يشكل مفهوم المسؤولية جسرًا مهمًّا بين الممارسة والقيمة والمعتقد، وبعض علماء الدين والأخلاق المسيحيين يرونه كجوهر الهوية الدينية (نيبور 1963، شويكر 1995). بالنسبة لبعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع تعتبر المسؤولية الشاملة قاعدة الأخلاق (بومان 1989). أما في عالم الأعمال، فالمسؤولية المؤسساتية هي الآن في قلب أخلاقيات التجارة، وهي هنا مرتبطة بالغاية والهوية والممارسة (براون 2005، روبينسون 2008).

ذكرت كارول (2007) أن المسؤولية مفهوم مفتاح في كتابات الأستاذ فتح الله كولن، وحاولت الخروج بمقارنة إدراكية مع الوجودية. سأحاول في هذا المقال اكتشاف معنى وممارسة المسؤولية عند الأستاذ كولن، من خلال تحليل مفهوم المسؤولية في علاقته بالإسنادية والمساءلة والأمانة.

سوف أناقش أن رؤية الأستاذ كولن للمسؤولية متجذرة في مبدأ المساءلة، وأن أساس هذا هو فلسفته الدينية (تيولوجية) المتمركزة حول الفكر والفعل، وأن رؤيته للإسنادية تنبع من واحدة تقود إلى منظور حول الأمانة الكونية.

‭ ‬رؤية‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬للمسؤولية‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬مبدأ‭ ‬المساءلة،‭ ‬وأساس‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬فلسفته‭ ‬الدينية‭ ‬المتمركزة‭ ‬حول‭ ‬الفكر‭ ‬والفعل‭. ‬ورؤيته‭ ‬للإسنادية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬واحدة‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬منظور‭ ‬حول‭ ‬الأمانة‭ ‬الكونية‭.‬

سوف أقارن هذه الرؤى حول المسؤولية برؤى فلاسفة وتيولوجيين ذوي معتقدات أخرى. بعد ذلك سأحاول اختبار رؤية الأستاذ كولن للمسؤولية في سياقات مختلفة: المجتمع المدني، التربية، والتجارة، وسأحاول مقارنة هذه السياقات مع مقاربات أخرى. وفي النهاية سأحاول تقييم دور الأستاذ كولن في النقاشات الراهنة حول هذه المساحات.

المسؤولية

يلخص شويكر (1995) المسؤولية من خلال ربطها بثلاثة أشكال، أول اثنين منها تعود إلى تفكير أرسطو (ألكسندر 2008):

  • الإسنادية: أفعال الشخص تُعزَى إليه. وبالتالي ننظر إليه كمسؤول عن تلك الأفعال وعن القرارات التي أدّت إليها.
  • المساءلة: الشخص مسؤول أو مُستجوَب أمام شخص ما.
  • الأمانة: الشخص مسؤول عن شيء أو شخص ما.

الإسنادية

هناك رؤى قوية وأخرى ضعيفة تحاول تعريف الإسنادية.

تُعرِّف الرؤى الضعيفة (ماكّني 2005، 242) الإسنادية ببساطة بأنها ترابط سببي بين الشخص وأي فعلٍ، وهذا يدل على أن الفعل يُعزَى إلى الشخص. مثل هذه الرؤية لا تساعد على تحديد مدى انخراط الشخص في الفعل ومدى حدود مسؤوليته فيه.

في المقابل نرى أن رؤية قوية (تايلور 1989) تقارب الإسنادية من خلال أن مسألة اتخاذ القرار تشكل تقييمًا قويًّا يربط الفعل باتخاذ القرار، وتشكّل هوية الشخص الأخلاقية. من أجل أن يكون الشخص مسؤولاً بالكامل، يجب عليه أن يكون واعيًا بسياقه الاجتماعي، وبعلاقاته البارزة، وبالانعكاسات المتبادلة لهذه العلاقات وما إلى ذلك.

