من المعلوم تاريخيًّا وحضاريًّا ووجوديًّا وفاعلاً حيويًا، أن الإسلام دين العزة والمجد والبناء الفردي والمجتمعي، وأنه رسالة النهضة الشاملة للعلم والثقافة والمدنية والحضارة وبناء الإنسان والأمة والمجتمع. فهو رسالة خالدة على مدى الزمان، لإنقاذ الإنسان وتنمية المجتمع والدولة تنميةً ثقافيةً وعلميةً، ولإسعاد الفرد والجماعة، وتعبر عن ذلك الآية القرآنية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال:24). والإحياء -بالمعنى العام- هو الشامل للوجود الرفيع في جميع أطياف الحياة؛ المدنية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

هذه مبادئنا وإرشادات قرآننا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وستظل منادية في كل زمان ومكان، أن الإسلام هو طريق الحياة الصحيحة والقويمة في عالم الغيب والشهادة، وفي الوجود الدنيوي والأخروي، سواء حقق المسلمون هذه المبادئ أم تخلّفوا وغفلوا عنها، لأن الصحوة أو اليقظة لابد من الصيرورة إليها، بعد الشعور بالمشكلات أو الوقوع في الغفلات والأزمات.

ويهيئ الله تعالى في كل زمان ومكان، مَن يوقظ الأمة ويعمل على تصحيح رسالتها، ويحقق تطلعاتها بأساليب مختلفة. فقد تتوافر الفرصة لقائد فذّ يقود الأمة بحكمة وحزم، وقد يقوم مصلحون بهذه المهمة فيعمل بصمت وتخطيط لإنقاذ الأمة وتحقيق الطموحات المنشودة والتطلعات الرشيدة. ولا شك بأن مصدر الأعمال العامة، إنما هو الإيمان المستنير، والإرادة الفولاذية، والعزيمة القوية، والفكر والعقل الذي يتأمل صاحبه في آفاق الحياة، فيندفع إلى التخطيط والتنفيذ والعمل الجبار بكل إخلاص ومصداقية، لا همَّ لرجالاته إلا رضوان الله عز وجل وصناعة التاريخ.

وفي طليعة هذا كله، نجد في تركيا مثَلين فريدين في توعية الأمة وصمودها في وجه التحديات -الصادرة من أناس يكيدون للإسلام وأهله- يعملون على تحقيق طموحات في بناء الأجيال والمستقبل المشرق الوضاء.

أول هذين المثَلين، هو العلامة الملهم المفكر الأستاذ بديع الزمان “سعيد النورسي” -رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه- الذي ملأ الساحة العلمية والفكرية والاجتماعية، بفلسفته العميقة النابعة من أصول الإيمان والإسلام، فعلّم وأرشد، ونبّه وأيقظ، وخطط فأنجح، وسرت تعاليمه في عقول الآلاف المؤلفة من شعب تركيا، وأغنى الساحة بمؤلفاته “رسائل النور” الجامعة لكل متطلبات الحياة الصحيحة والمسيرة الظافرة.

والمثَل الثاني، إنما هو الرجل المخطِّط والمنفِّذ لكل خطة، ألا وهو الأستاذ “فتح الله كولن”. فهو -كما لمستُ من آثاره القيمة وتوجيهاته الهادئة- وراء كل عمل خيّر عظيم، وفضل عميم في نفع أمته، وبناء شخصية الجيل والشباب، بطاقات عملية وأنشطة حيوية مفيدة جدًا ورائعة، شملت أنحاء الحياة كلها؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعرفية والعملية الهادفة، المتميزة بالحركية الفاعلة، والديمومة الناجحة من معين الإسلام الخالد. فهذان الرجلان قدوة عملية طيّبة في الوقت الحاضر والمستقبل.

فالإسهام من نخبة متميزة تعمل في حقل التوجيهات العملية التي تنبع من أصول الإسلام وإرشاداته، حقّقت الكثير من النجاحات في تقدّم المجتمع التركي المسلم وغيره، بجميع أطيافه وفئاته منذ ستين عامًا. أما الإسهام العلمي “لشباب الخدمة” في تركيا -محبّي الأستاذ- فهو رائع ومتميز، حيث أشادوا في البلاد غير التركية أكثر من ألفي مدرسة، بالإضافة إلى إقامتهم في تركيا المدارس بدءًا من دور الروضة أو الحضانة إلى المدارس الإعدادية والثانوية والجامعية في الاختصاصات العلمية؛ من فيزياء وكيمياء وطب وحقوق وتربية وغيرها…

إن هذه الأنشطة الحساسة والمهمة كلها، تعبّر عن فكرٍ بنّاء وتخطيطٍ مستقبلي محكم، ومنها إصدار العديد من المجلات كمجلة “حراء”، أما شباب الخدمة، فهم في حركة دائمة ونشاط لا يعرف الفتور مع الإخلاص والتواضع والأدب الجم والخلق الرفيع والزهد والعفة. وقد حضرتُ مناشط كثيرة، فلم أجد مثل مكارم تلاميذ الأستاذ فتح الله كولن أطال الله في عمره. وأقول باختصار: “إنهم رسل الخير والدعوة والإنسانية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.