الملخص:

هل يمكن التوفيق بين الإسلام والديمقراطية؟ هل يمكن أيضًا للمسلم أن يكون ديمقراطيًّا؟ هل يمكن للمسلمين أداء الشعائر الدينية بشكل كامل في ظل النظام الديمقراطي؟ ما نوع النظام الذي يتصوره الإسلام؟ هل نظام الحكم الديني موجود في الإسلام؟ ما المقصود بـ “النظام الإسلامي”؟ هذه الأسئلة وأسئلة عديدة أخرى عن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية طرحت على الأستاذ كولن في حوارات ولقاءات إعلامية متعددة، تابعها الكاتب الصحفي فاروق مرجان واستخرج منها موقف الأستاذ كولن من الديمقراطية ورؤيته حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، التي أكد فيها على عدة رسائل قوية لتركيا والعالم أجمع منها:

– لا بديل عن الديمقراطية.

– إدارة الدولة خلال فترة الخلفاء الراشدين كانت إدارة جمهورية.

– من يدّعون أن “الدين والديمقراطية لا يمكن التوفيق بينهما” مخطئون.

– يعامل المؤمنون الذين يمارسون شعائرهم الدينية وكأنهم لا يستحقون التمتع بعُشر الحقوق الديمقراطية التي يتمتع بها الملحدون.

المقال:

لا يتصور الإسلام إقامة دولة ثيوقراطية (تقوم على نظام الحكم الديني)، ولا يفرض نوعًا محددًا من الحكومة على الدولة؛ وتعد هذه هي إحدى القضايا الرئيسية التي يُعتبر الإسلاميون الأصوليون مخطئين بشأنها.

لقد أبدى كولن، بصفته عالمًا مسلمًا، اهتمامًا كبيرًا وجديًا بهذا الخطأ الجسيم في التفسير والحكم؛ وهذا هو السبب الذي يجعل كولن دائمًا هدفًا للإسلاميين الأصوليين.

يرى كولن أن النظام الجمهوري بالنسبة له هو النظام الذي يتوافق وينسجم مع الإسلام في جوهره، وأن الإسلام لا يتعارض بأي حال مع الديمقراطية؛ ويعتقد كولن أن الديمقراطية والنظام الجمهوري هما أفضل أشكال الحكم ويضمنان أنسب وضع مؤسسي للمسلمين لممارسة شعائرهم الدينية وصون عقيدتهم. كما لا تتعارض المبادئ العامة للإسلام مع الديمقراطية ولا مع ما يقره الإسلام بشأن الإدارة الشرعية.

يعتبر الإسلام أن الفرد هو العنصر الأساسي فيه، وبالتالي فإن تجربة إيمان المرء وعقيدته هي على رأس أولويات الإسلام؛ وتتعلق الغالبية العظمى من التعاليم القرآنية بممارسات الشخص المسلم للإسلام. كما لا يوجد شكل قاطع من أشكال الحكم منصوص عليه ومحدد بدقة، ويتم تحديد أنواع الإدارة والحكم وفقًا للاحتياجات والمتطلبات التي تفرضها ظروف الوقت والزمان. تكشف التجربة الإنسانية في الوقت الحالي عن الحكومات الديمقراطية والجمهورية باعتبارها أنسب الإدارات في عصرنا هذا.

يَعتبر الإسلاميون الأصوليون أن القرآن الكريم هو دستور المسلمين، وهم يرفضون الأنظمة القانونية الحديثة؛ أما بالنسبة لكولن فإن القرآن الكريم هو دليل ومرشد يعلمنا كيفية ممارسة الشعائر الدينية بالطريقة الأمثل. وبالتالي، فإن الإسلام والمسلمين ليس لديهم أي مشاكل مع الدساتير الحديثة، طالما أنها دساتير ديمقراطية وتكفل حرية المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية.

من المؤلم أن نرى في العالم الإسلامي -وخاصة في بلدي تركيا- أفرادًا يتحدثون عن الإسلام والديمقراطية ويزعمون أنهم ينطقون ويتحدثون باسم الدين قد وصلوا إلى فهم يفيد بأن الإسلام والديمقراطية لا يمكن التوفيق بينهما.

رسائل قوية عن الديمقراطية في خطاب كولن

دعونا نتذكر خطاب فتح الله كولن في 29 يونيو/حزيران 1994، في فندق ديديمان بإسطنبول أثناء الاحتفال بإنشاء جمعية الصحفيين والكُتاب؛ حيث قدم كولن في خطابه في تلك الليلة أربع رسائل قوية لتركيا والعالم أجمع وهي:

1- لا بديل عن الديمقراطية.

2- يعامل المؤمنون الذين يمارسون شعائرهم الدينية وكأنهم لا يستحقون التمتع بعُشر الحقوق الديمقراطية التي يتمتع بها الملحدون.

3- يمكن أن يُطلق على إدارة الدولة خلال فترة الخلفاء الراشدين أنها إدارة جمهورية.

4.- من يدّعون أن “الدين والديمقراطية لا يمكن التوفيق بينهما” مخطئون.

وقد تم تخصيص طبعة شهر يوليو 2005 من مجلة العالم الإسلامي التي نشرت في الولايات المتحدة الأمريكية كإصدار خاص يتناول على وجه التحديد أفكار فتح الله كولن وحركة الخدمة؛ وقد تضمن هذا العدد من المجلة تفاصيل مقابلة شخصية مطولة أجريت مع فتح الله كولن من قبل البروفيسور زكي ساريتوبراك والمؤلف على أونال.

وقد سُئل كولن: هل يمكن التوفيق بين الإسلام والديمقراطية؟ وكيف ترى عدم إقامة حكم ديمقراطي في العديد من دول العالم الإسلامي؟ وهل ترى أن عدم وجود الديمقراطية يُمثل عجزًا بالنسبة للدول الإسلامية؟ وقد أجاب كولن باستفاضة على هذه الأسئلة؛ وفيما يلي مقتطفات منها:

“نعم، من المؤلم أن نرى في العالم الإسلامي -وخاصة في بلدي تركيا- أفرادًا يتحدثون عن الإسلام والديمقراطية ويزعمون أنهم ينطقون ويتحدثون باسم الدين قد وصلوا إلى فهم يفيد بأن الإسلام والديمقراطية لا يمكن التوفيق بينهما. ويمتد هذا التصور بعدم التوافق المتبادل بين الإسلام والديمقراطية ليشمل الشعوب المطالبة بالديمقراطية أيضًا؛ وتستند الحجة المقدمة على فكرة أن الدين الإسلامي قائم على حكم الله في حين أن الديمقراطية قائمة على رأي الإنسان ومنظوره، وبهذا فهما متعارضان. وهكذا أضحت الديمقراطية ضحية لمثل هذه المقارنة السطحية بين الإسلام والديمقراطية.

لا يُقصد بعبارة “السيادة ملك للأمة دون قيد أو شرط”، أن السيادة قد أخذت من الله عز وجل ومنحت للبشر. بل على العكس من ذلك تعني هذه العبارة أن السيادة منحها الله تعالى للبشر؛ ويعني ذلك أن السيادة قد سُلبت من البغاة الظالمين والديكتاتوريين ومنحت لأفراد المجتمع. وإلى حد ما، فإن عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم في الإسلام يوضح تطبيق هذا الطابع الديمقراطي المتعلق بالديمقراطية.

“فمن الناحية الكونية، ليس هناك أدني شك في أن الله تعالى هو صاحب السيادة على الكون برمته؛ حيث تخضع خططنا وأفكارنا دائمًا لحكم وقدرة القوي القهار سبحانه وتعالى. ومع ذلك، لا يعني هذا أننا لا نتمتع ولا نمتلك أي إرادة أو رغبة أو اختيار؛ فالبشر أحرار في اختياراتهم وفي حياتهم الشخصية، كما أنهم يتمتعون بحرية الاختيار فيما يتعلق بتصرفاتهم الاجتماعية والسياسية. وقد يقوم البعض بإجراء أنواع مختلفة من الانتخابات لاختيار المشرعين والمديرين التنفيذيين، وليس هناك طريقة واحدة لإجراء الاختيار أو الانتخاب؛ فهذا خاضع لرؤيتنا، فقد كان هذا الاعتقاد صحيحًا حتى في عصر النبوة، وقت حياة النبي ﷺ، وخلال زمن الخلفاء الراشدين الأربعة. كان اختيار الخليفة الأول أبو بكر الصديق مختلفًا عن اختيار الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ومختلفًا عن اختيار الخليفة الثالث عثمان بن عفان ومختلفًا عن اختيار الخليفة الرابع على بن أبي طالب (رضوان الله عليهم جميعا). ولا يعرف الطريقة الصحيحة للاختيار والانتخاب سوى الله تعالى”.

يمكن أن يقول البعض إن التعصب قد ظهر في البلاد بعد فترة معينة؛ ولكن كما كان هناك أفراد شاركوا في التعصب الديني، كان هناك أيضًا أفراد شاركوا في أعمال التعصب ضد الدين.

الإسلام يفضي إلى الديمقراطية

بعد مرور سبع سنوات من تاريخ هذه المقابلة، أجري الصحفي الألماني راينر هيرمان، مؤلف كتاب “تركيا بين الدولة الدينية والدولة المدنية… الصراع الثقافي في تركيا”، مقابلة مع كولن. وقد نُشر جزء من هذه المقابلة في صحيفة فرانكفورت العامة اليومية بتاريخ 6 ديسمبر/كانون الأول 2012. وكان السؤال التالي أحد الأسئلة التي طرحها راينر هيرمان على كولن: “هل الإنجازات الأساسية مثل الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان هي فقط أشياء ابتكرها الغرب أم هل يمكن قبولها باعتبارها قيمًا عالمية وتطبيقها في المجتمعات الإسلامية؟”

في رده على هذا السؤال، أشار كولن إلى مفهوم “الديمقراطية الدينية”: “لقد حدث تقدم كبير في مسائل مثل الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان في وقتنا هذا؛ ولكن لا تعتبر أي من هذه القيم قد ظهرت في الغرب وفي العصر الحديث فقط. ونرى أن الديمقراطية خلال عملية نموها وتطورها يكون لها العديد من الاستخدامات المختلفة وأنها قد خضعت لكثير من التعديل والتنقيح. وبعبارة أخرى، فغالبًا فيما مضى كما هو الحال في عصرنا هذا، يتم إضافة صفات مثل الاجتماعية والليبرالية والمسيحية أو الأصولية قبل مصطلح الديمقراطية (وفقًا للغة الإنجليزية كبادئة)؛ وفي بعض الحالات قد لا تعتبر واحدة من هذه الأشكال من الديمقراطية الأنواع الأخرى شكلاً من أشكال الديمقراطية.

“إن مبادئ وشكل الحكومة التي تُشكل أساس الديمقراطية متوافقة مع القيم الإسلامية؛ ويمكن الاستشهاد بمبادئ الشورى، وحرية الاعتقاد، وحماية حقوق الأفراد والأقليات، واختيارات الشعوب في انتخاب الأفراد الذين سيحكمونهم، وخضوع الحكام للمساءلة عن أفعالهم وتصرفاتهم، وعدم قمع الأغلبية أو الأقلية كأمثلة على القيم والمبادئ التي يعتنقها الإسلام والديمقراطية على حد سواء. يمكنني القول بسهولة إنه من المبادئ العامة للإسلام بالنسبة للحكم ألا تمنع الحكومة تطبيق الديمقراطية في المجتمع المسلم”.

كان السؤال التالي الذي طرحة الصحفي الألماني كما يلي: “لكن لم تطبق معظم هذه المبادئ في التاريخ الإسلامي، فما السبب في ذلك؟ دعونا ننظر إلى إجابة كولن على هذا السؤال مرة أخرى:

أجاب كولن “من المسائل الأخرى التي ينبغي دمجها في الديمقراطية هو أن يتم إعداد وتهيئة الأرض المناسبة للبشرية لتلبية احتياجاتها فيما يتعلق باحتياجات الإنسان في الدار الآخرة، سواء كانوا مؤمنين أو غير ذلك. كتهميد الطريق لأداء صلواتهم، وصيامهم والذهاب إلى الكنسية أو المعبد أو إلى دور العبادة حسب دياناتهم. يجب أن تخصص الديمقراطية مكانًا لذلك في ثناياها، لكي تكون عالمية. وإلا، فسوف تصبح نظامًا يعمل فقط حسب أهواء ورغبات بعض الناس؛ وهذا من شأنه أن يحد من هذه المسألة بشكل كبير. عندما تكتسب الديمقراطية هذه المساحة العريضة، فسيجد كل شخص مكانًا لنفسه داخلها؛ وربما في يوم من الأيام سوف يتحدث المسلمون أيضًا عن “الديمقراطية الإسلامية” أو “الديمقراطية الدينية”. ولأن الإنسان قد خُلق للأبدية، فإن البشر لا يمكن أن يرضوا عنها بديلا؛ وقد يكون هناك أولئك الذين لا يؤمنون بها، ولكن مشاعر الناس الذين يؤمنون بالديمقراطية يجب أن يتم وضعها في الاعتبار وتلبيتها باحترام.”

“الديمقراطية ذات البُعد الروحي”، هي تلك الديمقراطية التي تتضمن احترام حقوق وحريات الإنسان وتكفل حرية الاعتقاد، وتهيئ في الوقت ذاته بيئة يمكن للناس فيها ممارسة معتقداتهم بحرية واختيار نمط حياتهم حسب ما تمليه عليهم ضمائرهم.

