في الوقت الذي كانت قناة الجزيرة القطرية تحرص على بث بيانات بن لادن والظواهري، وتستضيف على شاشاتها المحللين والعسكريين الإسرائيليين بحجة الرأي والرأي الآخر تغاضت تماما عن إذاعة بيانات أو تصريحات للأستاذ فتح الله كولن إبان الأزمة، وخاصة بعد اتهام أردوغان له بالوقوف وراء انقلاب يوليو/تموز الفاشل، وراحت تتبنى الرؤية الأردوغانية في تحيز سافر غير مسبوق. كما حذفت قناة العربية من على موقعها لقاء خاصا انفردت به عن سائر القنوات العربية مع الأستاذ كولن بعدما أذاعته بساعات قليلة وبعدما حقق مئات الآلاف من المشاهدات، بحجة أنها تعرضت لضغوطات من المشاهدين اضطرتها لذلك.

وفي تركيا باتت كل وسائل الإعلام التي تعبر عن رأي الأستاذ كولن مغلقة، وصار مسئولوها إما في السجون أو مطاردين. وفي برامج التوك شوز التركية الطويلة جدا التي تمتد لساعات حتى بعد منتصف الليل كانوا يستضيفون كل من هب ودب للنيل من الأستاذ والخدمة، وإذا عرضوا مقطعا من فيديوهاته المصورة يضيفون مؤثرات صوتية في خلفية الحديث مخيفة لخلق صورة ذهنية سلبية في أذهان الشعب، واغتيال شخصية الرجل المعنوية فضلا عن تشويه صورته داخل مقطع الفيديو.

كل من يتحدث من أبناء الخدمة ينفي أن يكون في حديثه معبرا عن الأستاذ أو الخدمة، ولذلك فالمعبر الرسمي والوحيد عن الخدمة والأستاذ كولن هو الأستاذ كولن نفسه.

والحقيقة أن الأستاذ فتح الله كولن منذ العام 2012 وهو دائما ما يوجه حديثه للناس بشكل مباشر وليس عبر وسطاء، إذ ليس له متحدث رسمي يعبر عنه حتى لا يفهم الناس كلامه خطأ. وكل من يتحدث من أبناء الخدمة ينفي أن يكون في حديثه معبرا عن الأستاذ أو الخدمة، ولذلك فالمعبر الرسمي والوحيد عن الخدمة والأستاذ كولن هو الأستاذ كولن نفسه.

من أجل ذلك كله فإن الذين يريدون معرفة آراء الخدمة والأستاذ كولن التي عبر بها عن فصول الأزمة وما قبلها فعليهم أن يعودوا إلى حديث الأستاذ شخصيا دون الالتفات إلى أي حديث آخر؛ ومن هنا فقد قام فريق البحث في هذه الدراسة ببيان المصادر التي اعتمد عليها لاستجلاء آراء الأستاذ كولن تجاه كل الأحداث التي واكبت هذه الأزمة. ومن الجدير بالقول أن مسح خطابات الأستاذ ومواعظه وحواراته وتصريحاته الصحفية التي قام بها فريق الدراسة قد  اقتصر على الفترة التي نشبت فيها أزمة الخدمة مع الحكومة وتحديدا من العام 2013 حتى الآن.

ولكن قبل أن نشرع في بيان هذه المصادر نود أن نضع بين أيديكم الملاحظات التالية:

