لم تشرق الشمس بعدُ في أفق موسكو.. رفع رأسه عن فراشه وفي صدره ضيق لا يعرف مصدره. حاول أن يستجمع ذهنه ولكن.. نهض ببطء واتجه إلى حيث المغسلة يريد الوضوء.. ولما قُضيت الصلاة انصرف زملاؤه إلى غرفهم إلا هو، إذ كان دوره في الطبخ وإعداد الطعام. دخل المطبخ.. أمسك سكينا وجعل يقشر بها البطاطة، والضيقُ مازال يلازم نفسه.. وإذا بنواقيس كنيسة “سانت باسيل” تدق من بعيد.. فقد لمعت في رأسه صورة جامع السلطان أحمد.. ذكر الأذان الشجي الذي يعلو في سماء إسطنبول كل صباح.. ذكر صوت المؤذن “صارِيجا حافظ”، الصوت الندي الذي يجعل الإنسان في قمة الخشوع.. مرت في رأسه الصور واحدة تلو الأخرى.. الناس يجيبون الدعوة الربانية ويدخلون المساجد أفواجا أفواجا.. فسرعان ما اختلط الضيق بشوق ملتهب.. تنهدات أخرجها من أعماق صدره.. آه أيها الوطن الحبيب!.. ما أجملك.. وما أجمل تلك اللحظات فيك!.. وفجأة تبادر إلى ذهنه صورة العجوز “أَلِينا” التي ساعدها البارحة.. كم كانت سعيدة عندما فارقها، إذ كانت بادئ اللقاء حزينة مغمومة.. وكيف هي الآن يا ترى؟.. قرر أن يزورها ويطمئن عليها.. ترك تأملاته وأعد مائدة الفطور ثم أيقظ زملاءه.. وبعد أن ذهب الكل إلى جامعاتهم.. التفت إلى صديقه أحمد وقال برفق:

– ما رأيك أن تزور معي عجوزا روسية تعرّفت إليها البارحة؟..

المدينة تزدحم بالضوضاء والحركة.. أبواق السيارات والحافلات وأجراس الترام.. لا يكاد أحد يلتفت إلى الآخر، كل في عالمه الخاص به.. وامرأة عجوز بين هذه الحركة والضوضاء، تتوكأ على عصا بيد وتحمل أكياس خضروات وفاكهة بيدها الأخرى.. تمشي بصعوبة وتترنح موشكة على السقوط، تلتفت بين الحين والآخر يمنة ويسرة باحثة عن من يساعدها.. فألفت شابا جميل الهيئة يبدو على سيماه الإشراق والطيب، يجري صوبها.. ولما اقترب منها قالت:

– هلا ساعدتني يا بني..

ابتسم ابتسامة لطيفة حنونة وحمل عنها الأكياس على الفور.. أخذ يسير معها الهوينا على الرصيف.. وعندما وصلا إلى حديقة صغيرة طلبت منه أن يسمح لها بالاستراحة.. ألقت بجسدها المكدود على مقعد من مقاعد الحديقة.. لمح سيماء الألم يرتسم على وجهها النحيل الشاحب، وعيناها المبللتان تعبران عن الحزن الدفين في صدرها.. بعد لحظات..

– ما اسمك يا بني، ومن أي بلد أنت؟

– اسمي مصطفى، من تركيا..

– من تركيا!.. وما الذي جاء بك إلى هنا؟!

– جئت لأكمل دراستي في إحدى جامعاتها..

– ألم تجد في غير هذه البلاد بغيتك؟

– القدر يا عمة، القدر..

وإذا به يبتدرها بالكلام:

– وأنت يا عمة؟..

كأن هذا السؤال أهاج مكنونات صدرها.. فقالت والأسى يقطر من نبراتها الحزينة:

– أنا يا ولدي.. اسمي “ألينا” أقاوم الحياة بكل قساوتها ومتاعبها كما ترى.