العلاقة بين الدولة الدينية والديمقراطية

ردًا على سؤال طرح في المقابلة التي أجراها كولن مع صحيفة الشرق الأوسط، مفاده: “هل تعتقد بضرورة أن يُمنح الإسلام مساحة أكبر في المجال العام وفي السياسة؟” قال كولن: “إنه في البلاد التي تتوافر فيها حرية ممارسة الشعائر الدينية والحقوق والحريات الأساسية في المقام الرئيسي وقبل كل شيء آخر، فإن الجهود المبذولة لإقامة دولة إسلامية تعتبر غير مفيدة ولا حاجة لها… إن الإسلام -كدِين- هو مجموعة من المبادئ والممارسات التي تستند إلى الوحي الإلهي، وترشد البشر إلى الخير المطلق من خلال إرادتهم الحرة، وتُبيّن لهم كيف يسعون جاهدين ليجعلوا من أنفسهم أشخاصًا يتّسمون بالكمال. يمكن للناس أن يمارسوا دينهم بالطريقة التي يشاؤون في بلدٍ ديمقراطي يتيح لهم التمتع بمعتقداتهم الدينية بحريّة. في بلدٍ كهذا، يتم إجراء الانتخابات الحرة بما يتوافق مع المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان العالمية والحريات، ويمكن للناس أن يعبّروا عن اختياراتهم عبر الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، وتقديم مطالبهم لممثّليهم بحرية تامة واستخدام الحقوق الديمقراطية الأخرى المتاحة لهم، يمكنهم القيام بذلك بشكل فردي أو جماعي من خلال المشاركة في أنشطة منظمات المجتمع المدني.

إنني أرفض دائمًا فكرة التعامل مع الدين باعتباره أيديولوجيا سياسية (Politic). كما أرى أن على المسلم أن يتصرف وفقًا للأخلاق الإسلامية سواء في البعد المدَني والمجتمعي، أو في الشأن العام والمجال الإداري. أي يجب أن يلتزم بقيم الإسلام الأخلاقية في كل مكان وُجد فيه؛ فالسرقة والرشوة والنهب والكسب غير المشروع والكذب والنميمة والغيبة والزنا والانحطاط الأخلاقي.. هي ذنوب وأمور غير شرعية في كل السياقات. ولا يمكن ارتكاب هذه المعاصي لأي غرض كان، سياسيًّا أو غيره، ولا يصحّ لأحد الإفتاء بارتكابها. ثم إن هذه المعاصي تُعتبر جناياتٍ حتى في إطار المعايير المتعارف عليها عالميًّا. وإذا فقد الفرد نزاهته الأخلاقية في هذا الجانب، فإن دوره في الشأن العام أو في أي حزب سياسي، عديم الجدوى. وكأي إنسان عادي، يُسعدني أن أرى هذه المبادئ الأخلاقية وقد تحوّلت إلى سلوك لدى جميع مَن يشغلون مناصب في الشأن العام أو في المجال السياسي. في الواقع إن المشاكل المذكورة أعلاه هي المصدر الرئيسي للشكاوى في المؤسسات الإدارية والسياسية في كل مكان حول العالم.

واسمحوا لي أن أقول بكل وضوح؛ إذا كان المسلمون في بلدٍ ما يمارسون شعائرهم الدينية بحرّية، ويتمكّنون من إنشاء مؤسساتهم الدينية بلا عوائق، ويستطيعون أن يلقّنوا قيمهم الدينية لأبنائهم ولمن يرغب في تعلّمها، ولديهم الحرّية الكاملة في التعبير عنها في النقاشات العامة، ويعلنون عن مطالبهم الدينية في إطار القانون والديمقراطية، فإن حاجتهم إلى إقامة دولة دينية باتت غير ضرورية. والتاريخ يشهد على أن حركات التمرّد والثورات والانقلابات وأحداث العنف دائمًا ما تجرّ البلاد إلى الفوضى والمآسي، وتجعلها في نهاية المطاف تفقد كل مكتسباتها في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتكبّد الشعوب أضرارًا وخسائر لا يمكن تلافيها. والحقيقة أنه إذا تمّت السيطرة على سلطة بلدٍ ما قسرًا وأُجبِرَ الناس على التديُّن، فإن هذا سيجعل منهم مُنافقين، يراؤون السلطة داخل بلدهم ويتظاهرون بالتديّن لتحقيق منافع شخصية، ولكن ما إن يسافروا إلى الخارج حتى ينغمسوا في حياة مناقضة للدين ومفتوحة على ألوان شتى من الذنوب والآثام. ففي مثل هذا البلد يضعف احترام القانون وينتشر النفاق والرياء. وإن نظرة فاحصة لتجارب متنوعة في بلدان مختلفة ستدلك على أن كلماتي المجردة هذه لها في الواقع ما يؤازرها.” (24 مارس 2014، صحيفة الشرق الأوسط).

لقد استسلم بعض الحكام لمشاعرهم وارتكبوا بعض أعمال الظلم والوحشية وهم يختبئون خلف ستار الإسلام؛ وفي بعض الأحيان يتم ارتكاب جرائم القتل باسم الإسلام بسبب أخطاء في الحكم والتقدير.

العلاقة بين الديمقراطية والإسلام والتجربة التركية

كان السؤال التالي الذي طرحه مراسل صحيفة الشرق الأوسط يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالعلاقة بين الديمقراطية والإسلام والتجربة التركية: “هل تعتقد أنه يمكن التوفيق بين الإسلام والديمقراطية في تركيا؟ وكيف يمكن أن يؤثر التوفيق بينهما بشكل ناجح على طلب تركيا الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي؟”

لقد أكد كولن في رده على هذا السؤال مجددًا على اعتقاده بأن الديمقراطية هي النظام الأكثر ملاءمة للمبادئ الإدارية الإسلامية قائلا: “لقد خضعت تركيا للحكم الديمقراطي منذ عام 1950، على الرغم من أوجه القصور بها. إن الخطوات التمهيدية لنقل حكم بلادنا وتحوله إلى الديمقراطية تمت من جانب السلاطين العثمانيين الذين كانوا خلفاء في نفس الوقت. في عام 1876، شكَّل النواب غير المسلمين ثلث أعضاء أول برلمان منتخب بصورة ديمقراطية.

“من الخطأ أن ننظر إلى الإسلام باعتباره متعارضًا مع الديمقراطية والعكس بالعكس؛ وقد يمكن القول إن الديمقراطية هي النظام الذي يتناسب ويتوافق بشكل تام مع مبادئ الحكم الإسلامي سواء من حيث إمكانية تعرض الحكام للمساءلة أمام الشعوب المحكومة وكونها تتعارض مع الاستبداد، والذي يُعرفه الإسلام على أنه شكل من أشكال الحكم الجائر. كما أن الإسلام يتوافق بسهولة مع حقوق الإنسان والانتخابات الديمقراطية والمساءلة وسيادة القانون ومع المبادئ الأساسية الأخرى.

وعندما قلت “ليس هناك بديل عن الديمقراطية”؛ فإن ذلك ليس أمرًا مثاليًا، ولكن تعتبر الديمقراطية أفضل النظم المتاحة أمامنا، ففي عام 1994 أبدت جماعات معينة اعتراضها على قولي هذا، غير أن هناك العديد من الاستخدامات والتطبيقات والأشكال المختلفة للديمقراطية، ونستطيع القول إن الديمقراطية هي الشكل المثالي للحكم؛ ولا تزال الديمقراطية تمر بمراحل الكمال، فالبلد الذي تكون فيه الحريات مكفولة ومحمية مثل حرية الحياة وحرية التعبير وحرية التملك وحرية بناء الأسرة وحرية العقيدة، ولا تقيّد فيه حقوق الأفراد والحريات إلا في حالات استثنائية مثل الحروب؛ ويتعامل فيه مع الأقليات كمواطنين متساويين في الحقوق دون أي تمييز، كما يُسمح فيه للشعوب بمناقشة وتطبيق وجهات نظرهم الشخصية والاجتماعية والسياسية بحرية فهو بلد مناسب لروح الإسلام. إذا كان بإمكان الناس التعبير بحرية عن معتقداتهم وآرائهم، فيمكنهم آنذاك الاعتزاز بدينهم وأداء واجباتهم وطقوسهم الدينية والتمتع بحرياتهم مثل شراء الممتلكات بحرية، وليس من المفترض أن يقوم المسلمون أو غيرهم من ممارسي الديانات الأخرى بتغيير النظام في هذا البلد.

لم تتح أمام عيسى عليه السلام وتلاميذه الفرصة لإقامة دولة؛ ولو كانت أتيحت لهم مثل هذه الفرصة، لكان عيسى عليه السلام قد أسس دولة مثل سيدنا داوود وسليمان عليهما السلام من قبله.

“أما في البلدان التي لا تستطيع الشعوب فيها التمتع بهذه الحريات، فينبغي عليهم أن يحاولوا الحصول عليها من خلال الوسائل الديمقراطية ولكن دون اللجوء مطلقًا إلى العنف. إنني أعتقد أن الإسلام والديمقراطية يمكنهم التعايش سويًا بشكل سلمي ليس فقط في تركيا ولكن أيضًا في البلدان الإسلامية الأخرى، أو على نحو أدق، في البلدان التي يسود فيها الإسلام. ونلاحظ للأسف أنه في البلدان التي يتم فيها تشويه صورة الديمقراطية، تتزايد بها انتهاكات حقوق الإنسان، وتسود فيها الاضطرابات الأخلاقية والقانونية، والمنازعات والصراعات الدينية والعرقية بشكل كبير. وفي الوقت الحالي، تتطور الديمقراطية لتصبح أصلًا وعرفًا شائعًا، كما كانت، بالنسبة للجنس البشري برمته”.

وكدليل على أن الإسلام والديمقراطية متوافقان، قال كولن: “يحق للمسلمين في البلدان التي تمتثل لمعايير الاتحاد الأوروبي أن يعتزوا بدينهم وأن يقوموا بأداء شعائرهم الدينية وإظهارها وتعزيزها وتشجيع غيرهم على اعتناقها.”

“إن واجبنا الأساسي كأفراد وكمجتمع هو الاعتزاز بديننا وإظهاره. إن تركيا لا توصف بأنها دولة ديمقراطية بالكامل؛ وقد حصل المسلمون الملتزمون، الذين تعرضوا للاضطهاد في الماضي مثل الطالبات المسلمات اللاتي منعن من ارتداء الحجاب في حرم الجامعات، على حقوق كثيرة نتيجة لطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الصدد، فقد أدت محاولة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي إلى الحصول على عديد من المزايا والفوائد لتركيا؛ وكجزء من هذه العملية، تم إدخال إصلاحات ديمقراطية كبيرة إلى البلاد؛ وإذا تم الحفاظ على هذه الإصلاحات الديموقراطية وتمكن النظام الديمقراطي في تركيا من تحقيق الالتزام بمعايير الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات، فإنني أعتقد آنذاك أن الهوية الإسلامية لتركيا لن يُنظر إليها كعقبة أمام عضويتها الكاملة في الاتحاد الأوروبي.”

“حتى لو كان المتعصبون المناهضون للإسلام يضعون العراقيل أمام عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، فإن المكاسب التي حققتها تركيا خلال محاولة الحصول على عضويتها الكاملة في الاتحاد الأوروبي لا تزال تمثل مكاسب مهمة للغاية بالنسبة للديمقراطية في تركيا. ومع ذلك، فقد بدأت تركيا مؤخرًا في التراجع تدريجيًا عن تطبيق معايير الديمقراطية المطبقة في الاتحاد الأوروبي” (صحيفة الشرق الأوسط، 24 مارس/آذار 2014).

يمكن تحقيق الديمقراطية الكاملة من خلال الأخلاق الإسلامية

عندما أجري مراسل صحيفة لوموند الفرنسية مقابلة مع كولن بتاريخ 28 أبريل/نيسان 1998، سُئل كولن “ما رأيك في الإسلام والديمقراطية؟”

بعد أن أشار كولن إلى أن الإسلام ليس على خلاف مع الديمقراطية ومع العلمانية إلى حد كبير، لفت كولن الانتباه إلى نقطة مهمة للغاية قائلًا: “يمكن التوفيق بين الإسلام والديمقراطية بصورة جيدة من خلال الأشخاص الفاضلين الذين هم على دراية جيدة بأخلاقيات الإسلام.”

وقال كولن “إن الإسلام يحتل مكانة محورية في هذا البلد (تركيا)؛ ويمكن للمسلمين التحدث عن الديمقراطية والعلمانية وفقًا لفهمهم الخاص. وأيًا كان شكل الحكم في البلاد، حتى لو كان هو الشكل الأمثل للديمقراطية، فإن الأهم من ذلك هو أن يكون الشخص إنسانًا صالحًا. إنها مسألة وجود أشخاص فضلاء ومخلصين من الناحية الأخلاقية؛ وقد أضاف علماء مثل مؤلف كتاب المدينة الفاضلة (السير/ توماس مور) والفارابي إلى ما سبق المدن الفاضلة، وتم الانتقال خطوة إلى الأمام في هذه المسألة.

“غير أن الإنسان يجب أن يحتل دائمًا مرتبة الأولوية، في حين يجب أن تأتي المدينة والحضارة والدولة والبلدة في مرتبة تلي مرتبة البشر؛ وبالنسبة للديمقراطية، فإن وجود البشر الفاضلين الجديرين بالثقة أمرٌ في غاية الأهمية. وأري أن الإسلام يقدم تعليمًا وتدريبًا ديمقراطيًا جيدًا للغاية، ويمكن التوفيق بين الديمقراطية بشكل تام مع الأشخاص الفاضلين الذين خضعوا للتدريبات الأخلاقية الإسلامية.

