ملخص

تعد الفرقة إحدى المعضلات الرئيسة التي تعاني منها أمة المسلمين اليوم، وهي عند فتح الله كولن إحدى زوايا مثلث التخلف الحضاري الذي يضم أيضا “الجهل” و”الفقر”.

ولأن الأستاذ فتح الله كولن نذر نفسه لمحاربة هذا الثالوث فإن الكاتب قد سلط الضوء في هذا الدراسة على دور كولن في محاربة الفرقة بطريقة إيجابية من خلال إشاعة فقه الائتلاف، الذي يقوم على التحلي بآداب الحوار والخلاف، والامتناع عن ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، والتخطيط الكلّي والتدرج المرحلي، تركيز طاقة النقد على الذات وإعذار الآخرين، والتلطف والرحمة والحب.

المقال

 أقام الأستاذ فتح الله كولن  الائتلاف على عدد من الوسائل التي يمكن تجسيدها في الواقع العملي، وأهم هذه الوسائل:

1- التحلي بآداب الحوار والخلاف

لقَّن الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم -في حواره وتعامله مع المشركين- أن يقول لهم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾(سَبَأ:24-25). ففي الآية الأولى لم يدَّع أن المؤمنين على الهدى والمشركين على الضلال المبين، بل كل طرف يمكن أن يكون على الحق أو على الضلال من الناحية النظرية الافتراضية، حتى يستمر الحوار، ثم نلاحظ في الآية الأخرى أنه نسب الإجرام إلى المسلمين (أجرمنا)، بينما أطلق على سلوكيات المشركين أعمالاً (ولا نُسأل عما تعملون).

كولن لا يدعو إلى شيء إلا ويطبَّقه، بلغ بتواضعه حدَّ أن أَطلق على نفسه لقب “القطمير”، وهو اسم كلب أهل الكهف، وهذا من سيماء العلماء العاملين.

من هذه الأرضية جاء فتح الله كولن، إذ بسبب تدبره الراقي للقرآن حاول استيعاب حقائقه وقيمه وتنزيلها على الواقع، والبداية في هذا الصدد بإجادة استخدام اللغة وحسن توظيف الكلمة، بحيث تحقق الهدف دون استفزاز ودون زيادة أو نقصان.

ويمكن القول باطمئنان إن أهم أداة لتدريب الشباب على الحوار وآداب الخلاف هي التربية ولاسيما في المدارس، وهذا ما اهتم به فتح الله كولن وتلاميذه في تيار الخدمة.

ظل كولن في تربيته لتلاميذه يحليهم بآداب التعامل مع الآخرين، ومن ذلك: التسامح والبحث عن الأعذار، وعندما تكون المعصية من الكبائر المعلومة في الإسلام، فإن كولن يُعلم تلاميذه الامتعاض من الأفعال لا من الأشخاص، وهو بهذا يقتدي بالأنبياء والدعاة والمجددين والمصلحين الذين كان هذا ديدنهم، مثل لوط ــ عليه السلام ــ الذي سجل الله تعالى قوله لقومه المجرمين: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾(الشُّعَرَاء:168)، ومثل محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال له تعالى موجهًا ومُلقنًا: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾(الشُّعَرَاء:216). فالبراءة إذًا تكون من الأعمال لا من الأشخاص.

ويدعو كولن المؤمنين عامة وأهل الخدمة خاصة إلى التعامل الإنساني والأخلاقي مع المخالفين ومن أساء إليهم، حيث يقول: “لا يظهر كمال الإنسان ونضوجه إلا عندما لا ينحرف عن طريق الحق حتى بالنسبة للأشخاص الذين أساؤوا إليه، بل لا يتردد في إسداء الخير إليهم. أجل إن على الإنسان ألا ينحرف عن الإنصاف وعن المروءة حتى تجاه من رأى منه الإساءة والشر. ذلك لأن القيام بالإساءة تصرف حيواني، ومقابلة الإساءة بالإساءة نقص خطير في الإنسان. أما مقابلة الإساءة بالإحسان، ومقابلة الشر بالخير فعلامة من علامات السمو والشهامة”.

