يقول الأستاذ فتح الله كولن: “إن الإنسان لم يصل منذ وجوده على الأرض وحتى يومنا الحالي إلى الطمأنينة الحقيقيّة وإلى السعادة إلَّا في جوّ الدِّين الدافئ، فكما لا يمكن الحديث عن الأخلاق الرفيعة وعن الفضيلة في غياب الدِّين، لا يمكن الحديث عن السعادة أيضًا في غيابه، ذلك لأن منبع الأخلاق والفضيلة هو الضمير، والعنصر الوحيد الذي يحكم الضميرَ هو الدِّين الذي هو عبارة عن الارتباط بالله تعالى”.

الدين مدرسة

ويتابع كولن: الدِّين مدرسةٌ مباركةٌ تدرس فيه جميع الأخلاق الجميلة، وطلاب هذه المدرسة هم الناس جميعًا أطفالًا كانوا أم شبابًا أم شيوخًا، والذين ينتسبون لهذه المدرسة سيجدون في رحابها الطمأنينة والأمن والهدوء، أما الباقون خارجها المتخلّفون عنها فسيخسرون كلّ شيءٍ، وأول ما يخسرونه هو أنفسهم”.

لم يجد الإنسان الطمأنينة والسعادة منذ أن خُلِق حتى اليوم إلَّا في ظلال الدِّين الوارفة.

“الدِّين وضعٌ إلهيٌّ سائقٌ لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما يعود عليهم بالخير المحض” فالدِّين هو عنوان معرفة الله وتوحيده والوصول عن طريقه إلى صفاء الروح، وإلى تنظيم علاقاته مع الناس باسمه تعالى وفي ضوء أوامره، بل حتى الوصول إلى شعورٍ عميقٍ بالعلاقة مع جميع الوجود والكائنات وحبّها.

إن الدين يعلي من قدر مفاهيم رفيعة العِرْضِ والشرف والأمة ويجلّها. إنه نبعٌ مباركٌ لأسس المدنية الحقيقية، وهو الذي يسمو بقلب الإنسان وبأحاسيسه، وبه يستطيع الإنسان تجاوز عالمه المادّيّ هذا ليصل إلى عوالم أخرى، فينهل إلى أن يرتويَ من منابع الجمال والخير والفضيلة”[1].

الدين: المؤثر الأول

يؤمن كولن بأنه “مهما تغيّرت الدنيا وتبدّل حالها من حالٍ إلى أخرى، ومهما تقدّم مستوى العلم والعلوم الطبيعية، ومهما تبدّلت قناعات الإنسان وآراؤه فإن الشعور الدينيّ قد أثبتَ عبر التاريخ أنه المؤثّر الأوّل في تشكُّل الحياة العلميّة والفكريّة، وكان العامل الأوّل في نشأة حضاراتٍ جديدةٍ ونموّها، وتكامل البشريّة، ولا يزال كذلك إلى اليوم، وبفعل قوّته الساحرة هذه؛ يؤثر في قسمٍ عظيم من الدنيا، وسيظلّ يحافظ على تأثيره باعتبارهِ المؤثِّر الأول”[2].

ويرى كُولَنْ أن ما تعانيه الإنسانية اليوم هو خواء القلب والروح، إلا أن الجهود والمساعي جميعها تُوجَّه لإشباع الرغبات الجسمانيّة فحسب، وهذا “خطأٌ” عظيمٌ، ويرى أيضًا أن محاولتنا ريَّ عطشنا بشرب ماء البحر لا تختلف شيئًا عن محاولاتنا تسمين أجسادنا وأبداننا لأجل إزالة جوعنا المعنويّ وحاجاتنا المعنويّة، حيث إن الجوع والعطش الحقيقيّين للإنسانيّة جمعاء يكمن في البُعد عن روح الدِّين الحقّ أي عن روح الإسلام.

منبع الأخلاق هو الضمير، والشيء الوحيد الذي يحكم الضميرَ هو الدِّين.