المساءلة

الشكل الثاني من المسؤولية هو المساءلة، وأساسها هو العلاقات التعاقدية رسمية كانت أو غير رسمية، فالتعاقد يؤسس العقد لسلسلة من التوقعات المتبادلة. وعلى مستوى معين تكون هذه التوقعات حول أهداف متعارف عليها تحدد أساس أي مشروع، ومن دونها لا يمكن تقييم كفاءة الشخص. وعلى مستوى آخر نجد توقعات أخلاقية أوسع، تحدد طريقة تعامل الواحد في أي عقد. هذا طبعًا يتضمن أهمية الانفتاح والشفافية في العلاقات، وفي سلوكيات أخرى مشابهة تُوفر أساس الثقة.

الأمانة

في سياقنا هذا نفرق بين مصطلح الأمانة ومرادفه الدلالي في القانون، فالأمانة هنا تتجاوز المساءلة من ناحية أنها تهتم بالآخرين، وقد تشمل بشكل أوسع بعض المشاريع أو المجموعات. فعلى كل شخص أو صاحب مهنة أن يتعامل مع الحياة في سياقاتها المتعددة من دون عقد ظاهر. هذا التعامل يتطلب وعيًا بحدود الإنسان أو المنظمة، وتجنبًا لحمل كثير من المسؤولية، وقدرة على العمل الجماعي، ومناقشة وتشارك المسؤولية. وفي هذا الشكل تبدأ مساحات مختلفة من المسؤولية بالظهور: المسؤولية الفردية، المهنية، المؤسساتية، المدنية، البيئية، الكونية.

ويناقش العالم المسيحي “نيبور” أن الأمانة تتجاوز الغائية (teleology) والأخلاقية (deontology) بحكم أن هاتين لا تحتويان جميع الإمكانيات الأخلاقية. ويضيف: “البائن في فكرة المسؤولية هو صورة الإنسان/المُجيب، الإنسان المنخرط في الحوار، الإنسان العامل استجابةً لفعل فوقَه” (نيبور 1963، 63).

الأستاذ كولن

تتأسس رؤية الأستاذ كولن للمسؤولية بشكل راسخ على المساءلة، وهي بدورها مبنية على فلسفته الدينية عن الخلق. فالله تعالى خلق العالم واستخلف الإنسان عليه. (القرآن 2:30) (1).

الإنسان إذن مسؤول عن إدارة هذا الخلق، وعلاقة الله تعالى الخالقِ تعني كذلك أن الإنسان مسؤول باسم الله، فالإنسان هنا يقف أمام الله كنائب، لكنه أيضًا يقف قِبله.  إذن فالإنسان يكون مسؤولاً مع الله تعالى، وأمام الله عن هذا العالم في كليّته. ثم إن هذه المسؤولية تربط الفعل في هذا العالم وفي الآخرة، فما نفعله يؤثر على المملكتين، وبالتالي على اعتبارنا للمملكتين معًا، ومن أجل تحقيق هذه المسؤولية وفَّّر الله تعالى  للإنسان جميع المصادر الممكنة.

يدعم‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭  ‬نهضة‭ ‬تسمح‭ ‬بمساءلة‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬وتمكن‭ ‬من‭ ‬إنهاء‭ ‬الدكتاتوريين،‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬مجتمع‭ ‬ديمقراطي‭.‬

“إذا كانت الإنسانية تَخلُف اللهَ في الأرض، وهي المفضلة بين جميع خلقه، وهي جوهر ومضمون الوجود في مجمله وألمع مرآة للخالق، وليس هناك شك في أن هذا هو الحال، فالله تعالى الذي أرسل الإنسانية إلى هذا المجال أعطانا الحق والإذن والقدرة على اكتشاف الأسرار المكنونة في روح الكون، للكشف عن القوة الخفية، التي قد نستخدمها ابتغاء وجهه تعالى في كل شيء، ولكي نكون ممثلين للخصائص التي تنتمي إليه، مثل المعرفة والقوة”. (كولن 2004، 122)

إن المسؤولية ليست سهلة… فمثلاً ينظر نيبور ببساطة في نقاط إلى أن المسؤولية تستجيب لحاجيات المجتمع والعالم المتسع. وبالنسبة للأستاذ كولن، فهذه المسؤولية غائية (teleological) ولذلك يجب استعمال جميع المصادر لتحقيق هذه الغاية الربانية، وبالتالي فكل معنى للفعل يجب أن يفهم من خلال السيادة الكلية لله تعالى ورغبته رؤيةَ الإنسان يحقق هذه الإرادة، إلا أن هذا المستوى من المساءلة يُتطور بطرق بارزة.