ولأننا في مقام الحديث عن الوسائل، فإن فتح الله كولن، قد نزل إلى الواقع العملي بتربية تلاميذه على هذه القيم، ولما نجحوا بدأ بدعوة كل الأطياف والمشارب والتيارات التركية للتقابل وجهًا لوجه، حيث دعاهم إلى موائد الطعام التي قدمها تيار الخدمة، وهناك كسر الحواجز بين هؤلاء المختلفين، وكأنه كان يضع لهم بين الطعام مادة تعينهم على مقابلة الآخر أولاً والاعتراف به ثانيًا ومحاورته بأدب ثالثًا، حيث تحولت “موائد الطعام” إلى “موائد للفكر” متجسدة في مؤسسة أوجدها كولن وهي: “وقف الصحفيين والكُتّاب” لدعم الفكر والثقافة، ومن رحم هذه الجمعية ولد منبر “أَبَنْت” كمؤسسة متخصصة في الحوار، وما هي إلا سنوات قليلة حتى أقام هذا المنبر عشرات المؤتمرات والندوات والحوارات واللقاءات في شتى الموضوعات ومختلف القضايا، داخل تركيا وخارجها، ليصل الأمر إلى حوار الحضارات والأديان والثقافات، وتوج ذلك كله بمقابلة فتح الله كولن نفسه للبابا في الفاتيكان وهو زعيم المسيحيين الكاثوليك في العالم.

2- الامتناع عن ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة

إنَّ زَعْم كثير من الشخصيات والجماعات امتلاكها للحقيقة المطلقة، هو سبب تسفيهها للآخرين، ومن ثم الوصول إلى حالة من الصراع والصراع الآخر، وبروز ظاهرة التشرذم والانقسام الخلوي، سواء كان هذا الادعاء بلسان المقال أو بلسان الحال.

ولهذا ظل كولن ينتقد هذه الظاهرة، ويُحذر من الوقوع فيها، ويبين الحلول لها والمخارج منها. ولأتباعه منهج التلطّف في كل شيء، فإنه حتى في هذه الحالة يبين أن الإنسان بروحه وعقله قادر على أن يدرك الحقيقة بفطرته: “ولكن العوائق من أمثال الكبرياء وتجاوز الحد والخطأ في زاوية النظر تمنع رؤية الهدف بشكل واضح. وحتى لو بلغ الإنسان ذروة العلم فلن يستطيع الخلاص من القرارات الخاطئة ما لم يستطع الخلاص من هذه العوائق”.

وكمداخل للوصول إلى إدراك هذا الأمر بوضوح، حث المسلمين على التحلي بجملة من القيم، أهمها: الإنصاف والموضوعية، وكذا: القراءة، والشورى، والتواضع.

بالنسبة للقراءة هو دائم الحث عليها، دائب الترغيب بها، فالقراءة تُوسِّع مدارك العقل ومساحات الوعي، وتُساهم في توسيع دائرة رؤية الإنسان، فيدرك أن ما يجهله في هذه المساحات الواسعة أضعاف ما يعلمه، فيتبين له مدى ضآلته، ومن ثم يكون أكثر تواضعًا.

وما زال كولن يشيد بالتواضع ويثني على المتواضعين، ليس بصورة وعظية بسيطة بل بفكر عميق، فهو يقول -مثلاً-: “التواضع علامة على نضج وعلى فضيلة الشخص. والكبرياء علامة نقصه وانخفاض مستواه. أكمل الأشخاص هم الذين يتعارفون مع الناس ويمتزجون ويؤسسون علاقات المودة بينهم. وأنقص الأشخاص هم الذين يكرهون مخالطة الناس ويستنكفون من ذلك، لأن ذلك لا يتلاءم مع غرورهم وكبريائهم”.

ولما كان لا يدعو إلى شيء إلا وقد طبَّقه، فقد بلغ بتواضعه حدَّ أن أَطلق على نفسه لقب “القطمير”، وهو اسم كلب أهل الكهف، وهذا ليس من التواضع المصطنع، فهو عندما يتعلق الأمر بطلب ما عند الله صاحب الجلال والكمال، وصاحب القدرة المطلقة، فإنه لا يرى نفسه إلا كذلك، وهذا من سيماء العلماء العاملين، ولهذا كلما صغر هؤلاء في عيون أنفسهم أكثر ازدادوا عظمة عند الله وعند الناس، وبسبب إنكار كولن لذاته، كبر عند الناس حتى وصل إلى قمّة هرمهم.

وبسبب عدم قدرة الإنسان على رؤية الحقيقة كاملة من كل أوجهها بسبب قصور مداركه وتواضع ملكاته، فلا بد من مشاورة الآخرين حتى تتلاقح الأفكار وتتكامل الصورة، وتظهر الحقيقة كما هي.

ولهذا أكثر كولن من الحديث عن الشورى، تنويهًا بأهمّيتها، وتوضيحًا لجمعها بين الثوابت والمتغيرات، وتبيينًا لأسسها ونتائجها، وإبرازًا لمجالاتها.

حث كولن على البحث للآخرين عن أعذار، وظل شعاره في هذا الشأن مقولته الذهبية الرائعة: “على الإنسان أن يتصرف تجاه أخطائه كمدّعي عام، وتجاه أخطاء الآخرين كمحامي دفّاع”.