صمتت هنيهة ثم بدأت تقص له حكايتها المأساوية المرة.. كان ابنها الكبير وزوجته يظلمانها ويهددانها دائما بالطرد إن لم تقم بتنظيف المنـزل وغسل الملابس وجلي الأواني وتذهب إلى البازار لشراء الفاكهة والخضروات وما سواهما.. مس الحزن شغاف قلبه وشعر بألم شديد يعتصر فؤاده:

– هوني عليك يا عمة..

قالها مصطفى ولم يجد كلمة يردف بها.. أطرق رأسه، وأخذ يجول ببصره الأرض.. فرأى قطعة خبز ملقاة على الأرض، فمد يده ورفعها ثم قبلها ووضعها جانبا.. كانت العجوز صامتة تراقب حركاته باستغراب ولم تستطع تفسير ما ترى!.. التفتت إليه وقالت وقد نسيت آلامها وهمومها:

– أيها الشاب.. واضح أنك إنسان طيب.. ولكن قل لي، ما الذي دفعك إلى رفع قطعة الخبز عن الأرض وتقبيلها ثم وضعها في مكان مناسب!؟.. ثم ما الذي دفعك إلى مساعدة امرأة لم تكن تعرفها ولم تكن التقيت بها من قبل؟!.. وأبناؤنا يرمون ليس الخبز فحسب، بل آباءهم وأمهاتهم في الشوارع بلا رحمة ولا شفقة!؟..

ابتسم مصطفى ابتسامة باهتة:

– المحافظة على النعمة أمر له قدسيته في ثقافتنا يا عمة.. ومساعدة الآخرين واجب لابد أن يقوم به كل إنسان.. وقد حثنا ديننا الحنيف على ذلك..

– دينكم الحنيف! وما هو دينكم؟

– إنه الإسلام يا عمة؟ الدين الذي يأمرنا بالحب والصفاء والرحمة والتسامح..

وراح يقص لها كل ما لديه من معلومات عن الإسلام..كلمات لم تسمع بها من قبل أبداً.. سألته وقد بدا الاهتمام على ملامحها:

– وماذا يقول دينكم عن كباركم وآبائكم وأمهاتكم؟..

– يقول ما قاله لنا معلّمنا ومربّينا..

– معلمكم ومربيكم!؟..

– نعم يا عمة، إنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، الذي بشر به موسى وعيسى والأنبياء أجمعين.. يقول: “لولا شيوخ ركع، وصبية رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم البلاء صبا”. فأنذرنا وفي الوقت نفسه حضّنا على الطاعةِ والاحترامِ لكبارنا وشيوخنا وعلى الحب والعطف والحنان على صغارنا..

كانت “ألينا” تصغي إليه بدقة متناهية.. وتحاول فهم ما يقوله من كلمات.. استطرد مصطفى:

– ثم ربنا سبحانه وتعالى يأمرنا في كتابنا المقدس ببر الوالدين؛ أن لا نقول لهما حتى “أف” ولا ننهرهما، وأن نقول لهما قولا كريما، ونخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وأن ندعو لهما بـ “رب ارحمهما كما ربياني صغيرا”.. تربّينا على هذه الثقافة يا عمة.. ثقافة: “رضى الرب برضى الوالدين، سيما رضى الأمهات التي جُعلت الجنة تحت أقدامهن”..

الجنة!؟.. كلمة أخرى لم تكن تدري معناها..

– وما هي الجنة؟..

– الجنة هي الرياض والبساتين والحدائق التي أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين.. فيها العنب والزيتون والرمان وكل ما تشتهيه الأنفس من الثمرات.. هي دار الخلود والكرامة، فيها من النعيم المقيم الأبدي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر..

امتلأت عينا مصطفى بالدموع فجأة إلا أنه استجمع نفسه.. تنهد بهدوء ثم تابع..

– نعم يا عمة، الجنة.. فكما أن بعد كل ظلام نورا، وبعد كل ليل صبحا، وكما أن كل ضيق وحزن يتبعهما رخاء وفرح، فكذلك الحياة الدنيا، فإنها سوف تنتهي وتزول يوما بمتاعبها وهمومها، وتنتهي إلى الراحة والرخاء والخلود..