“الإسلام ليس على خلاف مع الديمقراطية؛ وحتى إلى حد كبير، إذا نظرتم إلى القوانين العثمانية المقننة من الناحية القانونية، فسنجد أن كثيرًا من الناس ينظرون إلى الحقبة العثمانية باعتبارها حقبة من حقب العلمانية؛ طالما أنها لم تكن متناقضة مع القواعد الأساسية التي تتعلق بالعقيدة والعبادة، وقد تم اللجوء إلى ابتكارات جديدة في سن القوانين والتشريعات… التي لم يرد بشأنها نصوصٌ صريحة في القرآن والسنة والمصادر الرئيسية للتشريع. وبمرور الوقت، ومع ظهور قضايا جديدة، في حال كانت هناك أشياء لم يرد بشأنها نص واضح وصريح في المصادر الرئيسية للتشريع، يتم إصدار تشريعات وقوانين جديدة مع مراعاة ألا تتعارض مع هذه المصادر…. وعندما يُنظر إليه من هذا المنظور، فإن الإسلام ليس على خلاف مع الديمقراطية والعلمانية (طالما أنها ليست قمعية).

إن وجهة النظر الضيقة المتمثلة في السعي إلى السلطة السياسية باسم الدين تتناقض مع روح الإسلام. عندما يختلط الدين والسياسة، يعاني كلاهما والدين هنا أكثر.

“على الرغم من أن العلمانية تنطوي في الأساس على الانضباط القانوني، إلا أنك إذا كنت تحاول استبعاد الدين منها، وإذا كنت تحاول تطبيق أو فرض نوع من العلمانية التي تجبر الأفراد على التخلي عن دينهم، فسوف تتسبب في ظهور صراعات في المجتمع؛ ومن هنا، سوف يؤدي ذلك إلى ظهور عديد من الأشخاص المناهضين للعلمانية والديمقراطية. ومن واجبنا أن نشير إلى خطأ الأشخاص الذين يتسببون في مثل هذه الاضطرابات بنفس القدر بالنسبة لأولئك الذين يحاولون فرض التغيير.”

وكلما سُئل كولن إذا كان من الممكن التوفيق بين الإسلام والديمقراطية أم لا، فإنه في الغالب يبدأ بتعريف الدين والإسلام، ويذكر مراحل تطور الديمقراطية على مر التاريخ؛ ويقوم في نهاية المطاف بمناقشة الديمقراطية التي لا تنغلق على القيم الإسلامية. وتعتبر هذه الديمقراطية ذات بُعد ديني، حيث إنها لا تأخذ في الاعتبار فقط حياة المرء الدنيوية ولكن أيضًا حياته في الدار الآخرة؛ إنها تلك الديمقراطية التي لا تتنكر للقيم الدينية. وفيما يلي نستعرض الجواب النموذجي الذي ذكره كولن في مجلة العالم الإسلامي:

“فيما يتعلق بمسألة الإسلام والديمقراطية، ينبغي على المرء أن يتذكر أولًا أن الإسلام هو دين إلهي وسماوي في حين أن الديمقراطية هي شكل من أشكال الحكومة والإدارة التي وضعها البشر. إن المقاصد الرئيسية للدين هي التي تتعلق بالمواضيع العالمية مثل الإيمان والعبودية لله ومعرفة الله وفعل الخير والإحسان؛ ويدعو القرآن الكريم في مئات الآيات الناس إلى الإيمان وعبادة الله الواحد الحق. كما يحث القرآن الكريم الناس على تعميق وترسيخ اعتقادهم وعبوديتهم لله تعالى بطريقة تمكنهم من تحقيق وعيهم بمفهوم الإحسان. ويعتبر “الاعتقاد والإيمان والقيام بأعمال الخير” من بين الموضوعات التي أكد عليها القرآن الكريم تأكيدًا قاطعًا. كما يُذكر القرآن الكريم الناس مرارًا وتكرارًا بضرورة الحفاظ على بناء علاقة وطيدة مع الله تبارك وتعالى وأن يعبدوا الله ويعملوا كأنهم يرونه (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

“قد يؤدي تعريف الإسلام على هذا النحو دورًا هامًا في العالم الإسلامي من خلال تقوية وتعزيز الأشكال المحلية للديمقراطية وتوسيع نطاقها بطريقة تساعد البشر على فهم العلاقة بين العالمين المادي والروحاني؛ وأعتقد أن الإسلام سوف يثري ويعزز مفهوم الديمقراطية من خلال الاستجابة للاحتياجات العميقة للبشر مثل الرضا والاقتناع الروحي، والذي لا يمكن تحققه إلا من خلال ذكر الله الواحد القهار” (عدد يوليو 2005 من مجلة العالم الإسلامي).

هناك تجديد في الإسلام؛ فقد تم تصحيح بعض الأخطاء التي ظهرت مع مرور الوقت من قبل شخصيات عظيمة تُعرف باسم المجددين مع الحفاظ على المبادئ الإسلامية الأساسية.

ما الذي يعنيه كولن عندما يقول بأنه يتوقع أن تقوم الديمقراطية بحل المشاكل التي تتعلق بالحياة في الدار الآخرة؟ يُشير كولن في هذه المقولة إلى حرية العبادة. ووفقًا للدين الإسلامي، يمكن للمرء الاستمتاع بحياة ممتعة ومرضية بعد الموت إذا عاش المرء حياة فاضلة وصالحة في الدار الدنيا مع مراعاة مراقبته لله تعالى.

كانت حرية العبادة على مر التاريخ بمثابة أحد المشاكل الرئيسية التي تواجه المؤمنين بأي عقيدة دينية؛ وفي كثير من الأحيان، كان على الناس إخفاء صلواتهم خشية أن يتعرضوا للتعذيب أو حتى للقتل إذا تم رؤيتهم وهم يؤدون شعائرهم الدينية. ومن بين الحريات الأخرى، نجد أن المجتمعات الديمقراطية تحمي حرية العبادة كحق أساسي من حقوق الإنسان.

وقد عبر كولن عن هذه الآراء من قبل خلال المقابلة التي أجراها مع صحيفة التايمز في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر مارس عام 2004:

“يمكن تفسير ما نسميه بالديمقراطية بشكل مختلف؛ فهناك العديد من الديمقراطيات المختلفة في العالم. وخلال الأوقات التي كانت فيها الشيوعية قائمة، كانوا يطلقون عليها أيضًا اسم الديمقراطية؛ وتطلق أمريكا على نفسها دولة ديمقراطية كما هو الحال في إنجلترا وبلجيكا. توجد أنواع مختلفة من أشكال الديمقراطية في شتى أنحاء العالم، فهناك الديمقراطيون المسيحيون والديمقراطيون البوذيون وحتى الديمقراطيون اليهود. يمكن للشعوب أن تكون ديمقراطية وأن يكون لهم فهمهم ومعتقداتهم وفلسفتهم الخاصة في الوقت ذاته؛ وليس هناك أي عيوب تنجم عن مزج العادات والتقاليد الإسلامية بالديمقراطية. وفي رأيي، يمكن أن توجد مثل هذه الديمقراطية.

“بل يمكن حتى إضافة ما يلي إلى الديمقراطية: لا تتكون احتياجات المرء من حاجاته الدنيوية فقط. واسمحوا لي أن أتمتع بفوائد حرية الفكر وحرية الكسب، ولكن اسمحوا لي أيضًا أن يكون لي جانب آخر يربطني بالحياة الأبدية والآخرة؛ لقد خُلقت من أجل الآخرة، ولن أرضى بأي بديل عن الحياة الأبدية والآخرة. إذا كان يجب أن تكون الديمقراطية ديمقراطية كاملة، فإنها تحتاج إلى إدراج أشياء معينة تساعد على تحقيق هذه الرغبة وتحتاج إلى تقديم الدعم المناسب لتحقيق ذلك؛ ويعني ذلك أن الديمقراطية تتطلب بعدًا دينيًا، كما أنها تحتاج إلى جانب مفتوح لحساباتنا الخاصة بالدار الآخرة لأجل حساباتنا التي لم يتم الوفاء بها. لماذا لا توجد مثل هذه الديمقراطية؟” (زمان، 24 مارس 2004).

إن النظر والتعامل مع القرآن الكريم باعتباره أداة للخطاب السياسي هو بمثابة إهانة وعدم تبجيل واضح للكتاب المقدس، وعقبة تمنع الناس من الاستفادة من هذا المصدر العميق للفضل والنعم الإلهية.

البعد الإسلامي في الديمقراطية

نستعرض فيما يلي بعض التصريحات التي أدلي بها كولن في مقابلة أجراها في عام 2010 مع صحيفة نيويورك تايمز: “… ينبغي النظر بالتأكيد إلى حجم الثراء والسعة التي يمكن أن يضفيها الإسلام إلى الديمقراطية؛ وفي عصرنا هذا، لا تزال الديمقراطية تحاول الوصول إلى مرحلة الكمال. وينبغي علينا أن نحاول بناء ديمقراطية تكون لديها القدرة على تلبية كافة مطالب البشرية التي لن تتحقق في أي شيء إلا في رضا الله عز وجل ووعد الحياة الآخرة في الجنة.

“يجب طرح هذه المسألة على طاولة النقاش وفتح باب المناقشة حولها. أعتقد أن الديمقراطية يجب أن تكون شاملة بما فيه الكفاية لتلبية الرغبات الروحية والمادية للجنس البشري؛ ويجب أن يكون البشر قادرين على العيش بحرية وفقًا لما يؤمنون به ويجب على الديمقراطية تمهيد هذه البيئة المناسبة لهم” (تم نشر هذا الجزء من المقابلة من قِبل براين نولتون في صحيفة نيويورك تايمز في 11 يونيو/حزيران 2010).

إن حدوث تشويه أو تحريف في الإسلام ليست مسألة موضع خلاف، لأن الإسلام كان قادرًا على حماية أصوله وبالتالي فإن الإصلاح (بمعنى إعادة الهيكلة من لا شيء) ليس ملائمًا لطبيعة الإسلام.

الحقبة الإسلامية الأولى كانت جمهورية

شدد كولن على أن عصر الخلفاء الراشدين، الحقبة الأولى في التاريخ الإسلامي، كانت في الواقع حقبة جمهورية وديمقراطية غير معترف بها؛ وفي حالة الخلفاء الراشدين الذين كانوا قادة دولة إسلامية كبيرة في فترات سابقة، كان من الضروري الحصول على موافقة شعبية على انتخابهم لمنصب خليفة المسلمين. وكانت هذه هي الطريقة التي أصبح بها أبوبكر الصديق الخليفة الأول للمسلمين بعد النبي الكريم ﷺ؛ كما تولي الخلفاء الثلاثة التالون هذا المنصب بموافقة المجتمع، وهذا هو جوهر الديمقراطية والجمهورية. إن انتقال الخلافة من الأب إلى الابن، كما هو الحال في نظام الأسرة الحاكمة، ليس ما يقره الإسلام؛ ومع ذلك، فقد ظهرت هذه الأنظمة القائمة على الأسرة الحاكمة في وقت لاحق في التاريخ الإسلامي، وهي لا تكاد تمثل الروح الحقيقية لنظام الحكم الإسلامي. بالنسبة لكولن وغيره من العلماء، فإن فترة الخلفاء الراشدين الأربعة الأولى تعكس نمطًا أكثر دقة عن نظام الحكم الإسلامي.

وردًّا على الأسئلة التي طرحها يالكان دوغان من صحيفة كنال دي تي في 16 أبريل/نيسان 1997، شرح كولن قائلًا: “الديمقراطية هي حكم الشعب، وهي شكل عميق من أشكال “الجمهورية”؛ بل هي روح (الجمهورية)، إنها البُعد الأكثر إنسانية في الجمهورية. ولهذا السبب، بدرجة ما…. كانت الديمقراطية موجودة دائمًا في الماضي على الرغم من أنها لم يطلق عليها هذا الاسم. يمكننا حتى التحدث عن الجمهورية ووجود الديمقراطية بدون اسم خلال فترة الخلفاء الراشدين…. ربما كان هناك تداخل بين هذين النظامين، ومن الممكن التوفيق بينهما. ولهذا السبب، يمكن الاعتقاد بأن الديمقراطية والجمهورية يمكن أن يُشكلا أساسًا مناسبًا للإسلام والفكر الإسلامي وإمكانية ممارسة الشعائر الإسلامية. وفي رأيي أن اعتقادنا بأنهما ضد الإسلام هو بمثابة تفسير خاطئ وكذلك نهج خاطئ…”

كما أكد على ذلك كولن في مقابلة أجراها مع قناة “تي أر تي” (هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، القناة الوطنية لتركيا) بتاريخ 2 يونيو/حزيران 1995 “إن الإسلام كان جمهورية في فتراته الأولى؛ ولا يمكن الادعاء بخلاف ذلك”.

إن تسييس الدين يعد أكثر خطورة على الدين من النظام؛ وفي الواقع، يعني ذلك طمس روح الدين لأن الدين للجميع؛ بل هو أسمى شيء يحترمه ويبجله الجميع ومن خلاله يجد كل شخص الهدوء والسعادة الدنيوية. الدين هو اسم لصلة الجميع بالله تعالى.

