخصصة في إدارة المال والأعمال على مختلف تسمياتها، أن تخرج منها أبناء التجار الذين يستوعبون تجارة آبائهم، ويحافظون عليها، ويطورونها نحو الأجود والأفضل. وقد ضمنت الخدمة نوعًا من التواصل التجاري بين الشباب والشيوخ، والآباء والأبناء.. تواصل قائم على الاستمرارية والديمومة، وينبني على قيم وأخلاق التجارة. فالتجارة القائمة اليوم، تقوم على الغش والاختلاس والاحتكار واستنزاف الآخر، وهذا يؤدي في النهاية إلى الإفلاس. وإذا أفلست التجارة أفلس الاقتصاد، وإذا أفلس الاقتصاد أفلس المجتمع. ذلك ما تحاول تجارة الخدمة أن تتلافاه، ومصائب قوم عند قوم فوائد.

2- الشركات التجارية والخدمة: كان للتجارة وللتنظيمات التجارية نصيب من التربية والتوجيه، ونصيب من الخدمة أيضًا، بل سخّرت كلها للخدمة. وقد أولى الأستاذ محمد فتح الله كولن للشركات التجارية قيمة كبيرة، وذلك لأهمية المال والاستثمار والأعمال في الحياة اليومية للإنسان بصفة عامة. وقضية التجارة والتجار هي قضية مهمة في تاريخ الحضارات الإنسانية منذ القدم. لماذا لا تعول الخدمة على التجارة والتجار، والحضارات الإنسانية إنما بدأت بالتجارة وازدهرت ونمت بها. وقد أدرك الأستاذ كولن -بتجربته وبثقافته الواسعة- أن للرحلات التجارية دورًا كبيرًا في استعمار الشعوب، وهو موضوع يطول بنا المقال في سرد تفاصيله، لكننا نقتبس جازمين أن كثيرًا من الشركات التجارية الغربية التي حطت في الشرق، كانت مؤسسات استعمارية، أما شركات الخدمة فهي شركات إنسانية، دعوية وتكافلية. فهي شركات -كما سماها أحد أبناء الخدمة الفاعلين- “شركات الفتح المبين”.

3- الأبناك: إلى جانب الجهود السابقة المباركة، تقف الأبناك ماثلة في مشروع الخدمة، من هذه البنوك -مثلاً- بنك “آسيا”. ولا تُعرف قيمة مثل هذه البنوك إلا في شيوع الأزمات؛ في الوقت الذي تتضايق فيه بعض الأبناك وتفلس أخرى، تبقى هي صامدة حية تقدم خدمتها بكل ثقة. للأزمة مدلول قدحي الدلالة، لكنها حين تكشف الحق من الباطل، والزيف من المغشوش، تصبح الأزمة رحمة. لقد واصل بنك آسيا مشروعه حتى عقد مع البنك الدولي اتفاقيات صارمة، وهو بنك إسلامي، والصعوبات في طريق هذا النوع من الأبناك لا بد منها، لكن بنك آسيا كان يتكيف مع الوضع.

الصحابة كانوا قدوة لأبناء الخدمة، قال لهم الأستاذ مرّة وقد خرج إلى جماعة منهم وهو يحمل كتاب حياة الصحابة للكاندهلوي بيده: “كونوا مثل هؤلاء أو موتوا”.

ذلك هو الاقتصاد في مشروع الخدمة بأبعاده الثلاثة، وتلك هي مبادئ المشروع ومجالاته الأساسية نبعت من موقع المعاينة والمشاهدة، وليس من سمع كمن رأى.

الهوامش

(1) انظر: “اجتياز الزمن والمسافات”، فتح الله كولن، 25 مارس 1990م، إزمير/تركيا.

(2) انظر على سبيل المثال لا الحصر كتاب “النور الخالد: محمد r مفخرة الإنسانية” للأستاذ فتح الله كولن، تكلم فيه عن السيرة النبوية في خمسة أقسام، وملحق للسنة النبوية من حيث تقييدها ومكانتها في الشريعة الإسلامية.. وكتاب “أضواء قرآنية في سماء الوجدان”، وكتاب “ونحن نقيم صرح الروح”، وكتاب “التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح”، و “ترانيم روح وأشجان قلب” وغيرها من الكتب والرسائل العلمية القيمة.

(3) للأسف الشديد أغلق الحزب الحاكم كل الهيئات والوسائل الإعلامية والمؤساسات التربوية والتعليمية، وكل مناشط الخدمة  في تركيا بعد الانقلاب المزعوم في 15 يوليو/تموز 2016م دون أيّ مبرر قانوني، واعتقل وطرد أعدادا كبيرة من العاملين على هذه المؤسسات، وشرد طلاب المؤسسات التعليمية. (المحرر)

About The Author

أ.د. محمد خروبات أكاديمي مغربي، يعمل أستاذًا للتعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، مهتم بالاجتهاد المعاصر والمشكلات الإنسانية، واشتغل في قضايا الفكر الإسلامي وحوار الأديان والحضارات، والحوار الديني والثقافي في الحضارة الإسلامية. ناقش وأشرف على عدد من الرسائل الجامعية، كما سيَّر واشترك في عضوية عديد من المجموعات والجمعيات والدوائر العلمية، وله عديد من الإصدارات العلمية منها: الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة في التدافع الحضاري.

Related Posts