تواجه عالمنا الإسلامي العديد من التحديات لعل من أخطرها ما يُسمّى بـ”العولمة”، تلك الفلسفة التي أبدعتها عقول الساسة الغربيين الساعين إلى إبراز هيمنة القطب الأوحد، وفرض الوصاية على العالم أجمع، سواء من الناحية الاقتصادية عن طريق هيمنة النظام الرأسمالي على أسواق العالم وطاقاته وخاماته، بما يملكه من أدوات اتصال وتكنولوجيا حديثة ومعلومات جعلت العالم كأنه قرية صغيرة، وما يستدعيه هذا التحكم من الهيمنة السياسية على النظام العالمي، ونشر الرؤية الثقافية لهذا القطب الأوحد؛ لأنه وحده الذي يملك أدوات المعرفة الحديثة، ويمتلك الاختراع ويتفوق فيه.

العولمة بين الرفض والقبول

تباينت الرؤى في عالمنا الإسلامي حيال العولمة، فبينما يرفض فريق العولمة ويعتبرها شرًّا محضًا، باعتبارها امتدادًا للاستعمار القديم، ونوعًا من أنواع القهر وفرض الهيمنة الغربية، والرؤية الغربية المادية، وخطرًا داهماً يهدد مجموعة من الثوابت العربية والإسلامية التي لا يجوز المساس بها بأي حال، يعتبرها البعض الآخر قدَرا لا مفر منه، واستنكروا التخوُّف من العولمة، والانغلاق على الموروث فقط، ونظروا إليها على أنها تدعو للتطور والرقي الإنساني، نظرًا لاشتمالها على أحدث ما وصل إليه العصر من أساليب الاتصال وتقنياته، ومن ثم ينبغي أن نفتح لها الأبواب والنوافذ، وأن نغتنم الفرصة للأخذ بمعطياتها لإفادة الأمة الإسلامية من ثمراتها.

 تفاعل كولن مع تحدِّي العولمة تفاعلا إيجابيًّا واستجاب له ببصيرة تُمكِّنه من الإفادة من معطيات العولمة وتوظيف آلياتها وقنواتها، واغتنام تقنياتها لتوصيل رسالة الإسلام للعالم حتى لا تبقى العولمة طريقًا ذا اتجاه واحدٍ.

كولن والعولمة

الحقيقة أن الرفض المطلق والقبول المطلق للعولمة يدل على سلبية مطلقة في تلقي هذا التحدي الحضاري المعاصر، ذلك أن الرافضين للعولمة آثروا العزلة في وقت تستحيل فيه العزلة، والمؤيدين رضوا بطمس هويتهم وشخصيتهم. أما الأستاذ فتح الله كولن فقد تفاعل مع هذا التحدِّي تفاعلا إيجابيًّا واستجاب له ببصيرة تُمكِّنه من الإفادة من معطيات العولمة وتوظيف آلياتها وقنواتها، واغتنام تقنياتها لتوصيل رسالة الإسلام للعالم حتى لا تبقى العولمة طريقًا ذا اتجاه واحدٍ.

ولهذا يقلل الأستاذ فتح الله كولن من مخاوف أولئك الذين يتحدثون عن مسألتَي الخصوصية الحضارية والعولمة، ومسألة الحريات الدينية قائلًا: “عندما نتحدث عن العولمة؛ فإن ذلك لا يعني توحيد إيمان الأمم وفكرها وعاداتها وتقاليدها ومفاهيمها، بل على العكس، إن ذلك يعني أن يستطيع الأفراد حماية أنفسهم وأفكارهم وإيمانهم، وأن تتعاون الأمم في ظل السلام لا النزاع”.

 وهو يرى أن العولمة لا تعني محو الأفراد أو الأمم لأنه “لا يمكن إلغاء الفوارق في المزاج والذوق والخصائص بين الأفراد. كما لا يمكن أبداً صهر النظرة إلى العالم والرؤى وأشكال الفكر والحياة ..، لذا على الأمة أن تبحث عن دينامياتها لتحافظ على موقعها في توازنات الدول”. ويؤكد كولن على أن الثقافة التي هي أساس الحضارة، لا بد فيها من مراعاة الخصوصية الذاتية، دون إهمال لمفهوم الحياة المعاصرة وما وصل إليه العالم من تطور، فيقول: “الثقافة تتشكل من إيمان محدد ورؤية عالمية ومفهوم حياة، ومن ديناميات الشخصية اللغوية والتاريخية، وإذا كان من تأثير للفوارق العِرقية، بمقدار الفوارق الجغرافية والطبيعية، فمن الممكن الحديث دائمًا عن خصوصية الأمة”.