في 27 فبراير/شباط 1998، ظهر كولن في برنامج تليفزيوني على قناة إن تي في يقدمه طه آكيول وجينكيز كاندار بشكل مشترك بينهما. وخلال عرض البرنامج، سأل كاندار “ماذا يمكن أن تقول عن الإسلام والديمقراطية؟” في الوقت الحالي، يبدو أن هناك إجماعًا بأن تركيا تمر بفترة سياسية مضطربة. كيف يمكنك تقييم الوضع الحالي والمستقبل القريب في تركيا؟ ما نوع الاقتراحات التي يمكن أن تقدمها؟”

كان رد كولن مستفيضًا ومدروسًا: “لم أر مطلقًا الديمقراطية باعتبارها معارضة لروح الإسلام؛ بل إنني قلت في البداية (في حوار بتاريخ 29 يونيو/حزيران 1994) إن هذه العملية قد تم البدء فيها بالفعل ومن المستحيل الرجوع عنها أو أن يكون هناك بديل عنها… الديمقراطية لها أنواع مختلفة. هناك الديمقراطيون الاجتماعيون والديمقراطيون المسيحيون والديمقراطيون الليبراليون في هذا العالم…

“أتمنى أن تتطور الديمقراطية في يوم ما إلى حد أنه في مثل عملية التطور هذه يتم إعداد وتهيئة الأجواء بحيث يمكن تلبية كافة احتياجات الأفراد المادية والروحانية والاحتياجات الأخرى. ويعني ذلك، أنه كما هو الحال في استجابتها لاحتياجاتي الفردية حتى نهاية الحياة وإتاحة الفرص التي لا تضر بالآخرين، فمن الضروري أن تسهل مروري المنشود خلال مرحلة القبر وحياة البرزخ. بل ينبغي أن تمهد الطريق لدخولي إلى الجنة من خلال الفرص التي تم منحها لي.”

“عندما قمت بمشاركة وتبادل هذه الأفكار مع أحد الأكاديميين الأمريكيين، أشار إلى أنها تمثل تعريفًا ممتازًا للديمقراطية. ومع مراعاة هذه الاعتبارات، أين نحن من الديمقراطية؟ أعتقد أنه من الخطأ الحكم على الوضع الحالي على أساس فهم أي شخص ما”.

لن يكون من الفهم الصحيح للإسلام الادعاء بأن السياسة من المبادئ الحيوية والأساسية للدين ومن بين أركانه وركائزه الراسخة؛ والذين ربطوا تلقي الرسائل القرآنية بهذه المسائل قد يتسببون في سوء فهم الآيات.

الإسلام السياسي أو تسييس الإسلام

سأل طه أكيول كولن على وجه التحديد عن الإسلام السياسي والديمقراطية قائلا: “أنت تمثل الإسلام الذي تمتد جذوره في هذه الأراضي؛ وحسب فهمي، فليس لديكم أي علاقة أيديولوجية بالجماعات أو الحركات التي تسمى جماعات الإسلام الأصولي أو الإسلام السياسي أو الإسلام المتعصب أو الجماعات الإسلامية مثل حماس أو الأنشطة مثل (التي يطلق عليها) الجهاد الإسلامي، ناهيك عن التعاطف معها، والتي ظهرت في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما بعد سقوط الاشتراكية. إن المصطلحات التي تستخدمها تختلف عن مصطلحات الأصولية في الشرق الأوسط والتي يُشار إليها باسم الإسلام السياسي.”

وقد أجاب كولن على هذا السؤال على النحو التالي: “لقد ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية وانتقل إلى السهوب الآسيوية حيث أصبح متمركزًا في الشعور والفكر؛ وبعد ذلك اتخذ الإسلام منعطفًا آخر للانتشار في طريقه نحو الأناضول وآسيا الصغرى التي تولت دور الأم وقامت بنقل أشياء معينة إلى آسيا الكبرى، والتي ستسمح لها في يوم من الأيام أن تحقق إرثها الخاص… لقد نشأ الإسلام وتطور في الأساس في آسيا فيما يتعلق بعلم الفقه والشريعة والفكر الديني والفكر الصوفي؛ ومن آسيا انتشر الإسلام وانتقل إلى شتى أنحاء العالم….نحن ورثة الإرث الثقافي الغني؛ غني للغاية لدرجة أنه لا يتعين علينا الشعور بأي حاجة لبعض التيارات الصغيرة التي تشكلت هنا وهناك في الوقت الحاضر.

وأضاف قائلًا: “… يبدو لي أن هذا الفكر الغني المتجذر والحديث لا يدع حاجة لأي تيار آخر في أي مكان في العالم. إن مهمتنا هي تقييم هذا الفكر مرة أخرى وجلبه لآفاق جديدة من خلال توليف وتحليل جديدين، والتعبير عنه بصوت مرتفع وواضح في المنصات التي يمكن الاعتراف به فيها لصالح البشرية جمعاء.”

الديمقراطية والجمهورية يمكن أن يُشكلا أساسًا مناسبًا للإسلام والفكر الإسلامي وإمكانية ممارسة الشعائر الإسلامية. وفي رأيي أن اعتقادنا بأنهما ضد الإسلام هو بمثابة تفسير خاطئ وكذلك نهج خاطئ”

تسييس الدين مُضر بنفس درجة العداوة للدين

يعتبر الإسلام السياسي أو تسييس الإسلام أحد النقاط المحورية في المناقشات حول الإسلام والديمقراطية؛ لقد كان لكولن رأي ثابت في هذه المناقشة: لا يعتقد كولن أن الدين يجب أن يكون مسيسًا؛ وقدم الرد التالي على سؤال مراسل صحيفة لوموند الفرنسية نيكول بوب: “ما رأيك في الإسلام السياسي؟”

“يشمل الإسلام بنسبة 98% حياة الفرد والأسرة والقيم الأخلاقية والروحية الأساسية التي يمكن أن يتبناها المجتمع؛ في حين يتعلق 2% فقط من الإسلام بشؤون الدولة. ومن ثم، فإن تجاهل نسبة 98% المذكورة دون الإشارة إلى أن هذا من الإسلام، والإشارة فقط إلى نسبة 2% على أنها من الإسلام في الوقت الذي تكون فيه السياسة في المقدمة يعتبر تصرفًا خاطئًا وضررًا لنسبة 98%.

“هذا وتشمل نسبة 98% مبادئ العقيدة مثل الإيمان بالله، والإيمان بيوم القيامة، والإيمان بالكتب السماوية، والإيمان بالأنبياء والرسل، والإيمان بالملائكة، وأركان الإسلام مثل الصلاة والزكاة المفروضة والصيام والحج ويليها جميع المبادئ الأخلاقية الأخرى؛ ويتم الالتزام بجميع هذه القيم والأركان في (تركيا). علاوة على ذلك، تتضمن هذه النسبة العديد من المسائل التي نشترك فيها مع الأديان الأخرى؛ ويمكن لكل فرد أو أسرة ممارسة هذه المبادئ من تلقاء أنفسهم ولا يمكن لأحد أن يقول أي شيء من حيث قيامهم بذلك.”

“بينما تتعلق نسبة 2% المتبقية الأخرى بالحكم والإدارة. إن غض الطرف عن نسبة 98% من أجل عرض نسبة 2% على أنها هي الإسلام، على أساس أولئك الأفراد الذين ينظرون إلى الإسلام على أنه نظام سياسي ومن ثم يتحدثون عن الإسلام السياسي، يتناقض مع حقيقة الإسلام.”

أعتقد أن الديمقراطية يجب أن تكون شاملة بما فيه الكفاية لتلبية الرغبات الروحية والمادية للجنس البشري؛ ويجب أن يكون البشر قادرين على العيش بحرية وفقًا لما يؤمنون به ويجب على الديمقراطية تمهيد هذه البيئة المناسبة لهم.

“إن مصطلح الإسلام السياسي لم يستخدمه المسلمون الراغبون في جعل الإسلام قاعدة أساسية لحركات التحرر والاستقلال الوطني التي يقودونها، والذين اعتبروه في هذا الصدد أيديولوجية أكثر من كونه دينًا؛ وقد ظهر هذا التعبير إما من خلال وسائل الإعلام الغربية التي كان عليها أن تبحث عن مسمى للحركات التي أسسها هؤلاء المسلمون أو من قبل الدوائر الأخرى. ومع كل ذلك، لا يزال المسلمون يتعاملون مع هذه المسألة في إطار الدين أو الشريعة؛ وإذا كانوا يقصدون بالشريعة أنها نسبة 2% التي سبق وذكرتها، فهم يرتكبون خطأ فادحًا. كما أن أولئك الذين ينظرون إلى الشريعة على أنها يُقصد بها نفس نسبة 2% فهم أيضًا مخطئون.”

“إن الحديث بطريقة مهذبة وتجنب الفحش والأذى في القول والبعد عن الوقاحة والعدوانية في الفعل يمثل قاعدة من قواعد الشريعة، وقد أكد عليها القرآن بشكل متكرر؛ كما أن احترام الناس وإكرام ضيافتهم ولو أن يتبسم المرء في وجه أخيه كما أوضح النبي ﷺ، وكذلك إخراج الماء من البئر وتقديمه لأي إنسان أو حيوان يشعر بالظمأ أو إفراغه في دلو أي شخص بالقرب منك أو إماطة الأذى من طريق المسافرين أو المارة… كل ذلك من متطلبات الشريعة الإسلامية والدين الإسلامي. ونحن نفعل كل ذلك بنية العبادة وبوعي تام وبسعادة تنفيذًا لأوامر الدين الحنيف.

هذه هي الجوانب الفعلية للدين التي يجب مراعاتها وإبرازها لأن الدين ككل، عبارة عن مكون جامع من الخير والفضيلة؛ وأن كل جميل هو مستمد من الدين وكل ما هو بغيض وكريه فهو ليس من الدين في شيء. قال رسول اللهﷺ: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق” (أخرجه أحمد) ووصفه القرآن الكريم بقوله تعالى: “وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ”(القلم:4)، وقوله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”(الأنبياء:107)”.

وعندما يكون هذا هو الدين الحق، ثم نجد أن نسبة 2% من الدين يتم عرضها بصفة مستمرة وبشكل متعمد على أساس أخطاء بعض الناس فما هذا إلا تسييس للدين ككل والتعامل معه على أنه أيديولوجية سياسية، وهو ما يمثل أكبر إساءة للدين الإسلامي. وفي هذا الصدد، فقد كنا ضد تسييس الدين منذ زمن طويل واعتبرنا أن ذلك يضر بالدين بنفس القدر الذي يفعله العداء المتأصل للدين.”

في عصرنا هذا، لا تزال الديمقراطية تحاول الوصول إلى الكمال. وعلينا أن نحاول بناء ديمقراطية تكون لديها القدرة على تلبية المطالب البشرية التي لن تتحقق إلا في رضا الله تعالى ووعد الحياة الآخرة في الجنة.

من أجل التمتع بالديمقراطية الكاملة

التقى الصحفي والمؤلف الكندي فريد أ. ريد بفتح الله كولن في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1999؛ وفي هذه المقابلة، شدد كولن على عدة نقاط. أشار كولن إلى أن الأشخاص أصحاب التفكير الديني يتعين عليهم أن يُظهروا للعالم أجمع أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية:

“إذا كانت الديمقراطية توفر الظروف المناسبة للمسلمين وغيرهم للعيش في وئام مع بعضهم البعض، ففي هذه الحالة ينبغي علينا أن نُشجع أنفسنا على إقامة الديمقراطية وبذل كل الجهود الممكنة لتحقيق الديمقراطية الكاملة بمعناها الغربي في أوطاننا؛ وهذا أمرٌ في غاية الأهمية لسببين وهما:

“أولًا، لكي نتمكن من ممارسة شعائرنا ومعتقداتنا الدينية بسلام، وثانيًا، حتى تتمكن الأجيال الجديدة من أن تعيش حياتها وتتعامل مع الآراء السائدة بسلام. إذا كان الإسلام دين اعتقاد وعبادة وأخلاق، فلا يمكن لأي شخص في أي بلد ديمقراطي الاعتراض على هذا النظام؛ غير أن تجاهل هذا النظام وجعل الإسلام يبدو فقط شكلًا من أشكال الحكم والإدارة ليس سوى تفسير خاطئ للإسلام وعلى هذا النحو، يمثل ويرمز لمواقف ومشروعات سياسية معينة. وأعني أننا بحاجة إلى أن نعرض الإسلام على شرائح أكبر من المجتمع كظاهرة ترتبط إلى حد كبير بالاعتقاد والتطبيق العملي والأخلاق؛ ويتعين علينا أن نُظهر أن الإسلام لا يتعارض أو يختلف مع الديمقراطية.”

“ولتحقيق هذه الغايات، ينبغي على الناس أن يتحلوا بالإيثار والعطاء؛ ولكي تتمكن الأجيال القادمة من العيش في سلام وهدوء ينبغي أن يكون لدى الناس القدرة على التخلي عن ملذاتهم ومتعهم الشخصية…. وسوف يكون هدفنا هو نقل التفسيرات الحقيقية للإسلام إلى الشعوب من أجل إرساء الديمقراطية بمفهومها الكامل وبموافقة الجميع والعمل على منع تسييس الإسلام.”

إذا كنت تحاول فرض نوع من العلمانية تجبر الأفراد على التخلي عن دينهم، فسوف تتسبب في ظهور صراعات في المجتمع؛ تؤدي إلى ظهور عديد من الأشخاص المناهضين للعلمانية والديمقراطية.