ومن العبارات الجميلة التي تجسد أهمية الشورى بعبارات قصيرة، قوله: “الشورى طريق مهمة لإكساب العقل المحدود والتفكير المحدود شمولية غير محدودة”، “ليست هناك دولة غنية كالمشورة ولا هناك جيش قوي يضاهيها”، “أفضل إكسير لإزالة صدأ الأفكار هو المشورة”، “إن كان عقلان أفضل من عقل واحد، فمِن باب أولى أن تكون مئات العقول أفضل من عقل واحد. واسم وعنوان اجتماع هذه المئات من العقول هو المشورة”.

3- التخطيط الكلّي والتدرج المرحلي

دعا كولن المؤمن أن يخطط على الدوام ويبرمج كيف يضرب بحجر واحد مئات العصافير، مثلما نرى في العديد من الإجراءات الربانية. “فكما نحصل من بذرة واحدة نبذرها في الحقل على سبع أو سبعين أو سبعمائة من البذور، علينا أن نخطط في كل خدمة نريد تحقيقها في سبيل الإيمان وفي سبيل الملة للحصول على سبع أو سبعين أو سبعمائة ضعف”.

كما حضَّ على التخطيط الذي يتضح فيه الهدف تمامًا حتى لا تتعدد الأهداف أثناء العمل، ويظهر الاضطراب والفوضى، وحتى لا تتحول الوسائل إلى أغلال تقيد الإنسان وتربطه بها.

وبجانب ذلك، فإن التخطيط يجعل الحركة ذاتية لا مجرد ردود أفعال، وفاعلة لا منفعلة، وما لم يتم التخطيط “فسندخل في تأثير الدوامات الفكرية والبرنامجية لأمواج هجمات الآخرين وأعمالهم الحركية، ونضطر إلى تمثل فصول حركاتهم”.

ومن التخطيط: التدقيق في الأمور، ونجد فتح الله كولن في مواضع عدة يؤكد على ذلك، ويحث تلاميذه -كما أسلفنا- على أن يصل تدقيقهم إلى حد تشطير الشعرة أربعين شطرًا.

والتخطيط يقتضي التدقيق في قراءة الواقع، بحيث تكون الخطة موصلة لتحقيق الهدف، بدون تعجل قطف الثمرة قبل نضجها، أو التأخر حتى يقطفها الآخرون أو تذوي وتذبل.

ويُعبر عن هذه الحقيقة بأسلوب مقارب جميل: فيقول: “وربما يستمر المشي في السبات والتكلم في النوم، فيلزم أن نصبر ونحتمل سنين، علمها عند الله. نعم، سنصبر، لأننا نعي ونستشعر الحاجة إلى سنين قد تطول من الانتظار الحي في الأعماق المرجانية، ومن الحركة المؤثرة والمنظمة في حضانة البيوض، حتى يتعافى سائر البدن المتضعضع، ويستجمع قدرته ليقتدر على تصفية حسابه مع العصر”.

وكمثال عملي على أمر أراد فعله كولن، لكن الظروف غير مواتية كما أخبره تلاميذه، ما أشار إليه عندما تحدث عن صفات وارثي الأرض، فعندما وصل إلى الوصف الثامن وهو الفكر الفني، اكتفى بالعنوان، ولم يتحدث عن المضمون، بسبب أن بعض الأوساط ليست على استعداد لتقبُّل ذلك بعد.

4- تركيز طاقة النقد على الذات وإعذار الآخرين

فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾(الشُّورَى:30)، أوضح منهج القرآن في اتهام الذات، ومما قاله بهذا الصدد: “والحقيقة أن معرفة الإنسان بأن المصائب التي تصيبه هي نتيجة أعماله وما اقترفت يداه هي من أمر القرآن. وأي تفكير مخالف لهذا يسوق الإنسان إلى التفتيش عن متهم ومذنب خارجي. ومثل هذا الإنسان لن يجد مثل هذا المذنب، ولا يتخلص عن إثم سوء الظن، أجل! يعطينا القرآن مقياسًا في البحث عن المذنب: المذنب ليس شخصًا آخر، بل هو أنفسنا”.

وما يعرف بالنقد الذاتي في هذا العصر، هو ما يعرف في التراث الإسلامي بـ”المحاسبة”، وقد تحدث عنها كولن بأسلوبه العملي الأخّاذ، ومما قاله في هذا الشأن: “إن تقييم الفرد لوضعه الحالي وتهيئه للمستقبل، وتلافيه الأخطاء التي ارتكبها في الماضي وتطهره منها لدى الحق تعالى، واكتشافه لقيمته الحقيقية بتفقّده لنفسه في أمسه ويومه وغده، والأهم من هذا تجديد عالمه الداخلي باستمرار، من حيث علاقته بالله تعالى، لا يكون إلا بعد محاسبته لنفسه محاسبة دقيقة صارمة”.

