على عاتقكم وظيفة هامة في هذه المحنة. إن تعرض لكم هؤلاء (السلطة التركية) بالأذى، وحرموكم من المعاملة الإنسانية، وحكموا عليكم بالنفي والعدم، وصنفوكم وفق النظام الطبقي ووضعوكم أسفل منهم بعشر درجات، تغاضوا عن ذلك. حافظوا على سلوككم الإنساني أمام شراستهم وحقدهم وحسدهم مهما بلغ. لقد مسّهم جنون، وأصابتهم هيستيريا، وغدوا عبيدا للدنيا، لا يفكرون إلا بامتلاك قصر بعد قصر، وأسطول تلو أسطول. أتخمتهم الدنيا، صاروا كالفِيَلة ضخامة. والفيلة إذا جُنّ جنونُها اقتحمت المدن ودهست من يعترضها. حافظوا على أدبكم الراقي مهما بلغ جنونهم. لا يمكن رتق الفتق الذي أحدثوه إلا إذا عملتم بمقولة يونس أمره “لا يد لنا إزاء من ضربنا، ولا لسان لنا إزاء من شتمنا، ولا نغضب من أحد”.

يقول تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ. أي قابلوا العقوبة بمثلها، لكن هؤلاء يمارسون “ظلما”، فإذا قابلتموهم بالمثل تكونون ظالمين مثلهم. وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ. هذا هو السلوك الإنساني الحقيقي، الأفق الإنساني الراقي. ولئن صبرتم، أي صبرا فعالا، وليس صبرا سلبيا. لئن صبرتم صبر الماء يرشح قطرة قطرة، وصبر الماء يتحول إلى شلال إن منعوه من التدفق، يتحول إلى شلال نياكرا أو نهر الأمازون. ولماذا الذهاب بعيدا؟ يتحول إلى نهر النيل والفرات ودجلة والدانوب. هذا هو الهدف: رتقُ الفتق الذي أحدثوه، تعمير القلوب التي هدموها، بإذن الله وعنايته.

فإن كانت هناك بقية من إنسانية في قلوبهم، فستهزم مقابلة إساءاتهم بالحسنة شياطينهم ونفوسهم الأمارة، وسيعلنون الاستسلام أمام ذلك السلوك بإذن الله تعالى