تسييس الدين يطمس روح الإسلام

أشار كولن في مقابلة أجراها مع تلفزيون كانال دي بتاريخ 16 أبريل/نيسان 1997 إلى وجود خطر متأصل في السياسة؛ ويشير كولن مرة أخرى إلى أن السياسيين لديهم القدرة على استغلال أي شيء من أجل المصالح السياسية، وظل كولن ثابتًا على رأيه بأن السياسيين يتقدمون بمطالبهم وكأنهم الممثلون الحصريون للدين وهذا يعد بمثابة استغلال للدين، وأن عيوب ونقائص السياسة تؤثر سلبًا على الدين بدورها: “إنهم يقولون إن الدين مسيَّس، وأن قبول مثل هذا القول يعني أن بعض الدوائر تسيس الدين. إن تسييس الدين يعد أكثر خطورة على الدين من النظام؛ وفي الواقع، يعني ذلك طمس روح الدين لأن الدين للجميع؛ بل هو أسمى شيء يحترمه ويبجله الجميع ومن خلاله يجد كل شخص الهدوء والسعادة الدنيوية. الدين هو اسم لصلة الجميع بالله تعالى.

“إن تسييس الدين يعني أن يصبح الدين عرضة للخطر؛ ويرجع السبب في ذلك إلى أن أولئك الذين يدعون إلى الدين ضمن نطاق الاعتبارات السياسية يسعون لاستغلال كل شيء لصالح سياساتهم وآرائهم وأهدافهم السياسية. في حين أن السياسيين يستغلون كل شيء باسم سياستهم، ومن ثم يطمسون صورة الدين تحت ما يقدمونه من وصف.”

“وبعبارة أخرى، إذا كانوا يتعاملون مع هذه المسألة بمفاهيم مثل “نحن متدينون، سوف نمثل الدين، سوف ننقل الدين إلى التطبيق العملي، سوف نجعل الدين يسود الحياة ككل”، فإن أخطاءهم سوف تُنسب إلى روح هذا الدين العالمي؛ وسوف يتم طمس الصورة الصحيحة للدين، وهذا خطر آخر” (كانال دي، 16 أبريل 1997).

أري أن الإسلام يقدم تعليمًا وتدريبًا ديمقراطيًا جيدًا للغاية، ويمكن التوفيق بين الديمقراطية بشكل تام مع الأشخاص الفاضلين الذين خضعوا للتدريبات الأخلاقية الإسلامية.

ليس هناك شكل واحد من أشكال الحكم في الإسلام

في مقابلته التي تم نشرها في مجلة العالم الإسلامي في عام 2005، سُئل كولن “في وقت أصبح فيه الإسلام السياسي منتشرًا للغاية، ما آراؤك حول العلاقة بين الإسلام والسياسة؟”

تطرق كولن في رده على هذا السؤال إلى نقطتين:

1- أن الإسلام لا يفرض هيكلاً موحدًا للدولة وهناك عديد من أنظمة الحكم المختلفة للدولة والتي يمكن تقفي أثرها في التاريخ الإسلامي.

2- أن الإشارة إلى القرآن فقط بغرض إيجاد مادة للخطاب السياسي تعد بمثابة عدم تبجيل وتقديس للقرآن الكريم بصفته كلام الله تعالى؛ وبفضل الحكماء من السياسيين الذين يستمدون إلهامهم من القرآن الكريم ومن خلال إثراء الروح البشرية، فإن السياسة تتوقف عن كونها مجرد مقامرة أو لعبة شطرنج.

وشرح كولن ذلك في هذه النقاط: “أرى أن الناس قد ذهبوا بعيدًا للغاية أو ليس بعيدًا بما فيه الكفاية من حيث فهم العلاقة بين الإسلام والسياسة؛ فقد قال البعض إن الإسلام ليس له علاقة بالسياسة، في حين يرى البعض الآخر أن الدين هو السياسة ذاتها متجاهلين بذلك الجوانب المتنوعة والغنية للدين.”

“يتضمن القرآن الكريم آيات تتعلق بالإدارة والسياسة، كما تحتل ممارسات وأفعال النبي ﷺ مكانة هامة في هذا الصدد. على سبيل المثال، المصطلحات القرآنية “أولي الأمر” (الحكام)، و”الطاعة” (طاعة أولى الأمر)، و “الشورى”، و”الحرب”، و”الصلح” (السلام) هي كلها أمثلة على بعض الإشارات القرآنية فيما يتعلق بالقرارات السياسية والقانونية؛ وبالإضافة إلى ذلك، هناك آيات قرآنية تتعلق بالمؤسسات القانونية وبعضها يشير أيضًا إلى السياسة والحكم.

“ومع ذلك، لا يمكن في الإسلام تقييد مفهوم الحوكمة والسياسة ضمن نموذج واحد، على عكس مبادئ الإيمان وأركان الإسلام؛ حيث يوضح لنا التاريخ أنه كان هناك عديد من أنواع الحكومات في العالم الإسلامي منذ عصر النبي ﷺ”.

“لن يكون من الفهم الصحيح للإسلام الادعاء بأن السياسة من المبادئ الحيوية والأساسية للدين ومن بين أركانه وركائزه الراسخة؛ ورغم أن هناك بعض الآيات القرآنية التي تتعلق بالسياسة، وهيكل الدولة وأشكال الحكم، إلا إن الأشخاص الذين ربطوا تلقي الرسائل القرآنية بهذه المسائل قد يتسببون في سوء فهم الآيات. وقد يعتبر سوء الفهم هذا نتيجة لحماستهم الدينية والقيود المفروضة على اعتباراتهم المنفردة بشأن الاعتماد المفرط على التجارب التاريخية، واعتقادهم بأن مشاكل المجتمعات الإسلامية يمكن حلها بسهولة أكبر من خلال السياسة والحكم. وتعتبر جميع هذه الطرق والنُهُج ذات معنى ومغزى ضمن سياقاتها؛ ومع ذلك فإن الحقيقة لا تكمن في هذه النُهُج والطرق بمفردها.

أعتقد أن الإسلام سوف يثري ويعزز مفهوم الديمقراطية من خلال الاستجابة للاحتياجات العميقة للبشر مثل الرضا والاقتناع الروحي، والذي لا يمكن تحققه إلا من خلال ذكر الله الواحد القهار”.

“على الرغم من أن المرء لا يستطيع أن يتجاهل آثار الحكم والإدارة في تنظيم العلاقات المشتركة بين الأفراد والأسر والمجتمعات، إلا أن هذه العلاقات-في إطار القيم القرآنية- تعتبر قضايا ثانوية؛ ويرجع السبب في ذلك إلى أن القيم التي نطلق عليها المبادئ الأساسية مثل الإيمان والخضوع (الإسلام) وفعل الخيرات (الإحسان) وقبول الأخلاق الإلهية من جانب المجتمع هي المراجع التي تشكل جوهر القضايا الإدارية والاقتصادية والسياسية.

“القرآن الكريم هو ترجمة ونقل لكتاب الوحي، الذي يأتي بالأوامر الإلهية من الخالق عز وجل وتُفسر عالم الغيب والأمور المرئية وغير المرئية؛ فالقرآن الكريم هو شرح لمدلولات الأسماء الإلهية على وجه الأرض وفي السماوات، وهو وصفة طبية لمختلف المشاكل المنتشرة في العالم الإسلامي. بل يعتبر القرآن الكريم دليلًا فريدًا على السعادة والنعيم في هذه الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة؛ كما يعتبر دليلًا عظيمًا للمسافرين في هذا العالم الذين يتحركون نحو الدار الآخرة، بل هو مصدر لا ينضب من الحكمة. ولا ينبغي أن يقتصر التعامل مع هذا الكتاب الإلهي العظيم عند مستوى الخطاب السياسي، ولا ينبغي اعتباره كتابًا يتحدث عن النظريات السياسية أو أشكال الحكم في الدولة. إن النظر والتعامل مع القرآن الكريم باعتباره أداة للخطاب السياسي هو بمثابة إهانة وعدم تبجيل واضح للكتاب المقدس، وعقبة تمنع الناس من الاستفادة من هذا المصدر العميق للفضل والنعم الإلهية. ليس هناك شك أن القرآن الكريم قادر، من خلال إثراءه للنفس البشرية، على إلهام الحكماء من السياسيين ومن خلال جهودهم تجاه عدم جعل ممارسة السياسة وكأنها نوع من المقامرة أو مجرد لعبة شطرنج.”

فيما يتعلق بالتعامل مع القرآن الكريم كأيديولوجية سياسية، تشير السطور التالية المقتبسة من مقالة كتبها كولن لصحيفة فايننشال تايمز لما يلي: “إن وجهة النظر الضيقة المتمثلة في السعي إلى السلطة السياسية باسم الدين تتناقض مع روح الإسلام. عندما يختلط الدين والسياسة، يعاني كلاهما والدين هنا أكثر. (10 مارس 2014، صحيفة فايننشال تايمز).

كدليل على أن الإسلام والديمقراطية متوافقان، قال كولن: “يحق للمسلمين في البلدان التي تمتثل لمعايير الاتحاد الأوروبي أن يعتزوا بدينهم وأن يؤدوا شعائرهم الدينية ويظهروها وتشجيع غيرهم على اعتناقها.”

الإصلاح الديني

إن أحد المسائل التي يتم طرحها في المناقشات التي أجريت حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطية هي مسألة “الإصلاح الديني.” هل يحتاج الإسلام إلى إصلاح أو يمكن أن يخضع لإدخال أي إصلاحات عليه؟ وقد تناول نيكول بوب من صحيفة لوموند الفرنسية هذا في عام 1998: “هناك مناقشات تتعلق بالإصلاح في تركيا وفي أماكن أخرى في العالم الإسلامي؛ وهي المناقشات حول إذا كان الإسلام -مثله في ذلك مثل المسيحية- يمكن أن يخضع للإصلاح أم لا.”

وردًا على ذلك، أوضح كولن أن الإسلام لم يخضع لعملية إعادة تشكيل تتطلب إدخال أي إصلاحات عليه، ولكن هناك تجديد في الدين الإسلامي: “لقد كان هناك إصلاح منذ ألف وخمسمائة سنة بعد عصر المسيح (نبي الله عيسى عليه السلام)؛ ونجد أن المنشورات التي نشرها باحثون مثل موريس بوكايل وحتى الباحثين المسيحيين أنفسهم، على سبيل المثال، منشورات مثل الموسوعة الكاثوليكية قد لفتت الانتباه إلى وجود بعض الاختلافات بين الأناجيل. ويُرجع البعض هذه الاختلافات إلى حقيقة أن الأناجيل قد دُونت في فترة معينة بعد المسيح عليه السلام؛ فهذه المنشورات تشير إلى خضوع كتابة الأناجيل لعملية مشابهة لعملية جمع وتدوين الأحاديث النبوية في تاريخ الدين الإسلامي.

“على المستوى الشخصي، فإنني أشعر بعدم الارتياح إزاء هذه المسائل التي يجري تناولها بمثل هذه الطريقة، مع كامل احترامي للمسيح عليه السلام والإنجيل ككتاب إلهي مقدس. وكنقطة مستقلة، يعتبر دور الكنيسة في المسيحية مهمًا أيضًا للغاية؛ وبسبب هذا الدور، فإن آراء الكنيسة تعتبر ذات ثقل ديني مختلف.

أدت التطورات التي حدثت على مر الزمن إلى اتباع نُهج مختلفة بين المسيحيين بشأن هذه النقطة، كما ظهرت حركات الإصلاح في دول مثل ألمانيا وإنجلترا. وكما هو معروف، اتخذت بعض هذه الإصلاحات موقفًا ضد تطبيقات واستخدامات معينة مثل الانغماس في الملذات، وتعرضت بعض التعابير والعبارات الواردة في الكتاب المقدس للانتقادات في إطار العلوم النامية.

“في الدين الإسلامي، ظهرت وجهات نظر وآراء متباينة تدريجيًا فيما يتعلق بالمسائل من الدرجة الثانية أو الثالثة من حيث الأهمية، وفيما يتعلق بالمسائل التي كانت مادة أساسية للفقه والمدارس التشريعية المختلفة؛ ومع ذلك، لم تكن أي من وجهات النظر هذه قادرة على أن تزعزع أسس الإسلام بسبب نقل متن القرآن الكريم بدون تغيير أو تحريف، وكذلك تسجيل وتدوين السيرة والأحاديث النبوية في فترة مبكرة. وهكذا ظل الجزء الأكبر من المبادئ الإسلامية في الدين الإسلامي كما هو دون تغيير أو تحريف.

إنني أرفض دائمًا فكرة التعامل مع الدين باعتباره أيديولوجيا سياسية. كما أرى أن على المسلم أن يتصرف وفقًا للأخلاق الإسلامية سواء في البعد المدَني والمجتمعي، أو في الشأن العام والمجال الإداري.

“ومع ذلك هناك تجديد في الإسلام؛ فقد تم تصحيح بعض الأخطاء التي ظهرت مع مرور الوقت من قبل شخصيات عظيمة تُعرف باسم المجددين مع الحفاظ على المبادئ الإسلامية الأساسية. إذا كانت هناك بعض الانحرافات في وقت ما، فقد تم الرجوع في نهاية المطاف إلى هذه المبادئ الأساسية، كما تم إدخال التفسيرات الجديدة التي تستلزمها ظروف العصر والظروف السائدة بالنسبة لجوانب الإسلام التي كانت مفتوحة للتفسير والنقاش.