إن مهمة الخليفة ليست فقط ببساطة أن تؤمن بالله أو أن تعبده ببعض الشعائر، ولكن أيضًا أن تفهم “أسرار الأشياء وأسباب الظواهر الطبيعية، لتكون قادرًا على التحرك مع الطبيعة” (كولن 2004، 122).

ويعتبر الأستاذ كولن أولئك الذين يعملون بهذا “أناسًا أَصِيلين”، ويؤكد أنهم يمارسون إرادتهم الحرة “بطريقة بناءة، ويعملون على تنمية العالم، وحماية التناغم بين الوجود والإنسانية، وجني خيرات الأرض والسماء لصالح الإنسانية، ويحاولون كذلك رفع المستوى المتدني للحياة إلى مستوى أكثر إنسانية في إطار أوامر وقواعد الخالق. هذه هي الطبيعة الحقيقية للخليفة، وهنا كذلك يمكن إيجاد المعنى الحقيقي لمفهوم العبودية والحب لله” (كولن 2004، 124).

إن اتساع نطاق هذا سرعان ما يصبح واضحًا، لذا علينا -أولاً- أن نتعامل مع العلم بشكل جديّ، كما أنه ليس علينا النظر إلى العلم كشيء مستقل أو ضد الدين. بالعكس، فالعلم يكشف لنا قوانين الطبيعة وبالتالي يساعدنا على إدراك غائية الخلق (telos). هذا يبين بوضوح لماذا يهتم الأستاذ كولن بالعلوم كجزء أساسي من العمل التربوي، على الرغم من أنه يؤمن بنظرية الخلق الدينية. ثانيا، فالإرادة الحرة التي هي مفتاح أي شعور بالمسؤولية ينبغي أن تستخدم في خدمة الجميع، هؤلاء بدورهم ينبغي عليهم العمل على الحفاظ على التوازن بين البيئة والإنسانية، جاعلين معظم مصادر الخلق لصالح الإنسانية ككل، وبغرض رفع مستوى الحضارة عند الجميع. إن لدى كولن رؤية واضحة في أنه لا بد من استعمال العالم الطبيعي لغايات إيجابية، وهذه الغائيات المميزة جدًّا يمكن أن تنطوي على الاختلاف والصراع، فالخليفة ومنذ البداية عليه تحمل مسؤولية العمل من خلال هذه الغائيات الواسعة، وفي إطار من القيم الربانية.

مفهوم الإسنادية في فكر الأستاذ كولن

تنبثق الإسنادية في فكر الأستاذ كولن من إطار مفهوم المساءلة. فالاستقلالية الشخصية والوكالة هما هبتان من الله  تمكنان الشخص من أداء دور الخليفة. وتعطي هذه الوكالة الحرية للشخص في تغيير المجتمع، مادام مصدر هذه الحرية والوكالة مُسلَّم بصحته ومعترف به. “الله وحده يحدد ويقَسّم ويخلق وينشر جميع الأرزاق لنا” (كولن 1999، 94).

هذه الوكالة تُعطَى إذن بوساطة، وهي شكل محدود من الذاتية، أو بعبارات “فاهدات” “هي تُسقط مُراده على سمات الإله التوحيدية، سمات مثل القدرة الكلية، والمعرفة الكُلانية(2)، ثم وُزعت جزئيًا من قبل البشر. في هذه الصورة نجد ذاتية الإنسان مرهونة بالذات الإلهية العلية. وعلى الرغم من أن الذات الإنسانية ليست مقصاة هنا، لكنها ليست أبدًا مستقلة عن ذات الإله، وبهذا المعنى تكون الذات البشرية وسطًا ووسيلةً وموضوعًا”. (فاهدات 2002، 134).