إن الذين يرفضون العولمة كليًّا لا يمكنهم النجاة من غزوها، ولن تتحقق لهم الحماية والمناعة الحضارية، ولو أنهم صرفوا بعض جهودهم التي يبذلونها في الاستنكار والإدانة لاستيعاب المشكلات والظواهر المعاصرة، وأعدُّوا أنفسهم لكيفية التعامل معها، لتغيَّر الحال ولحققنا كسبًا لعقيدتنا وأمّتنا، يقول كولن: “يجب أن نتعرف على كيفية أن نكون صادقين مع أنفسنا ونحافظ على هذا الوضع، وذلك لا يعني الابتعاد عن الآخرين؛ وهو ما يعني الحفاظ على هويتنا الأساسية متميزة عن غيرها ونتبع طريقتنا من بين الطرق الأخرى، وبالرغم من أن وجود هويتنا الذاتية ضروري إلا أنه ينبغي لنا أن نجد طرقًا للتكامل العالميّ، فالعزلة عن العالم تؤدي في النهاية إلى الفناء”.

أحد أهم عوامل نجاح تجربة كولن في حسن قراءة العصر هو استثمار الأبعاد الإيجابية للعولمة والاستفادة من معطياتها التي تساند دعوات حقوق الإنسان وتعليمه وضمان حريته وغيرها من القيم الإنسانية الجامعة.

كولن يوظِّف العولمة لنشر قيم الإسلام

لقد استطاع كولن استثمار العولمة والاستفادة منها بدلا من أن يتخذ منها موقفًا سلبيًّا، وذلك من منطلق أن رؤيته الخاصة النابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية قادرة على فرض نفسها، ودافع تبعًا لذلك عن مبدأ الحدود المفتوحة كي تتم إعادة الاعتبار إلى الإسلام.

ومن هنا فقد نفث في قلوب وعقول تلاميذه ومحبيه ضرورة فتح مدارس تحمل تلك الرؤية الخاصة في آفاق الكون الرحب بما في ذلك أوروبا وأمريكا، وكذا افتتاح مؤسسات حوارية وإغاثية وطبية، مؤكدًا بذلك على أن أحد أهم عوامل نجاح تجربته في حسن قراءة العصر هو استثمار الأبعاد الإيجابية للعولمة والاستفادة من معطياتها التي تساند دعوات حقوق الإنسان وتعليمه وضمان حريته وغيرها من القيم الإنسانية الجامعة التي تصلح مدخلا للتواجد والتأثير على الساحة العالمية. “ومن ثم تنطلق جهود الحركة من تلك الثوابت الجامعة، ليس فقط بين المسلمين، ولكن أيضًا بين البشر ككل، وجعلت حركة الخدمة البحث عن المشترك مع الغرب مُقدّمًا على إعلاء المختلف حوله، ومع الانتباه إلى خطورة المادية الغربية؛ لم تبالغ الحركة في الهجوم عليها بل أبرزت احتياجها لروحانية الشرق المسلم، فالإنسانية كما يرى كولن في أمس الحاجة إلى الإسلام، ولكن الإسلام في أمس الحاجة لمن يمثله تمثيلا صحيحًا”[1].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) علاء شكر، حركة كولن التركية جهودها وأثرها في الدعوة إلى الله تعالى، رسالة دكتوراه كلية أصول الدين والدعوة بالمنوفية، جامعة الأزهر، صـ260.

About The Author

تخرج من جامعة الأزهر كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، حصل على دبلوم الأديان المقارنة، وماجستير فلسفة الأديان المقارنة عن أطروحة: "التجديد في الفكر الديني المعاصر في تركيا فتح الله كولن نموذجا"، ودكتوراه فلسفة ودراسات بحوث الديانات من جامعة الزقازيق بتقدير مرتبة الشرف الأولى، عن أطروحة: "حوار الدين والعلمانية في تركيا حزب العدالة والتنمية نموذجا"، عمل مدرسًا للعلوم الشرعية بالأزهر الشريف، وأستاذا للدراسات الإسلامية واللغة العربية للناطقين بغيرها بجامعة بدر الإسلامية بجمهورية ألبانيا، وجامعة فاتح بجمهورية تركيا، ومستشارًا أكاديميا لمشروع نسمات للدراسات الاجتماعية والحضارية.

Related Posts