“لكن هذه ليست إصلاحات، لأن الإصلاحات تأتي بعد التشويه أو التعديل؛ ولا يمكن القول بأن هذا التشوية أو التعديل الذي يتطلب إجراء إصلاحات قد حدث في الدين الإسلامي.”

أوضح كولن في مقابلة له نشرتها صحيفة حريت اليومية في عام 1995: “إن حدوث تشويه أو تحريف في الإسلام ليست مسألة موضع خلاف، لأن الإسلام كان قادرًا على حماية أصوله وبالتالي فإن الإصلاح (بمعنى إعادة الهيكلة من لا شيء) ليس ملائمًا لطبيعة الإسلام” (صحيفة حريت، 26 يناير/كانون الثاني 1995).

وردًا على سؤال الصحفي الألماني راينر هيرمان: “هل يمكن للإسلام أن يكون حديثًا وعصريًّا، أم هل هي مسألة تتعلق بأسلمة العالم الحديث، كما ادعي النقاد؟” وأجاب كولن: “هذه المسألة تتجاوز النزاع كما يتضح من مفهوم الديمقراطية الحديثة، ليس هناك تعريف ذو بُعد واحد نظرًا لاختلاف التفسيرات والتطبيقات السياسية والاجتماعية والفلسفية والثقافية؛ وتشير مصادر الحداثة إلى هذه المبادئ مثل أهمية المنطق والعلم والأفراد الذين ينتقصون من قوة الآخرين أو الدولة، وحرية الاعتقاد والفكر، وحماية حقوق الإنسان، وسيادة القانون والحكم الديمقراطي.”

“لا تُشكل أي من هذه المبادئ تناقضًا مع القيم الإسلامية؛ كما أن قيام المسلمين بتنفيذ هذه المبادئ على المستوى الفردي أو الحكومي لا يعني أن الإسلام يخضع لعملية تحديث بهذه الطريقة. وبدلاً من ذلك فإن هذه التطبيقات والاستخدامات هي عبارة عن جهود لتفسير تلك الجوانب من الإسلام والتي تكون متاحة ومفتوحة للتفسير وفقًا للمبادئ التي هي نتاج الحداثة، والتي لا تتعارض مع المبادئ الأساسية للدين الإسلامي.”

“ومن ناحية أخرى، لا يمكننا التصرف على أساس افتراض أن الإسلام يقر كل وجميع طلبات الحداثة التي واجهها في تفسيراته وتطبيقاته؛ وتتضمن الأمثلة على ذلك التعامل مع الجنس البشري والكون من منظور مادي تام، وتطبيق العلمانية باعتبارها فرضًا لمعتقدات التفكير والحريات المطلقة بلا قيد وضابط أو الادعاءات بشأن انتهاء الدين وزواله أو الاستعاضة عنه بالمنطق والعلم.

“على النقيض من ذلك، لا يمكن أن يطلق على المسلمين، الذين يعزون توجههم الخاص إلى الحداثة ويقدمون تفسيراتهم بشأن مسائل معينة، “أسلمة الحداثة” (مقابلة أجراها راينر هيرمان في 6 ديسمبر 2012).

في البلاد التي تتوافر فيها حرية ممارسة الشعائر الدينية والحقوق والحريات الأساسية في المقام الرئيسي وقبل كل شيء آخر، فإن الجهود المبذولة لإقامة دولة إسلامية تعتبر غير مفيدة ولا حاجة لها.

اختلاف الأحكام الدينية مع مرور الوقت

تعد مسألة “هل القواعد القانونية تتغير أم لا وفقًا لاحتياجات الزمان وتغيره” واحدة من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل ضمن إطار الإسلام والديمقراطية؛ وقد ناقش كولن هذه المسألة باستفاضة في مقابلته التي أجراها مع برنامج تلفزيوني هولندي: “بموجب الاستناد إلى القانون المدني العثماني، تتغير الأحكام الدينية مع تغير الزمن.”

“هناك أشياء يمكن أن تتغير، ففي النظام القانوني العثماني، هناك مراسيم وأحكام تشكل أغلبية فيما يتعلق بتلك العادات والتقاليد وفي المسائل التي لا توجد فيها أحكام وردت في نصوص قرآنية صريحة وواضحة، وفي المسائل التي لا توجد فيها أحاديث صحيحة نقلها صحابة النبي ﷺ. وكانت تلك المراسيم والقرارات التي تم سنها من قبل شيوخ الإسلام في هذه الفترة وعلماء المسلمين العظماء.

“غير أن هناك قضايا أخرى قبلها الإسلام على الرغم من أنها ليست ضمن العادات والتقاليد، ومن المحتمل أن نكون قد اقتبسنا هذه المسائل من أمة أخرى وقبلناها بدون مناقشة؛ وقد تخضع هذه المسائل للتغيير في أي وقت من الأوقات.”

“ومن الأمثلة على ذلك مسألة الملبس والثياب؛ وليس هناك حاجة إلى أن يكون اللباس كما كان بالضبط في عهد النبي الكريم ﷺ، حيث كانت هذه هي تقاليد المجتمع في ذلك الوقت. فقد كانوا يرتدون عباءات بدون أزرار، وملابسهم لم تكن تغطي صدورهم…لم يكن هناك الجلابيب التي نرتديها اليوم، ولم يكن هناك معاطف مثل التي لدينا اليوم. ويمكن لهؤلاء الأفراد الذين يرغبون في القيام بذلك أن يحذو حذوهم، وليس هناك ضرر في القيام بذلك؛ ولكن إذا تم فرض هذا اللباس باعتباره جزءًا من الإسلام، ففي هذه الحالة سوف تكون الأمور أكثر صعوبة وينفر الناس من الدين.

“لا يمكن حتى وصف هذه الأشياء على أنها مسائل ثانوية أو فرعية للدين؛ وهذه هي العادات والتقاليد. في الواقع، ووفقًا لما ذكره البعض، يمكن حتى القول بأن العمامة هي أيضًا من الأمثلة على تلك العادات والتقاليد. على سبيل المثال، كان من المعتاد ارتداء العمامة بين المسلمين خلال عصر النبوة، كما أن رسول الله ﷺكان يرتدي العمامة أيضًا. وعلى الرغم من انتشارها، لا توجد أي أحاديث بشأن ارتداء العمامة في كتب مثل صحيح البخاري ومسلم والترمذي؛ وكانت الإشارة إلى العمامة في سنن أبي داوود مرتبطة بوقت دخول النبي ﷺ إلى مكة في يوم الفتح، حيث كان النبي يرتدي العمامة فوق خوذته؛ ولا يمكننا معرفة فوائد العمامة.

“ربما كانت العمامة شيئًا مثل الخوذة التي نرتديها عند ركوب دراجة نارية في عصرنا هذا، وكان يتم ارتداؤها عن قصد؛ كما أن البعض يقولون إن ذلك هو ما كان سائدًا بالفعل في ذاك الوقت. إذا كنت تقول في الوقت الحالي إن ارتداء العمامة أمر ضروري لتصبح مسلمًا، فأنت في هذه الحالة تجعل الأمور أكثر صعوبة. وأنت بهذا تضع الفروع قبل الأصول والتفاصيل قبل المبادئ الأساسية. وعلاوة على ذلك، فقد ذكر الحق تعالى في القرآن الكريم، “ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ”(الحج:32) ويعني ذلك أن الأشياء التي يراها الله تبارك وتعالى عظيمة يجب أن يُنظر إليها على أنها عظيمة وتستحق التبجيل، في حين أن الأشياء التي يراها الله عز وجل صغيرة أو لا تُذكر أو التي لا يوليها المولي عز وجل اهتمامًا كبيرًا، ينبغي أن تترك ضمن سياقها وحسب. ورغم ذلك، إذا منحت الأمور التي لم يتم إعطاؤها أهمية كبيرة ولم يركز عليها النبي ﷺ –مثل إقامة الدولة– فوق الفرائض الدينية وفوق الاعتقاد والعبادة والصلاة والصيام والصلاة والزكاة المفروضة والحج والتصرف بطريقة إنسانية ومحبة واحترام الآخرين، فإنك تكون قد عطلت التوازن الإلهي الراسخ في هذه الحالة.

“كما أن تعطيل التوازن البيئي يمثل عائقًا، فإن تعطيل توازن الدين الذي ينظم حياة البشر أيضًا يمثل عائقًا. وفي هذا الصدد، فإن منح الأولوية للمسائل والأمور، التي يمكن وصفها بالتفاصيل والقضايا الثانوية، يمكن أن يرتقي إلى تدمير التوازن والانسجام في الدين، ولا ينبغي السماح بذلك. يجب أن تظل التفاصيل كما هي دون تغيير، وعلى هذا النحو يجب أن يتم اعتماد المبادئ الأساسية على هذا النحو كأساسيات.

“إن الأصل والركن الأساسي في الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ ويَعتبر أبو حنيفة أن الشخص الذي ينطق بهذه الشهادة مؤمنًا في كتابه الفقه الأكبر. ويمكن لهذا الشخص أن يدخل الجنة وهذا هو الشرط؛ وبالنسبة لهذه المسألة، فقد تم عرضها بهذا التوسع؛ إنه إذا شاء الله تعالى، فإنه سوف يُدخل هؤلاء الأشخاص الذين يؤمنون بالخالق عز وجل، وفقًا للعقيدة الماتريدية (نسبة إلى أبي منصور الماتريدي)، الجنة.كما سُيدخل الله عز وجل (وفقًا لعقيدة الأشعرية) هؤلاء الأشخاص الذين يعتقدون بأن الله تعالى لم يرسل رسولاً الجنة، أو لم يتم تبليغ رسالة هذا الرسول على النحو الواجب إلى هؤلاء الأشخاص. وبدلاً من إدانة الناس وإصدار الأحكام المشددة بحقهم، فإنني أعتقد أنه سيكون من الأنسب للدين الإسلامي أن نتناول الأمور من منظور رحمة الله تعالى التي لا نهاية لها” (مقابلة مع التليفزيون الهولندي بتاريخ 19 أكتوبر 1995).

خلال زمن الخلفاء الراشدين كان اختيار الخليفة الأول أبو بكر الصديق مختلفًا عن اختيار الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ومختلفًا عن اختيار الثالث عثمان بن عفان ومختلفًا عن اختيار الرابع على بن أبي طالب رضي الله عنه جميعا.

معايير تفعيل منهجية الاجتهاد

طرح ساريتوبراك وأونال في مقابلة مجلة العالم الإسلامي عام 2005، سؤالاً أكثر تعمقًا في نفس السياق:

“لقد تم مناقشة موضوع الاجتهاد (التفسير المستقل) بعمق على صفحات مجلة العالم الإسلامي لفترة طويلة؛ واعتقد البعض أن باب الاجتهاد قد أُغلق، وقد تسبب ذلك بطبيعة الحال في ركود التفسير وتوقفه. فما المعايير المطلوبة حتى نستخدم منهجية الاجتهاد؟” ورد كولن قائلًا:

“إن الإسلام، كونه الدين الخاتم والعالمي، يمثل الخلاصة لحلول المشاكل الإنسانية في كل العصور وفي شتى الأماكن؛ وتستند هذه الحلول على النصوص المحدودة للقرآن والسنة، التي تعالج وتتناول المشاكل غير المحدودة للبشر. وقد بدأ هذا النشاط المبارك في عصر النبي ﷺ وتطور في القرنين الثالث والرابع الهجريين تحت اسم الاجتهاد والرأي، والاستدلال، والقياس والاستنباط؛ وظلت هذه الحلول قائمة على مر الزمن في إطار ممارسة النظم الحيوية للإسلام وقد كانت مثمرة للغاية.

“وقد بدأت هذه الثقافة التشريعية الأصلية والغنية والفريدة من نوعها في العالم الإسلامي في التلاشي لأسباب منها: أن نظام الحياة الإسلامي النشط قد تم استبعاده من المجال العام، وكذلك عدم وجود عقول نشطة مماثلة لتلك العقول التي كانت موجودة في الفترات الأولى في التاريخ الإسلامي، والافتقار إلى الروح الملهمة، والافتقار إلى المفكرين الأفذاذ وانحسار وضعف المعرفة بالقرآن والسنة. وقد تم الاستعاضة عن هذه العقول النجيبة بتلك العقول التي تفتقر إلى القدرة على التفسير المنطقي، فضلًا عن ندرة الذكاء؛ كما أنهم متأخرون بشدة في معرفتهم بالقرآن والسنة وغير مؤهلين للإلهام والإبداع. وبما أن هذه الأنماط من الشخصيات قد أصبحت مصدر السلطة في الدوائر الدينية، فقد استبدلت مبادئ الاجتهاد الخصبة والثرية بالتقليد والحفظ والنسخ.

“يمكن للمرء أن يرى عدة أسباب وراء فقدان روح الاجتهاد وإغلاق الباب أمام الاجتهاد ومنها: القمع السياسي، والصراعات الداخلية، وإساءة استخدام مبدأ الاجتهاد، والثقة الشديدة في النظام التشريعي والقانوني الحالي، وعدم الإصلاح وحالة العمى التي تسبب فيها النظام الرتيب المهيمن في الوقت الحالي؛ وكانت جميعها من أسباب هذه الخسارة الواقعة. وعلاوة على ذلك، فقد كان المؤمنون المؤهلون للاجتهاد على أساس ذكائهم وقدراتهم في بعض الأوقات يتم إدراجهم عن طريق الخطأ بين مجموعات المهرطقين الذين كانوا يسيئون استخدام الاجتهاد.”