إن جوهر كل هذا عند الأستاذ كولن هو هذا التركيز الكبير على الحركة والعمل، فالمسؤولية تقف موقف السائل للعمل. والأستاذ كولن يدفع إلى الحركة والعمل في مقابل الخنوع السلبي في العبادة. وفي صميم هذا نجد مفهوم “الخدمة” التي تجسِّد تقريبًا الوعي الداخلي بالله عز وجل في شكل ممارسة فعلية. وبالتالي، ليس هناك شك من وجود التقوى، “أولئك الذين يشعرون بأنفسهم دائمًا في وجود الله تعالى لا يحتاجون إلى عزل أنفسهم عن الناس” (كولن 1995، 87).

بالنسبة‭ ‬للأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬الخدمة‭ ‬مبدأ‭ ‬أساسي‭ ‬ومسؤولية‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬أجرأة‭ ‬وتفعيل‭ ‬القيم‭ ‬حركة‭ ‬وعملا‭.‬ً‭ ‬التي‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬مثال‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬‭ ‬كرجل‭ ‬عملٍ‭ “‬أكَّد‭ ‬على‭ ‬التعلم،‭ ‬والتجارة،‭ ‬والزراعة،‭ ‬والعمل‭ ‬والفكر‭.‬

مفهوم الوكالة إذن يعتمد على أنثروبولجية كُلانية وديناميكية، والتي تجمع بين العاطفة والروح، والعقلانية والعمل. إن “الله تعالى لم يخلق الناس فقط ليبقوا عاكفين سلبيين، كالناشط من دون عقل ولا روح، أو كالعقلاني من دون تفكير روحي ونشاط” (كولن 1999، 46).

بالنسبة للأستاذ كولن الخدمة مبدأ أساسي ومسؤولية دائمة في أجرأة وتفعيل القيم حركة وعملا،ً فأي شعور بالإرادة الحرة يأتي إلى حد كبير في سياق الخدمة، التي تركز على مثال النبي محمد صلى الله عليه وسلم كرجل عملٍ “أكَّد على التعلم، والتجارة، والزراعة، والعمل، والفكر. وعلاوة على ذلك، شجع أصحابه على القيام تماما بما فعله، وأدان التقاعس والتسول” (كولن 1995، 105).

تطوير المسؤولية

إن النظرة التي ترى المسؤولية المبنية على العمل المُركِّز على الوكالة تجد بشكل تلقائي مكانًا محوريًّا في رؤية الأستاذ كولن لمسألة التربية. فالأستاذ كولن يرى قاعدة السلطة ومعها الوكالة، بكلمات ر. ه. تاوني (1930)، كما في كتابه “في الروح”. فالروح عند كولن تنطوي على ثلاث كليات “العقلاني، والتّوَتُّري، والنزَّعاتي” (محمد 2007، 556). والتعامل مع هذه الكليات يتطلب فضائل أربعة: الشجاعة والحكمة والاعتدال والعدالة. هذه الفضائل تُعدّل الشهوة والغضب، مما يؤدي إلى درجة من العقلانية وضبط النفس. وهذا لا يطمس العواطف بل يُلطّفها.

وبالتالي، فالملاحَظ هو أن الطابع الأخلاقي هو جوهر نظرة الأستاذ كولن للوكالة والمسؤولية، وهذا يتيح إنشاء المسؤولية الشخصية ومنه إنشاء أي نهج من المسؤولية الاجتماعية أو المدنية (طوغوسلو 2007، 450). إن أي مسؤولية تستند على القيم العالمية مثل “التفاني، البساطة، الثقة، الولاء، الإخلاص، التواضع، والترابط” (المرجع نفسه 455). وهذا يؤدي إلى التعليم الذي هو الأساس في تطوير الشخصية، والذي يركز على النقد الذاتي والتجديد الذاتي المستمر. مثل هذا الفحص الذاتي “يمكِّن المؤمن من التكفير عن أخطاء الماضي، وأن يصبح طاهرًا في أعين الله؛ لأنه يوفر إدراكاً مستمرًّا للتجديد الذاتي في عالم الإنسان الداخلي” (كولن 1999).