  • الأستاذ فتح الله كولن ليس شخصية سرية، وإنما هو من أشهر الشخصيات في تركيا والعالم، ولذلك فحياته وسيرته الذاتية ولقاءاته مع فئات الشعب المختلفة من سياسيين ورياضيين وإعلاميين ورجال دين وحتى فنانين، وكذلك مواعظه وخطبه ودروسه وحواراته الإعلامية.. وكتبه وكتاباته في الصحف والمجلات المختلفة متاحة للرأي العام، يحرص الجميع على متابعتها، سواء كان من مؤيديه ومحبيه أم من غيرهم.
  • اختار الأستاذ كولن أن يعيش عزبا بلا زوجة ولا أولاد، ولذلك فهو دائما ما يقيم في مؤسسة من مؤسسات الخدمة؛ يُخصص له فيها طابقٌ يعيش فيه هو ومجموعة من طلابه الذين يتدارسون معه كتب التراث. كما يرافقه في مقر إقامته هذا طبيبه الخاص، حيث يعاني الأستاذ كولن من بعض أمراض القلب والضغط والسكري؛ تضطره إلى استشارة طبيب مقيم بشكل دوري. هذا فضلا عن طاقم الطهي والتنظيف والإدارة الذين يشرفون على هذا المكان. ومن ثم فلم يكن للأستاذ حياة خاصة على الإطلاق، وكل ما يقوم به من نشاطات يتابعها هؤلاء المرافقون ويشتركون في بعض فعالياتها.
  • الأمر عينه في مقر إقامته في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، فهو يقيم في مؤسسة من مؤسسات الوقف التابعة للخدمة يدفع نفقاته الشخصية فيها من ريع كتبه، ويرافقه فيها مجموعة من الطلاب الذين يتدارس معهم كتب التراث العربي والإسلامي، بالإضافة إلى طاقم الإدارة والعمال.
  • بعد ذهابه إلى الولايات المتحدة عام 1999م كانت مواعظ الأستاذ كولن ودروسه تسجل صوتيا ثم تحولت عام 2003م إلى فيديوهات مرئية بعد إلحاح من طلابه ومحبيه.
  • كانت هذه الدروس والمواعظ مرتين في الأسبوع، أحدهما كان يبث مرئيا باسم بامتلي (الوتر الحساس) والآخر مكتوبا باسم كرك تستي (الجرة المشروخة) عبر موقع خاص بالأستاذ بعنوان: org.
  • واعتبارا من العام 2012 م سمح الأستاذ كولن لتلامذته ببث يومياته الخاصة مع الطلاب في معتكفه ببنسلفانيا مسموعة ومرئية باسم هركول نغمه (نغمة هركول)؛ تتعلق بحديثه قبل الإفطار وأثناء تدريسه للطلاب وحديثه عقب الصلوات وخطب الجمعة والعيدين وفعالياته المختلفة في المناسبات المتنوعة. ولم تكن هذه الفعاليات تقتصر على أحاديثه الدينية والعلمية فحسب بل كانت تشمل أيضا الفعاليات الاجتماعية كتعييده على أبناء طلبته، وذبحه للأضاحي وأوقات الدعاء والذكر والأوراد إلى غير ذلك من فعاليات.

الأستاذ فتح الله كولن ليس شخصية سرية، وإنما هو من أشهر الشخصيات في تركيا والعالم. مواعظه وخطبه ودروسه وحواراته الإعلامية وكتبه وكتاباته في الصحف والمجلات المختلفة متاحة للرأي العام

وبعد هذه الملاحظات التي أوردناها فإن فريق البحث قد استفاد من كل ما سبق باعتباره مصادر للدراسة، وبالتالي فإننا نستطيع أن نجمل هذه المصادر فيما يلي:

  1. بامتلي (الوتر الحساس) وهي الدروس المصورة التي تنشر على موقع الأستاذ الخاص أسبوعيا.
  2. كرك تستي (الجرة المشروخة) وهي الدروس المفرغة كتابيا التي تنشر على موقع الأستاذ الخاص أسبوعيا.
  3. هركول نغمه (نغمة هركول) وهي أقوال الأستاذ وأحاديثه خارج إطار الدروس والمواعظ الخاصة التي أشرنا إليها فيما سبق.
  4. الحوارات الإعلامية التي أجراها صحفيون وقنوات تلفزيونية محلية تركية أو عالمية مع الأستاذ كولن، تتعلق بهذه الأزمة على وجه التحديد.
  5. البيانات الصحفية في الصحف والمجلات العالمية تعقيبا على أي حدث مهم سواء كان توضيحا لموقف أو تنديدا بإرهاب أو أي عمل عدواني.

ومما يجدر ذكره هنا أننا حرصنا على أن تكون المصادر شاملة؛ تشمل الدروس التي يُعدّ الأستاذ كولن نفسه لها سلفا، مثل درسي بامتلي (الوتر الحساس) و كرك تستي (الجرة المشروخة)، وكذلك الأحاديث الارتجالية التي عبرنا عنها في هركول نغمه (نغمة هركول). كما شملت المصادر أيضا أحاديثه الروحية والقلبية الخاصة إلى محبيه ومؤيديه كما في المصادر السابقة، وكذلك أحاديثه شبه الرسمية التي غالبا ما يوجه فيها رسائله إلى الرأي العام المحلي والعالمي، ورجال الدولة من المسئولين في الداخل والخارج.

وسوف نتابع في الحلقة القادمة من هذه السلسلة بيان خطة العمل والطريقة التي سوف نتناول بها هذه المصادر بالتحليل والدراسة.