وبسبب أهمية العوامل الداخلية في النجاح أو الخسارة، وبسبب دور صلاح الذات في إصلاح الآخرين، فقد أكد ببلاغته الرائعة وتصويره “الكاريكاتوري” على أهمّية العوامل الداخلية وضرورة مراقبتها ومحاسبتها، فقال: “وما من سبب يدعونا إلى البحث عن عدونا في الخارج؛ لأن عدونا في داخلنا.. جالسٌ في قصره، واضع إحدى ساقيه فوق الأخرى، يتطلع من الشُّباك على ضَياعنا، ويضحك ضحكًا مكتومًا”.

وبهذا تنصرف طاقة النقد الموجودة في الإنسان إلى إصلاح ذاته: مراقبة ومحاسبة، تقييمًا وتقويمًا، فينشغل عن الآخرين: اتهامًا وقذفًا، سبًّا وشتمًا، تسفيهًا وتجريحًا، تفسيقًا وتبديعًا، ومن ثم يحنو عليهم، ويبحث لهم عن أعذار، وهذا مدعاة لتآلف القلوب وتراصّ الصفوف.

ولهذا فقد حث كولن على البحث للآخرين عن أعذار، وظل شعاره في هذا الشأن مقولته الذهبية الرائعة: “على الإنسان أن يتصرف تجاه أخطائه كمدّعي عام، وتجاه أخطاء الآخرين كمحامي دفّاع”.

5- التلطف والرحمة والحب

لقد انطلق كولن من قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ (الْكَهْف:19) ليكون لهذا التلطف تجليات إيجابية كثيرة على جوانب الدعوة والحركة، سواء من جهة التخفي والهمس، أو من جهة اتخاذ الوسائل اللطيفة والهادئة والمرنة وغير المستفزة للناس، وهذا واجب حتى في الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس.

وأورد في مقام آخر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾(الْمَائِدَة:54)، وتأمَّلَ فيها طويلاً ليؤصِّل لمنهج التلطف والرحمة والهوادة واللين، ومما قاله في تنزيله لهذه الآية على هذا العصر: “فإن المطلوب ليس إلا التصرف برحمة وشفقة نحو المؤمنين بل بأسلوب أكثر لينًا وتواضعًا، أي أذلة على المؤمنين، لا يقابل الشتم منهم إلا بالسكوت، ولا يقابل عدوانهم إلا بالصبر، أي يضع رأسه تحت أقدام المؤمنين”.

وظل يُعلِّم تلاميذه بأن الرحمة تذيب جليد الحقد، ويوصيهم بأن يتنفسوا محبة، ويحثهم على اللين والهوادة؛ حيث يقول على سبيل المثال: “الطبع اللين والكلمة الطيبة هما مفتاح القلوب”. ويقول: “اصفح عندما تكون قادرًا على العقاب، وبذلك يكون لصفحك قيمة”.

ولا يكفي لصاحب الخدمة أن يصفح، بل لا بد أن يذهب إلى أبعد من ذلك، مُرتقيًا إلى القمة السامقة التي لا يستطيع الوصول إليها إلا القليل من الناس، من الذين راغموا أنفسهم، وزكوها بالعلم والإخلاص، ووفق محاسبات ومجاهدات طويلة، وهو الحب إذ يقول: “إن رجل الفكر بطلٌ للحب قبل كل شيء، فهو يحب الله حبًّا كحب مجنون، فيحس في ظل أجنحة الحب هذا بوشائج وثيقة تربطه مع الكائنات، فيحضن بشفقة كلَّ إنسان، وكل شيء.. ويضم إلى صدره إنسان الوطن بحب يبلغ حد العشق.. ويداعب ويشم الأطفال كبراعم للمستقبل.. وينفث في الشباب الاستحالة إلى إنسان مثالي، إذ يباريهم في بلوغ المقاصد السامية – ويشرف الشيب بأخلص التوقير والاحترام.. ويفتح سبيلاً للحوار مع الجميع.. ويتقارب بين شرائح المجتمع المختلفة بمد جسور مبتكرة فوق المهاوي السحيقة الفاصلة بينها، ويضطرم حرًّا من أجل الملائمة التامة بين الشرائح المتوافقة نسبيًّا”.

وبهذه الوسائل التي أصبحت جزءًا من أسلحة تيار الخدمة في الجهاد المدني والدعوة السلمية المعتمدة على القدوة الحسنة والدعوة العملية، نجح فتح الله كولن بإيجاد ما يمكن تسميته بـ”فقه الائتلاف”، في زمن تفرق فيه المسلمون حتى صاروا مضرب المثل في ذلك.

 

المصدر: من كتاب “عبقرية فتح الله كولن”