إن أساس مقاربة الأستاذ كولن للتعليم هو أنه ينبغي أن يشارك على وجه التحديد في تنمية الشخصية. إنه في الواقع يسمح بتنمية مسؤولية تفكير المرء وتطوير القيم الكامنة و تجسُّدِها في الممارسة العملية.

المسؤولية المشتركة

يرى الأستاذ كولن كذلك المسؤولية من منظور تداولها في الشركات التجارية والمهن، وقد مالت المسؤولية المشتركة إلى تقسيم النهج الليبرالي فريدمان (1983) أو ستيرنبرغ (2000)، إلى آراء أكثر تفاعلية مبنيّة على تحليل أصحاب المصلحة (روبنسون 2008)، لكن رؤية كولن متميزة جدًّا عن فريدمان وستيرنبرغ، فهم ببساطة يضعون المسؤولية في إطار من المساءلة التي ترتبط بشكل مباشر بعلاقة المالك والمُنفذ المأمور؛ فهدف التجارة هنا هو ربح المالك المادي في إطار قانوني، وعلى العكس فنظرة كولن تتحدى هذه النظرة. فأولاً، المساءلة عند الله تعني أن أي نظرة ضيقة تُعرف أو ترجع إلى المسؤولية لا تُأخذ بعين الاعتبار. فالمسؤولية تسمو على أي مصالح. ثانيًا، تحاول نظرة فريدمان تقييد تعريف المسؤولية فقط بالمساءلة ونتيجة لذلك فلديه القليل من الحس بوكالة أو حرية المُنفِّذ. ثالثًا، باستطراد، فريدمان وستيرنبرغ ليس لديهم شعور بمسؤولية الأعمال. أما بالنسبة للأستاذ كولن فمسؤولية الخلق تسير جنبًا إلى جنب مع المساءلة أمام الله. فالمسؤولية المشتركة عند كولن قد تنطوي على جوانب خيرية، أو هي في الواقع أكثر من ذلك تقوم على تفعيل المسؤولية بشكل خلاَّق ومُشترك.

كما أن الحرص على الرفاه في العمل حاضر بقوة في فكر الأستاذ كولن، فهو يقبل على أهمية المسلم كمواطن فعَّال، أي مواطن يجب أن يحترم حقوق الإنسان التي يتبناها السياق الاجتماعي والسياسي الذي يشتغل ضمنه، بما في ذلك التشريعات حول الرفاه في العمل، وهذا يقودنا إلى مسألة المسؤولية المدنية.

المسؤولية المدنية

إن الأستاذ كولن يرى في كل هذا أهمية وجود مجتمع مدني، وأن مسؤولية المسلم هي أن يُسهم في ذلك المجتمع المدني، وهذا ينطوي على عدة عناصر، أولاً، يقبل كولن الرؤية التي تنظر إلى المصلحة المشتركة التي يمتلكها الجميع (فيتشيني 2007). ثانيًا، هذه الرؤية تعتبر خطوة قصيرة من منظور المصلحة العامة إلى منظور حقوق الإنسان. وكما يكتب كيليس (2007)، فكولن يستنبط قاعدة لحقوق الإنسان من القرآن. ثالثًا، هذه النظرة مقواة في فلسفة كولن التربوية، التي تركز على تطوير القيم والفضائل العالمية. وهنا تصبح التربية وسيلة محورية في تنمية المواطن. فالتربية والتعليم يجب أن يُؤسسا على العلم، والمهارات اللغوية، وجودة التربية، إذا أردنا أن نتمكن من تطوير الناس الذين سيتولون مناصب قيادية في عالم الاقتصاد وفي المجتمع. وعلى اعتبار هذا يمكن للإسلام أن يأخذ مكانه في عصر ما بعد الحداثة كمفتاح لتطوير المجمتع. وكما عبر عن ذلك أونال وويليامز (2000، 308)، “فالتربية عبر التعليم وبطريقة تأطيرية تأخذ أبعاد الحياة المتعددة، هي مسؤولية كبرى تتجلى في اسم الله الرب. وباستكمال جوانبها، فإننا نصل إلى مرتبة الإنسانية الحقيقية، ونصبح أعضاء مفيدين داخل المجتمع”. أما فيتشيني (2007، 441) فقد أشار إلى أنه من خلال التركيز على العمل، ومنه على الطبيعة العامة للاستجابية الإسلامية، فإن كولن يرى المسلمين كذلك كمواطنين قادرين على تقاسم المسؤولية، ومناقشة ممارستها، وعلى التركيز على الرؤى الكونية. وهذا يظهر جليًّا في اهتمامه بالقيم الكونية ومسؤولية المجتمع المشتركة. ومن ثم يستطيع كولن أن يركز على دار “الخدمة” مع المسلم كجزء من حوار خلَاَّق حول المجتمع (يلماز 2002). فمنطق المسلم عن المسؤولية تجاه المجتمع يتسع ليضم الاهتمام بالسلام وحتى بالديمقراطية.