“في الواقع، لم يتم إغلاق باب الاجتهاد مطلقًا من قبل أي شخص؛ ومع ذلك، فقد كان يميل بعض العلماء إلى إغلاق باب الاجتهاد أمام الأشخاص الذين يرغبون في تعزيز رغباتهم الخاصة وتفسيراتهم واعتمادها كتوجيهات معمول بها. وقد تم إغلاق باب الاجتهاد تلقائيًا في وجه هؤلاء الأفراد غير المؤهلين للاجتهاد؛ وما دام المجتمع لا يزخر بمثل هؤلاء العلماء الأجلاء الذين يمكنهم القيام بالاجتهاد، فلا يمكن تجاهل حجة أولئك الذين يعارضون مبدأ الاجتهاد.”

“في الوقت الحالي، ترتبط قلوب الناس وأذهانهم عمومًا بالحياة الدنيوية؛ كما أن قلوبهم وأذهانهم في الوقت الراهن متباينة إلى حد كبير ويتم صرف الأذهان عن الأشياء غير المادية. فالدين والتدين لم يعودا من المسائل والقضايا الرئيسية بالنسبة للشعوب كما كان الحال في عصر المسلمين الأوائل. وعلى النقيض من ذلك، فإن الناس محايدون تجاه الدين أو التدين؛ أي أن تكون متدينًا أو غير متدين قد أصبح سواء. فالعديد من الناس في هذا الزمان لديهم نفور كبير حيال مسائل الإيمان ويتجاهل العديد منهم مبادئ الدين وأسسه؛ ويتم النظر إلى أركان الإسلام ومبادئ الإيمان نظرة شك وريبة. لقد انهار الدين بالنسبة للعديد من المسلمين، ولا يبذل كثير من المسلمين أي جهد للعيش في إطار الإسلام. وفي ظل هذه الظروف، يمكن للمرء أن يرى مدى صعوبة أن يتم استخدام هذا الجانب الحيوي من الإسلام، ألا وهو الاجتهاد، على النحو الصحيح.”

“على الرغم من كل هذا، كانت هناك حركة إحياء بارزة للدين والتدين في العالم الإسلامي اليوم؛ وأتمنى –بمشيئة الله– أن يؤدي هذا التطور إلى ظهور الأفراد المؤهلين لفتح باب الاجتهاد في المستقبل القريب. وأنا مقتنع بأنه عندما يحين الوقت المناسب، فإن أصحاب الأرواح المتدفقة والمفكرين الأفذاذ سيشكلون مجموعات تضم المتخصصين وسوف يحملون مسؤولية الاجتهاد. وأتمنى أن تتمكن هذه المجموعات من خلال التشاور فيما بينها من سد الفجوة التي ظهرت منذ فقدان روح الاجتهاد” (مجلة العالم الإسلامي، عدد شهر يوليو 2005).

إن المبادئ التي تُشكل أساس الديمقراطية متوافقة مع القيم الإسلامية؛ ويمكن الاستشهاد بمبادئ الشورى، وحرية الاعتقاد وغيرها أمثلة على المبادئ التي يعتنقها الإسلام والديمقراطية على حد سواء.

ما المقصود بالشريعة؟

تعتبر الشريعة بلا شك أحد المفاهيم الأكثر إثارة للنقاش من حيث علاقة الإسلام بالديمقراطية؛ وقد أثارت الشريعة على مدار سنوات طويلة، مفهوم وفكرة “الدولة الدينية.” وفي الواقع، كانت الشريعة أحد المصطلحات التي تستخدم في كثير من الأحيان بالتبادل مع مصطلح “الدولة الدينية.” هذا وقد طرح مراسل صحيفة نيويورك تايمز برايان نولتون سؤالاً على كولن في المقابلة التي أجراها معه في عام 2010 حول هذا الموضوع: “هل ينبغي أن تقوم الدولة التي يحكمها المسلمون على مبادئ الشريعة؟”

أجاب كولن قائلًا: “إذا كفلت الدولة حرية الاعتقاد ومنحت الناس حقوقًا متساوية في العيش كما يرغبون وحقوق التعلم وإدارة شؤون حياتهم وفقًا لما تمليه عليهم ضمائرهم، فإنها لا تتعارض بأي حال مع تعاليم القرآن الكريم ومبادئه.”

وأضاف كولن: “إذا كانت هناك دولة من هذا القبيل، فليس هناك حاجة إلى إقامة نظام بديل. وإذا كان النظام لا يمنح حقوق الإنسان والحريات الكاملة، كما هو الحال في بعض البلدان التي تسمى بالبلدان الديمقراطية في الوقت الراهن، فيتعين في هذه الحالة مراجعة هذا النظام وتجديده وإصلاحه وفقًا للمعايير والقوانين الدولية وحقوق الإنسان من جانب الأجهزة التشريعية والتنفيذية (في هذه الدولة).”

“في تركيا أيضًا على سبيل المثال، وببساطة كنتيجة للديمقراطية، طلب الشعب فرصة للعيش بحرية وفقًا لمعتقداتهم في المدارس وفي أي مكان آخر؛ لقد طلب الناس الحق في أن يكونوا كما هم عليه بحق، هذا هو الحق الأساسي لكل إنسان” (تم نشر جزء من هذه المقابلة في صحيفة نيويورك تايمز في 12 يونيو 2010).

كما استفسر مراسل صحيفة لوموند الفرنسية نيكول بوب عن هذه المسألة قائلًا: “كلمة الشريعة هي كلمة أخرى تتصف بحساسية شديدة في تركيا؛ فما المقصود بالشريعة؟”وأجاب كولن قائلًا: “في الواقع، مصطلح الشريعة هو مصطلح مرادف للدين؛ فكل أساسيات الاعتقاد وجميع المبادئ الأخلاقية الأخرى تتضمنها الشريعة. الشريعة ليست ذلك الجزء من الدين الذي يتعلق بالحكم، وهو الأمر الذي يُشكل 2% فقط من مجموع الدين ككل؛ فالأشخاص الذين يرونها كذلك مخطئون إلى حد كبير، كما أن هذا الفهم يولد الكراهية وعدم الارتياح لدى بعض الناس الآخرين تجاه هذا المصطلح.”

“الشريعة ليست شيئًا ينفرد به الإسلام وحسب، فهناك أيضًا الشريعة اليهودية والشريعة المسيحية وهي متضمنة في الكتب المقدسة؛ كما عبر عنها المسيح : “أنا لم آت لأبطل الشريعة وإنما لأحققها في الواقع.” هذه الجملة مذكورة في الأناجيل؛ والشريعة هي شكل من أشكال التطبيق العملي للدين، بل هي الدين نفسه، وبمعنى آخر، فإن الشريعة أقرب إلى تعريفها الاجتماعي. ولكن كما ذكرت من قبل، فإن المسائل التي تتعلق بالإدارة والحكم لا تشكل حقيقة سوى 2% من الشريعة، وتتعلق هذه النسبة بالأشخاص الذين يضطلعون بأمور الإدارة والحكم في المقام الأول، ومن هنا، فهي لا تهم كل فرد من أفراد المجتمع.”

سوف يكون هدفنا هو نقل التفسيرات الحقيقية للإسلام إلى الشعوب من أجل إرساء الديمقراطية بمفهومها الكامل وبموافقة الجميع والعمل على منع تسييس الإسلام.

نظام الدولة الذي أسسه النبي محمد ﷺ

سأل الصحفي الألماني راينر هيرمان كولن قائلًا “ما نوع نظام الدولة الذي أسسه النبي محمد (ﷺ)؟ وعلى سبيل المقارنة مع عيسى عليه السلام، قال الصحفي:  “في الغرب يقول الناس إن النبي محمدﷺ قد أسس دولة في حين أن عيسى عليه السلام ظل بعيدًا عن السياسة وترك إلى القيصر الأشياء التي تخص القيصر. فهل تحقيق الهيمنة العالمية من بين تعاليم الإسلام؟”

وردًّا على هذا السؤال، شرح كولن المبادئ الأساسية التي يجب أن تقوم عليها الدولة الإسلامية:

“إذا كان من الضروري وجود إدارة في الإسلام، فليس هناك مشكلة في أن يتم تأسيس الدولة الإسلامية بما يتوافق مع المبادئ والضوابط الإسلامية، بما في ذلك الأخلاق والمبادئ الإسلامية. لم تتح أمام عيسى عليه السلم وتلاميذه الفرصة لإقامة دولة؛ ولو كانت أتيحت لهم مثل هذه الفرصة، لكان عيسى عليه السلام قد أسس دولة مثل سيدنا داوود وسليمان عليهما السلام من قبله؛ حيث أسس داوود وسليمان دولة في عصر الملوك الذين ورد ذكرهم في العهد القديم. كما أنشأ موسي ويوشع بن نون مثل هذا النظام، وهناك علاقة بين عيسى وزكريا ويحيي في هذا الصدد.”

“لم يحصلوا على مثل هذه الفرصة؛ ولكن بعد ذلك، عندما اعتنق الإمبراطور الروماني قسطنطين العظيم المسيحية باعتبارها الدين السائد في الإمبراطورية الرومانية، حكم هذا الإمبراطور وفقًا لتعاليم المسيحية.”

“نعم، لقد أنشأ الرسول الكريم ﷺ نظامًا للحكم في عصره، لكن النظام نفسه قد تأسس في عصر الخلفاء الراشدين؛ وكما يوحي اسمهم، كان الخلفاء الراشدون الأكثر استقامة ويسيرون على الطريق المستقيم. في حين لا يمكن أن يُقال الشيء نفسه بالنسبة للأمويين والعباسيين في عهدهم أو للعثمانيين والدول الإسلامية في آسيا؛ ولا يمكننا القول بأن الإنصاف والعدالة والاستقامة والعدالة الاجتماعية قد تم تطبيقها بشكل متساوٍ على جميع الناس.”

“لقد استسلم بعض الحكام لمشاعرهم وارتكبوا بعض أعمال الظلم والوحشية وهم يختبئون خلف ستار الإسلام؛ وفي بعض الأحيان يتم ارتكاب جرائم القتل باسم الإسلام بسبب أخطاء في الحكم والتقدير.

وقال كولن “إن أكثر أشكال العنف وحشية يتم ارتكابها في عصرنا الحالي؛ كما هو الحال بالنسبة للانتحاريين والهجمات الانتحارية… حيث يكون الضحايا من الأبرياء. وكما يبين الحق جلا وعلا في القرآن الكريم: “وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ”(النحل: 126) لا يفعل تنظيم القاعدة وحزب الله شيئًا سوى إظلام وتشويه الجوانب النقية والناصعة في الإسلام؛ وكل هذا ينبع من عدم المعرفة الصحيحة بالقرآن الكريم” (فرانكفورتر الجيمين زيتونغ، 6 ديسمبر 2012).

إن غض الطرف عن نسبة 98% من أجل عرض نسبة 2% على أنها هي الإسلام، على أساس أولئك الأفراد الذين ينظرون إلى الإسلام على أنه نظام سياسي ومن ثم يتحدثون عن الإسلام السياسي، يتناقض مع حقيقة الإسلام.”

هل الدولة هدف للمسلم؟

في مقابلة أجراها مع صحيفة ميليت في عام 2005، سُئل كولن: “هل يجب أن تكون الدولة هدفًا بالنسبة للمسلم؟” أكد كولن في جوابه على نقطة واحدة على وجه التحديد، وأوضح الطرق المختلفة التي تم من خلالها انتخاب الخلفاء الراشدين الأربعة لشغل هذا المنصب والآثار الكبرى المترتبة على ذلك:

“كما أعتقد أيضًا أن الناس يمكنهم ممارسة 95% أو ربما 97% من شعائر دينهم دون أن يسببوا أي قلق، شريطة أن يتم الحفاظ على الإطار الذي رسمته الديمقراطية وألا يتم تضييق مجالات النشاط بمثل هذه الأشياء مثل “المجال العام”؛ وذلك لأن الدين يضطلع بدور ما في مواقف معينة في الحياة الاجتماعية وفي الإدارة أيضًا. ومع ذلك، فإن هذه القضايا لها خصائص وجوانب تاريخية متنوعة.

“على سبيل المثال، ليس هناك نموذج محدد لطريقة الانتخابات أو نظم الإدارة؛ وعندما ننظر إلى التطور التاريخي للنظام الإسلامي للحكم، فقد تم انتخاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه من قِبل جموع الناس، في حين تم انتخاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن رشحه أبو بكر الصديق رضي الله عنه لشغل هذا المنصب؛ وتم انتخاب “عثمان بن عفان” رضي الله عنه بعد أن أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مجموعة العشرة المبشرين بالجنة (العشرة أشخاص الذين بشرهم النبي ﷺ بالجنة)، وكان من بينهم عثمان بن عفان رضي الله عنه. وكانت هناك بعض المعارضة لانتخاب على بن أبي طالب رضي الله عنه، وتشكلت إدارة أخرى في دمشق عندما سنحت الفرصة أمام معاوية رضي الله عنه؛ وخلال العهد الأموي، بدأت قاعدة الحكم في الانتقال من الأب إلى الابن واستمرت هذه الممارسة خلال حكم العثمانيين.”