خفق قلبها خفقات حلوة النغم وشعرت بلذة عارمة.. كأن الأيام التعسة بكل ما فيها من يأس وعذاب تحولت إلى راحة واطمئنان..
– وكيف يمكنني أن أعتنق هذا الدين يا ولدي؟..

– يكفي أن تقولي “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله”..

راح مصطفى يكررها و”ألينا” تحرك شفتيها بعده، طلبت منه أن يكتبها على ورقة بالأحرف الروسية حتى تحفطها.. ابتلعت ريقها بدأت تحاول قراءتها:

– أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله..

شعرت بنور الإيمان ولذته في قرارة نفسها فجأة، وتهلل وجهها فرحا.. تدحرجت الدموع الباردة على خديها دون إرادتها.. هاهي السعادة التي كانت تبحث عنها ليل نهار.. اعتصمت بالصمت لفترة طويلة.. ثم نهضت وحملت الأكياس بنشاط وهمت بالذهاب..

– لا أعرف كيف أعبر لك عن شكري وامتناني يا ولدي.. فأنا مدينة لك.. أعدتَ إليّ حلاوة الحياة التي افتقدتها زمانا طويلا.. أشعر وكأني ولدت من جديد يا ولدي.. أنتَ قمتَ بالواجب وساعدتني بما فيه الكفاية شكرا جزيلا.. والآن اذهب ولا تتأخر عن جامعتك.. بيتي خلف هذا المبنى، لا بد أن تزورني.. لا تنساني أرجوك.. إلى اللقاء..

هاهو ذا يسير وأحمد في صمت على نفس الطريق التي سار عليها البارحة.. ولكنه بشعور غريب مختلط هذه المرة، وما زال الضيق الذي انتابه في الصباح يلازمه خطوة خطوة. أراد أن يشغل أفكاره بشيء يبدد به هذا الضيق فدخل دكان أزهار واشترى باقة ورد ليقدمها إلى عمته “ألينا”.. وقف مع صاحبه أمام منـزلها وراح يجول بنظراته في جنبات المبنى.. عاودته اللحظات القصيرة التي أمضاها مع العجوز “ألينا”.. اللحظات التي كانت أغلى ما في الدنيا وما عليها.. تذكر حديث أسوته صلى الله عليه وسلم “لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من الدنيا وما فيها”..

وضع مصطفى باقة الورد على القبر وراح يقرأ سورة الفاتحة فاتحا يديه إلى السماء، وفي جانبه صاحبه أحمد و”أوليك”حفيد العجوز “ألينا”.. وبينما هو يدعو شرع “أوليك” يحكي عن حادث السيارة الذي أدى إلى وفاة جدته “ألينا” والدموع تنساب من عينيه:

– قيل لي، إنها عندما كانت تقطع الشارع حاملة أكياس الفاكهة والخضروات، ضربتها سيارة هوجاء وقذفت بها إلى الجانب الآخر من الشارع.. فسارع مَن سارع لطلب النجدة، وأُخذت إلى المستشفى.. كنت إلى جانبها طوال الليل، كانت تردد اسمك يا مصطفى دائماً وتكرر كلمات لم أكن قد سمعتها من قبل ولم أدرك معناها.. وقبل شروق الشمس..

تعقدت الكلمات في فم “أولِيك” وأجهش بالبكاء.. تنهد مصطفى ثم قال في صوت خافت لا يكاد يُسمع متذكراً الكلمات التي قالتها “ألينا” عند فراقه: “أشعر وكأني ولدت من جديد يا ولدي”..

– رحمك الله يا عمة “ألينا” وأسكنك جنانه.. حقا إنك وُلدتِ من جديد، فطوبى لك!..

فلم يستطع يتمالك نفسه أكثر وترك دموعه تنفجر بغزارة بللت تربة القبر.. وإذا بـ”أوليك” يمد إليه ورقة ويقول..

-وجدتُ هذه الورقة بيدها، قابضة عليها بشدة..

إنها الورقة التي كتبها لها: “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله”..
_________________
(*) الترجمة عن التركية: نور الدين صواش. وهي قصة حقيقية وقعت في روسيا.