الطابع‭ ‬الأخلاقي‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬نظرة‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬للوكالة‭ ‬والمسؤولية‭. ‬وهذا‭ ‬يتيح‭ ‬إنشاء‭ ‬المسؤولية‭ ‬الشخصية‭ ‬ومنه‭ ‬إنشاء‭ ‬أي‭ ‬نهج‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬المدنية‭.‬

وفي حوار له مؤخوذ من كيليس (2007، 701) يشير كولن إلى “أننا ندعم كذلك نهضة تسمح بمساءلة الدكتاتورية وتمكِّن من إنهاء الدكتاتوريين، وتعمل على إنشاء مجتمع ديمقراطي”.

الأمانة والمسؤولية الكونية

وكما لاحظت كارول (2007)، فالأمانة تقع في أساس نظرة كولن للمسؤولية، هذه الأمانة تتسع لتصل إلى مستوى المسؤولية الكونية. أما بالنسبة لآخرين أو في مشاريع أخرى. فالأمانة يمكن أن تُرَكّز فقط في أدوار معينة قد تخصصها أو تعممها. فمثلا يمكن تحميل المهندسين مسؤولية الأجيال المقبلة، الذين سيستعملون قناطرهم، أو سيتضررون من محطات طاقتهم النووية. لكن في فكر كولن المسؤولية تأخذ بعدًا كونيًا وهي متعلقة بكل شيء. فهو القائل عن بعض الشخصيات التركية: “إن مسؤوليتهم كبيرة، بحيث إن كل ما يحاولون توصيله إلى شخص ما لكي يفهمه أو يعيه ينقص من شعورهم بالاستعلاء. إن هذه المسؤولية مرتبطة بخلق الأحداث، وبالطبيعة وبالمجتمع، بالماضي والمستقبل، بالأموات والأحياء، بالصغار والكبار، بالقارئ والأمي، بالإدارة والأمن… بكل واحد وبكل شيء. وعليهم طبعًا أن يحسوا بألم هذه المسؤولية في قلوبهم وفي أعماق أرواحهم، بحيث إنهم يبحثون دائمًا عن حالة اليقظة. فهذا الألم وهذه المحنة التي تنتج عن الوعي بالمسؤولية، إن لم تكن دائمة، تعتبر في عداد العبادة، أو الدعاء المقبول، وهي بالتالي منبع طاقة لمشاريع بديلة مقبلة.” (كولن 2005، 95).