“كل هذا يدل على أن الدين له وصايا معينة بمنهجية محددة، ولا يتم المساس بها مطلقًا؛ وخلاف ذلك، هناك نطاق من الحقائق النسبية المفتوحة للتفسير (الاجتهاد) والاستدلال التقديري (الاستنباط) أمام الجميع، وبالتالي ينبغي تقييم ظروف واحتياجات كل عصر على النحو الواجب” (16 يناير 2005، ميليت).

في الوقت المناسب، سيشكل أصحاب الأرواح المتدفقة والمفكرين الأفذاذ مجموعات تضم المتخصصين يحملون مسؤولية الاجتهاد. وبالتشاور ستسد الفجوة التي ظهرت منذ فقدان روح الاجتهاد.

هل يمكن أن تعود الخلافة من جديد؟

في عام 1924 أصدر البرلمان التركي قانونًا يلغي مؤسسة الخلافة؛ ولكن من وقت لآخر يرد الحديث عنها ضمن مناقشات بشأن الإسلام والديمقراطية. وسُئل كولن في المقابلة التي نشرت في مجلة العالم الإسلامي عن الخلافة: “بعد إلغاء الخلافة في تركيا، نشأت العديد من الحركات الجديدة لاستعادة مؤسسة الخلافة من جديد ولا سيما في الهند؛ وبالنظر إلى التطور السريع في عالمنا، هل تعتقد أنه يمكن تأسيس الخلافة من جديد؟ أم  الخلافة أمر مثالي لا يمكن تحقيقه؟”

ورد كولن على ذلك قائلاً: “عندما ألغيت مؤسسة الخلافة كانت هناك عديد من الآراء التي كانت تؤيد أو تعارض إلغاء الخلافة؛ فعالم الاجتماع التركي “ضياء كوك آلب” –في بداية أمره- وهؤلاء السالكون لخطّه الفكري كان لديهم وجهة النظر التالية: “إن مؤسسة الخلافة تتمتع بمكانة كبيرة بين المسلمين. وإذا لم توجد مثل هذه المؤسسة فإن العالم الإسلامي سوف يكون أشبه بمسبحة بدون شاهد، وسوف تنفرط كل حبات الخرز منها”.

“ويعتقد المفكرون مثل سيد بك (باحث إسلامي، عضو في البرلمان التركي خلال الفترة من 1923 – 1925، ووزير العدل التركي خلال الفترة من 1924-1923 أن “الخلافة لها غاية حكيمة، وأنها مسألة وُكل أمرُها إلى الأمة، وأنها تنقاد لمتطلبات الزمن. فعندما مات النبي ﷺ لم يذكر أيَّ شيء لأصحابه بشأن الخلافة، ولا توجد أيّ آية في القرآن الكريم تتعلق بهذه القضية”.

وأكد “سيد بك” على الشورى وطاعة الحكام، كما ذُكر في القرآن، ويؤكد على أهميتهما في الإدارة والسياسة. ويعتقد أن الخلافة الإسلامية قد انتهت بخلافة علي رضي الله عنه في السنة الثلاثين من الهجرة. ويستدل في هذا السياق بآراء بعض المجتهدين وعلماء الكلام، ويشير إلى تاريخية الخلافة بقوله: “إن ما ينبغي فعله هو التركيز على غاية الخلافة وما قُصد منها، لا الخلافةِ نفسها؛ فعهد الخلافة قد انقضى عنده بعد الخلفاء الأربعة، والذين جاؤوا من بعدهم ليسوا خلفاء حقيقيين، وإنما خلفاء في الشكل.

ثم أُلغيت الخلافة بحكم البرلمان التركي التالي: “لقد تم عزل الخليفة، وتم إلغاء مؤسسة الخلافة، لأنها مندرجة تحت مفهوم ومعنى الحكومة والجمهورية”.

“وقبل فترة طويلة من ظهور هؤلاء العلماء، كتب ابن خلدون في مقدمته، الفكرة التالية: “فيما يتعلق بالخلافة هناك ثلاث وجهات نظر مختلفة حول هذه المسألة. الأولى هي أن الخلافة نظام إلهي وضروري؛ والثانية، أن الخلافة قائمة على الاحتياجات؛ والثالثة، كما زعم بعض الخوارج أنه ليس هناك حاجة إلى الخلافة.”

وهؤلاء الذين يعتقدون في عصرنا الحالي أنه لا حاجة للخلافة يقولون هذا بسبب ظهور الدول القومية وتطور أفكار الاستقلال؛ ولهذه الأسباب، يعتقد بعض الناس أن الخلافة قد فقدت فعاليتها.

“ويؤمن آخرون بأن الخلافة ما زالت تحتفظ بحيويتها وتأثيرها؛ إذ هي وسيلة للوحدة بين المسلمين، كما أنها تيسر التعاون بين الدول الإسلامية من خلال تبادل المهارات والفرص، وأنه بمصطلح دينيّ مثل الخلافة يمكن للجماهير أن تتجمع تحت رايته.”.

“وإذا آل الأمر إلى هذا الحد فإنه قد يكون إحياء الخلافة غاية في الصعوبة، كما أن جعل المسلمين يقبلون بها قد يكون مستحيلًا. ومن جهة أخرى فإن نظرة العالم المعاصر لمثل هذه المبادرة من الأهمية بمكان ويجب أن تؤخذ في الاعتبار. ومن المفيد أن ننظر إلى مفهوم الخلافة وحركات إحياء الخلافة في ضوء الأفكار والملاحظات السابق ذكرها.”

وسُئل كولن خلال مقابلة نشرتها صحيفة ميليت في العام نفسه، “ما رأيك في موضوع إحياء الخلافة؟”

وأجاب كولن: “عندما كان سيتم إلغاء الخلافة في عام 1924، اعترض مصطفى عصمت إينونو (الرئيس التركي الثاني) على ذلك، في حين أن سيد بك، وهو عضو في البرلمان التركي من إزمير، ومعلم لمنهج الفقه الإسلامي لم يعترض على ذلك؛ حتى إن سيد بك قد ألَّف كتيبًا يربط تاريخ الخلافة الإسلامية استنادًا إلى قول الحق تبارك وتعالي في القرآن الكريم: “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً”(البقرة: 30) في هذا الكتيب، أكد سيد بك على أن هذا اللقب قد منحه المسلمون لقائد الدولة؛ وبعد أن أكد على أن الخلفاء الراشدين (الخلفاء الأربعة الأوائل) قد تم انتخابهم بطرق مختلفة، وأثبت كيف أنه سيكون من المستحيل تحويل طريقة الانتخابات مرة أخرى إلى نظام واحد. وقد أطلق عليهم اسم “الخلفاء الحقيقيون”، لأنهم قاموا بواجباتهم في إطار معايير العدل والتقوى.”

“وقال سيد بك إن الخلافة الحقيقية كانت ممثلة من جانب هؤلاء الخلفاء؛ وبالتالي، وبطريقة ما قال سيد بك إن الذين تبعوهم من الخلفاء يمكن أن يطلق عليهم اسم “الخلافة نَسبيا”، كما قال النبي ﷺ “الخلافة من بعدي ثلاثون سنة.” (أخرجه أبو دواد) وقد انتهت مدة خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والتي استمرت لمدة ستة أشهر. وفي رواية أخرى ضعيفة “إذا كنتم على الطريق المستقيم فإن الخلافة ستستمر لمدة 70 سنة. ومن ثم قال النبي ﷺ “ثم يكون بعد ذلك ملك وملكية” ثم قال ” ثُمّ تكون مُلكًا عضوضًا.” وبعبارة أخرى، ما قاله سيد بك إنه: إذا لم يكن هناك خليفة يتم انتخابه بأغلبية أو من قبل أصحاب الرأي ومن يحافظ على المثل العليا للخلافة والوفاء والقيام بواجبات الخليفة الحقيقي، ثم ما إذا كان أو لم يكن هناك خلافة فهذا أمر نسبي.

“لقد ألغيت الخلافة، وكان يُنظر إليها على أنه يتم الحفاظ عليها في ظل وجود البرلمان؛ ولم يعترض أحد على هذا الادعاء. ما يهم هو الممارسة الدقيقة لتعاليم الإسلام ومبادئه؛ وليس من الصواب التركيز على الموضوعات التاريخية ذات الأهمية الثانوية من أجل إثارة الجدل. وهذه المسائل متاحة دائمًا للنقاش؛ وإذا ركز بعض الأخوة من المسلمين على هذه المسألة، فإنني لا أعلم من يحرضهم على ذلك. هل يمكنك القول بأنه قد كان هناك خلافة بمعناها الحقيقي خلال عهد الأمويين والعباسيين؟ هل كان يزيد أو الوليد يمثلان الخلافة بشكل صحيح بحيث يتم المطالبة بتطبيقها في الوقت الراهن؟ هل إثارة مثل هذه المناقشات، سواء كانت متعمدة أو غير ذلك، يمكن أن تكون شيئًا يقوم به أولئك الأشخاص الذين لا يطبقون الإسلام من أجل إخفاء نقائصهم وعيوبهم؟

وأضاف “إذا طرحت هذه المسألة (الخلافة) وطبقت في تركيا، وباكستان، وإندونيسيا أو دولة أخرى، فسوف تعارضها الدول الأخرى؛ ويرجع السبب في ذلك إلى تأسيس الدول القومية وقد أعلنت كل هذه الدول استقلالها” (صحيفة ميليت، 24 يناير 2005).

نحن ورثة الإرث الثقافي الغني…مهمتنا هي تقييم هذا الفكر مرة أخرى وجلبه لآفاق جديدة، والتعبير عنه بصوت مرتفع وواضح في المنصات التي يمكن الاعتراف به فيها لصالح البشرية جمعاء.

الأصولية والتعصب الديني والتعصب العلماني

يعد مفهوم الأصولية من المفاهيم الأخرى التي تميز المناقشات حول الإسلام والديمقراطية. في مقابلة أجراها كولن مع مراسل صحيفة لوموند الفرنسية نيكول بوب في عام 1998، يربط كولن الأصولية في الدين بالأشكال الأخرى للاضمحلال والتدهور في المجتمع: “عندما كانت الإمبراطورية الرومانية في مرحلة تدهور وأفول، كان للمؤسسات الأخرى، مثل الطرق الصوفية ومقرات الدراويش والمدارس الدينية، نصيبها من هذا التدهور والاضمحلال أيضًا؛ فقد أصبحت هذه الجماعات عاجزة عن أداء مهامها الحقيقية. كما حدث نفس الشيء في الجيش أيضًا كما تعامل الإنكشاريون مع كافة الابتكارات والإصلاحات، بل وفي بعض الأحيان كانوا يأخذون المدارس الدينية في طريقهم؛ وباختصار، كان لكافة المؤسسات نصيبها من حالة التدهور العام الذي حدث للعثمانيين: الجيش، والأكاديميين، والجماعات الدينية التي كانت في السابق هي القوى الدافعة وراء نشأة وازدهار الدولة. يمكن أن يحدث الشيء نفسه في الوقت الراهن، وبما أن التدهور والاضمحلال قد حل بالطرق الصوفية، وكما نشهد في الوقت الحالي، يمكن أن يحدث في مدارس الخدمة المدنية وفي بعض المؤسسات الحيوية الأخرى.”

وفي سياق تأكيده على الأصولية الدينية، يشير كولن أيضًا إلى وجود التعصب ضد الدين: “يمكن أن يقول البعض إن التعصب قد ظهر في البلاد بعد فترة معينة؛ وكما كان هناك أفراد شاركوا في التعصب الديني، كان هناك أيضًا أفراد شاركوا في أعمال التعصب ضد الدين” ( يني يوزيل، 21 يوليو 1997).

وأخيرًا، دعونا نلقي نظرة على رد كولن على سؤال هام يتعلق بتركيا خلال مقابلة أجراها مع صحيفة نيويورك تايمز في عام 2010: “ينبغي أيضًا مناقشة مسألة تأسيس الديمقراطية التي تستجيب للاحتياجات الروحية للإنسان، وهي تلك الروح التي لن ترضى وتشعر بالنعيم إلا برضا الله تعالى ووعد الحياة الأبدية في الآخرة؛ ويمكنك إن شئت أن تطلق عليها “الديمقراطية ذات البُعد الروحي”، ويعني ذلك أنها تلك الديمقراطية التي تتضمن احترام حقوق وحريات الإنسان وتكفل حرية الاعتقاد، وتهيئ في الوقت ذاته بيئة يمكن للناس فيها ممارسة معتقداتهم بحرية واختيار نمط حياتهم حسب ما تمليه عليهم ضمائرهم.”

“وعلاوة على ذلك، فهذا يعني تلك الديمقراطية التي تساعد الناس على إشباع رغباتهم فيما يتعلق بالحياة الأبدية في الآخرة؛ وينبغي أن نبحث عن سبل لتوسيع آفاق الديمقراطية وإضفاء الطابع الإنساني عليها بهذه الطرق. وينبغي أن تتعهد الديمقراطية المثالية والحقيقية بتلبية احتياجات الإنسان التي تتعلق بالخلود والأبدية بقدر ما تتعهد بحل مشاكل الحاضر والمستقبل. إن ديمقراطية من هذا القبيل وحدها هي التي يمكن أن تتطور إلى ديمقراطية مثالية، ولكن للأسف لم تصل البشرية إلى هذا الأفق حتى الآن” (مقابلة أجراها مراسل صحيفة نيويورك تايمز براين نولتون، وتم نشر جزء من هذه المقابلة في الصحيفة بتاريخ 12 يونيو 2010).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) الترجمة عن الإنجليزية: د. بدران حامد.