روح الإسلام

لا يقصد كولن بـ”روح الإسلام” تلك التي فقدت بريقها وبهت لونها وخبا سحرها السماويّ اليوم، وإنما يقصد بها تلك التي لا تزال محسوسةً بأطيافها وزخارفها في طائفةٍ من الأرواح النقيّة الطاهرة، والتي أحسّ بها الإنسان وعاشها في عصر السعادة النبوي (ص)، ويمكننا أن نرتب المواد والعناصر المأخوذة من قوله المتعلق بماهيّة تلك الروح التي تصهر الحياة الفرديّة والمجتمعيّة في بوتقتها الخاصّة وتشكلها كالتالي:

  • الحقُّ والعدل والمساواة والأمن العالميّ وتمثيلها في إطار الارتباط بالحقّ تعالى دون استغلالِها لصالح الرغبات الجسمانيّة والنفسيّة.
  • مساندة الحقّ، والتمسُّك به ونصرتُه واحترامه.
  • تقبيحُ الظلم، وعدم الخنوع والإذعان لإملاءات القوى الظالمة الجائرة.
  • ارتضاءُ العدل والصدق في كلّ شيءٍ نمطًا للحياة الشخصيّة والأسريّة والاجتماعيّة بأوسع معانيه وتطبيقُ ذلك في الحياة، والتفكير والعيش السليم، والعمل الدائم على التحرّك في إطار الحقّ والحقّانيّة.
  • الوقوف في مواجهة الظلم والطغيان، وحماية الحقوق الشخصيّة والتصرّف بحساسيّة فيما يخصّ حماية حقوق الآخرين، وبقدر تلك الحساسيّة والعناية التي تظهر فيما يتعلّق بالتحيّز، بل والأكثر من ذلك؛ التنبُّه لضرورة العيش بميزانٍ واتّزانٍ دائمٍ وكأنّ الحياة رهنُ ميزانٍ تُوزَن به.
  • الوقوف الواضح والصريح ضدّ التمييز القائم على اللون أو الجنس أو المنطقة أو العائلة.
  • ذمّ الكيانات والبِنَى القائمة على الحسَب والنسَب، ورفض سيادة الطبقة رفضًا صريحًا حتى وإن كان ذلك في وحدة من وحدات الحياة فقط.
  • فتح المجال للقدرات الشخصيّة، ومباركة النجاحات، والنضال والكفاح ضدّ كلّ أنواع الملاحظات الفوضويّة.
  • احتواء كلّ أفراد المجتمع وقطاعاته بدرجةٍ واحدةٍ من الحميميّة.
  • تقييم احتياجات الجميع وتطلُّعاتهم على حدٍّ سواء، وتطبيق قاعدة “لا فضل لأحدٍ على أحدٍ إلا بالتقوى” قدر الإمكان.
  • التسليم بأن جميع الشرور تصدر عن النفس بالدرجة الأولى، ومن ثم يجب السعي إلى انتزاع تلك الشرور من الأرواح وتخليصها منها عبر تعزيز الإرادة الشخصيّة بالوعي الإيمانيّ والمعرفيّ والإحسان.
  • ربط الحياة بإسعاد الآخرين، والعزم على هبة الحياة للآخرين وإعاشتهم أكثر من العيش والحياة للنفس فحسب.
  • الصمود وعدم الاستسلام في مواجهة أيّ تعرُّضٍ لظلمٍ أو تعدٍّ أو حرمان.
  • التصرّف دائمًا كواحدٍ من فدائيّي المحبّة، واحتضان الجميع واستيعاب الكلّ.
  • احترام جميع الأفكار.
  • البحث الدائم عن الطرق المؤدية إلى درجة “الإنسان الكامل”، وفعل كلّ ما يستلزمه هذا الطريق.
  • التخلّص بالعبودية لله تعالى من صنوف العبودية التي تُذِلُّ الإنسان كعبوديّة الأهواء والقوّة والشهوة والشهرة، والنجاة بذلك من الدناءات والضِعَات[3].

[gdlr_divider type=”solid” size=”50%” ]

[1]  فتح الله كُولَنْ: الموازين أو أضواء على الطريق، دار النيل – القاهرة (2006م)، ص 93-95.

[2]  فتح الله كُولَنْ: سلسلة العصر والجيل-5: “أيام تتنفس أنسامًا ربيعية (Günler Baharı Soluklarken)، مقال “قوة الدين التي لا تقهر (Dinin Yenilmeyen Gücü)”، “نِيلْ يَايِنْلَرِي (Nil Yayınları)”، إسطنبول (2012م)، (باللغة التركية)، ص 100-104، [مجلة “سِزِنْتِي”، ديسمبر/كانون الأول (1991م)].

[3]  فتح الله كُولَنْ: ونحن نبني حضارتنا، مقال “روح الإسلام”، دار النيل – القاهرة (2011م)، ص 96-104.