إن مفهوم المسؤولية مهم جدًّا في علم الأخلاق. هناك من يراه كمبدأ أساسي (تانر 1993). في حين يراه آخرون كفينش وماسون (1993) في قلب أخلاقيات اتخاذ القرار. أما بالنسبة لكولن تمثل المسؤولية نقطة محورية تلتقي فيها جميع تحركات الإنسان لكي يستجيب إلى الله عز وجل، ويفي بدوره كخليفة. وهذا ينتج لنا قاعدة تصورية غنية حول مفهوم المسؤولية نجملها في ثلاثة نقاط:

  • المسؤولية الكونية، وهي الأقرب في تصور كولن، بحيث يجعلها في قلب كل شيء، وهي مناطة بحب ووفاء لا مشروطين، وهما ما يجعلان من المسؤولية وعيًا ثابتًا، وكذلك من الانتباه والاستجابية لله تعالى وللآخرين.
  • المسؤولية كمساءلة أمام الله تعالى، وكأمانة لخلقه. فالإنسان الخليفة يُمنح هذه المسؤولية من الله تعالى. وهذا يؤسس لأخلاقيات خدمة لانهائية لله تعالى ومن ثم للآخرين.
  • المسؤولية كوكالة تضم التفكير العقلاني والنقد الذاتي. فالتركيز على تطوير العقلانية يتم جزئيًا باستكمال شروط دور الخليفة. وبدون فهم العقلانية العلمية لن يستطيع أحد استيعاب خلق الله تعالى. كما أن مقاييس النقد الذاتي هي كذلك أخلاقية، وليس أقلها الانتباه إلى بعض الفضائل كالتواضع.

وهنا طبعا يكون مركز الاهتمام هو الله تعالى ثم الإنسان ثانيًا. والمسؤولية في كل هذا تتطلب الاستجابة ثم العمل. مثل هذه المسؤولية مرتبطة بالهوية، وهي بالتالي تُؤجْرَأ على مستوى الواقع والممارسة، أي في بعض الأدوار المتعلقة بالتجارة مثلاً، أو في العمل التربوي والتعليمي، أو في المجتمع المدني. وفي قلب كل هذا يوجد الحوار الخلاق والنقدي.

وختامًا، يبقى الأستاذ كولن في كل هذا متشبثًا بالتقاليد، لكنه يعطينا رؤية عن المسؤولية تتجاوز بكثير الالتزام البسيط ببعض الرموز أو المبادئ الأخلاقية. فالمبادئ المحورية عنده كونية، وهي بالتالي تتطلب ممارسة الوكالة، والمساءلة، والأمانة المستمرة. المسؤولية إذن عند الأستاذ كولن كما “نيبور” تجد أساسها أولاً وآخرًا في علاقتها بالله تعالى.

الهوامش

(1) هذا إشارة إلى قوله تعالى: )وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً… ((البقرة:30).

(2) الكُلَّانِيَّة، هي الفكرة القائلة بأن الأنظمة الطبيعية (المادية والبيولوجية والكيميائية والاجتماعية والاقتصادية والعقلية واللغوية وما إلى ذلك) وسماتها، يجب أن ينظر إليها على أنها متكاملة، وليس على أنها مجموعة من الأجزاء. وغالبًا ما يشتمل ذلك على وجهة النظر بأن الأنظمة تعمل بشكل ما كأنظمة متكاملة، وأن وظائفها لا يمكن فهمها بشكل كامل بصفة مفردة فيما يتعلق بالمكونات المكونة لها. انظر ويكيبديا (المحرر).

المراجع

(1) ألكسندر، 2008 القدرات والعدالة الاجتماعية. ألدرشوت: أشجات.

(2) بومان، 1989 الحداثة والمحرقة. لندن.

(3) بونهوفر، 1995 الأخلاقيات. نيويورك: ماكميلان.

(4) كارول، 2007 حوار الحضارات. إسطنبول: معهد كولن.

(5) فريدمان، 1983 المسؤولية الاجتماعية للأعمال التجارية هي زيادة أرباحها. في دونالدسون. و ويهرن، (محرران) القضايا الأخلاقية في الأعمال التجارية. نيويورك: برينتس هول، 239-243.

(6) فينش، و ماسون، 1993 التفاوض حول مسؤوليات الأسرة. لندن: روتليدج.

(7) كولن، 1995 النبي محمد: جوانب حياته المجلد1. فيرفاكس: فوانتن.

(8) كولن، 1996 النبي محمد: جوانب حياته المجلد2 . فيرفاكس: فوانتن.

(9) كولن، 1999 المفاهيم الرئيسية في الممارسة الصوفية1 . فيرفاكس: فوانتن.

(10) كولن، 2000 أساسيات العقيدة الإسلامية. فيرفاكس: فوانتن.

(11) كولن، 2000 أسئلة وأجوبة حول الإيمان. فيرفاكس: فوانتن.

(12) كولن، 2004 نحو حضارة عالمية من الحب والتسامح. نيو جيرسي: لايت .

(13) كولن، 2004 لمحة موجزة عن الإسلام. فوانتن، 45، 4-6.

(14) كولن، 2005 صرح الروح. نيو جيرسي: لايت.

(15) جوناس، 1984 حتمية المسؤولية. شيكاغو؛ مطبعة جامعة شيكاغو.

(16) كيليس، 2007 تعزيز قيم حقوق الإنسان في العالم الإسلامي: نموذج حركة كولن. يلماز وآخرون (محررون) العالم الإسلامي يتحول. ليدز: جامعة ليدز متروبوليتان برس.

(17) محمد،. 2007 نظرية الأخلاقية عند فتح لله كولن وممارستها في جنوب إفريقيا. في يلماز وآخرون (محررون) العالم الإسلامي يتحول. ليدز: ليدز متروبوليتان جامعة أكسفورد، 552-571.

(18) نصر،. 2006 الوقوف أمام الله: مسؤوليات الإنسان وحقوق الإنسان. في شويكر، جونسون، ويونغ. (محرران) الإنسانية أمام الله. مينيابوليس: 209-237.

(19) نيبور،. 1963 الذات المسؤولة. نيويورك: هاربر ورو.

(20) نوفاك، 1990 الأخلاق، الرأسمالية والديمقراطية. لندن: وكالة الطاقة الدولية.

(21) روبنسون، 1992 خدمة المجتمع. نوتنغهام: غروف. روبنسون، 2001 باندهاش، معنى المعنوي و الاستشارة الرعوية. كارديف.

(22) روبنسون، 2007 الروحانيات والأخلاق والعناية. لندن: جيسيكا كينغسلي.

(23) روبنسون، 2008 هل يمكن أن تكون السوق أخلاقية؟ في ويترلي. وأوتور، (محررون). أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد. 187-212.

(24) شويكر، 1995 المسؤولية والأخلاقيات المسيحية. كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج.

(25) تانر، 1993 القضية اللاهوتية للمسؤولية الأخلاقية: الإنسان في الاختيار، مجلة الدين، 73، 592-612.

(26) تاوني، 1930 المساواة. لندن: ألين و أونوين.

(27) تايلور، 1989 مصادر الذات. كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج.

(28) توغسولو، 2007 نظرية كولن في الآداب والقيم الأخلاقية للحركة. في يلماز وآخرون (محررون) والعالم الإسلامي يتحول. ليدز: ليدز متروبوليتان جامعة أكسفورد، 445-458.

(29) فاهدات، 2002 الله والطاغوت: لقاء إيران مع الحداثة الفكرية. سيراكيوز: مطبعة جامعة سيراكيوز.

(30) فيتشيني، 2007 إعادة نظر كولن للنمط الإسلامي، والآثار الاجتماعية والسياسية. في يلماز وآخرون (محررون) العالم الإسلامي يتحول. ليدز: ليدز متروبوليتان جامعة أكسفورد، 430-444.

(31) فوغل،. 2006 قانون اليهودية الطبيعية؟ في سفر التكوين من أخلاقيات في هانس جوناس، ليو شتراوس، وليون كاس. في شويكر، جونسون، ويونغ. (محرران) الإنسانية أمام الله. مينيابوليس: 209-237.

(32) يلماز، 2002 ديناميكية التعددية القانونية في إنكلترا: تحدي مسلم ما بعد الحداثة. من القانوني إلى الحداثة القانونية. مجلة الدراسات العرقية والهجرة، سبنج، 28، 2.