إن الأفكار التي اقتنع بها فكر الحركة الإصلاحية لمدرسة الأستاذ فتح الله كولن اعتمدت على أسس معرفية تربوية، عمادها أن النهضة المجتمعية الحقيقية لا يمكن لها أن تتمكن من النفوس، وأن الإصلاح التعليمي التربوي لا يمكن له أن ينغرس في القلوب، إلا إذا قام على ثلاث قواعد نظرية أساسية ومتينة، وعمل بالتوازي على جبهات تربوية اجتماعية ممتدة الآفاق:

  • “الإصلاح التربوي التعليمي” لمحاربة الجهل وتنوير الجيل الصاعد معرفيًّا.
  • “الإصلاح الاقتصادي” بتشجيع مشاريع تنموية لمحاربة الفقر.

إن شعار فكر الأستاذ فتح الله كولن هو “تقديم مصلحة المجتمع الكبير على مصلحة الفرد الذاتية”، لذلك لم يفكّر في الزوجة والولد، لكنه أنجب من صلب هذا الشعار جيلاً كاملاً من الأبناء والبنات، أهدوا فلذات أكبادهم لرعاية رسالة التعليم في بقاع العالم، وأوفدوهم إلى أدغال إفريقيا ومناطق بؤر التوتر والقصف منذ زمن بعيد، فقدموا فيه الغالي والنفيس لبناء مدارس تؤدي رسالتها التعليمية التنويرية للعالم.

  • “الإصلاح الديني الاجتماعي” بنشر سبل المحبة ونزع فتيل الفرقة والاختلاف لرعاية الجيل الراهن.

هذا الوضوح في الرؤيا لدى أقطاب الحركة الإصلاحية التربوية للخدمة، ورسوخ هذه القناعة لدى رائدها  الأستاذ فتح الله كولن، كان يقتضي النزول من الأفق النظري للميدان التطبيقي منذ الستّينات من القرن الماضي، حيث انبرى جهد الرواد الأوائل -وبإمكانات متواضعة- لدعم إنجاح مشروع نهضوي تعليمي قيمي، أفرغوا كافة طاقاتهم عبر سنوات وعلى امتداد مئات دول العالم، في سبيل بناء أفق معرفي رائد للجيل الصاعد، وإعداده معرفيًّا وتربويًّا، لتحمل مسؤولية الإصلاح الاجتماعي المنشود، إصلاح إستراتيجي متزن يجمع بين التربية والتعليم، وبين العلم والعمل، وبين حياة الفرد وتعلّم قيم الحياة والمسؤولية الاجتماعية في خدمة الإنسان محور الكون… حياة يقبل فيها الأستاذ هجران ملذات متعة الدنيا من زوج وولد، ويستقبل فيها التلميذ تضحية أستاذه ببر البنوة الصادقة، فيترك الأحباب والأهل والبلد ويهاجر طائرًا محلّقًا في سماء ضياء المعرفة، ويحط رحاله وترحاله بدول نائية تنعدم فيها سبل الراحة، ويصعب عليه التأقلم في محيطها البعيد عن أجواء الألفة والرفاهية التي وفّرت له بين أهله وأحبابه… ومع ذلك يواصل مرابطًا صابرًا معتكفًا في محراب بيت التعلم وصناعة حرفة التعليم الراقي.

هكذا نمت وترعرعت مدارس الخدمة التي تعب روادها قبل أزيد من ستين سنة على بناء هياكلها وتطوير برامجها وضبط مناهجها وإعداد الكوادر لها. ركّزوا جهودهم وطاقاتهم في معاهد الحياة بتعمير الآلاف من بيوت الطلبة الخالية من الدفء الأُسَري بدفءٍ تربوي، فكانت محضنًا لإعداد باكورة المشاريع التربوية الخيرية التي أخرجتها الحركة الإصلاحية لمناهج مؤسسات الخدمة إلى الوجود، شعارها في ذلك “المحبة” و”السلام”، والبعد عن المناصب والأضواء والسلطة. لقد استوعب فكر الأستاذ فتح الله كولن -منذ زمن بعيد- أن إصلاح الأوطان لا يمكن أن يتم إلا بالعلم والمعرفة الراقية المبنية على القيم الأخلاقية، فدرج في سبيل مشروعه كل إمكاناته، وضحّى من أجل تحقيقه على امتداد فترات المخاضات السياسية بكل عزيز وغال.

مدارس الخدمة امتدّت آفاقها حول العالم، نظرتُ إلى هذا الجيل داخل تركيا وخارجه نظرة إشفاق وحب وأمل، حملتُ شعار فلسفة الأستاذ فتح الله: “قيمة الفناء في حب الله لا تتحقق إلا بالفناء في خدمة عباد الله”. فانطلق سِرب الطير المحلق نحو الأفق الممتد حاملاً هذا الشعار الإنساني الكوني، وتعهد على نفسه بحمل أمانة إصلاح جودة التعليم في تركيا عبر تأسيس آلاف من المدارس، بدءًا من الحضانات والإعداديات والثانويات إلى الجامعات فالمعاهد ومؤسسات البحث، وعلى رأسها عناية الاهتمام الفائق ببيوت الطلبة محضن الاستثمار الإنساني المغفول في بعض بلداننا، ثورة تعليمية حققت نموذجًا ناجحًا في تركيا وخارجها بما اعتمدته من مناهج تقوم على أسس العلم والفضيلة والمحبة. ومن خلال تتبّعنا لقراءة محطات المسيرة التربوية التعليمية للحركة الإصلاحية لفكر الأستاذ فتح الله كولن، نستطيع أن نحدد جهودها في المجالات الآتية:

  • توعية الناس بأهمية التعليم لإلحاق أبنائهم به وتمكينهم من جودة التعليم الراقي بالصحبة التربوية.
  • الدعوة إلى الإنفاق على التعليم بـ”الهمّة”، لأجل بناء المدارس وإيواء الطلبة وصرف أجور المعلمين.
  • بناء المدارس العصرية النظامية الحرة في تركيا وخارجها وفق اعتماد منهج “الزمر”، والتميز البيداغوجي في أكثر من 160 دولة.
  • تطوير مناهج التعليم بشقَّيه العلمي والتربوي في مقررات الابتدائي والثانوي محضن الموارد البشرية.
  • إنشاء معاهد ومؤسسات إغاثية خيرية في مختلف بقاع العالم.
  • إرسال البعثات العلمية من الطلاب إلى الخارج والعناية بها دعمًا بالمنح، وبيوت السكن، وتأطيرها معرفيًّا وتربويًّا.
  • إنشاء الجمعيات الخيرية الاقتصادية المساندة لمسيرة التعليم بمستوياته المختلفة في تركيا وخارجها.

لقد استوعب فكر الأستاذ فتح الله كولن -منذ زمن بعيد- أن إصلاح الأوطان لا يمكن أن يتم إلا بالعلم والمعرفة الراقية المبنية على القيم الأخلاقية، فدرج في سبيل مشروعه كل إمكاناته، وضحّى من أجل تحقيقه على امتداد فترات المخاضات السياسية بكل عزيز وغال.• كسب ثقة جمهور واسع من النخب المثقفة في العالم العربي، المعتزة بالنموذج الحضاري، وبكل إنجازات أطيافه الإصلاحية بعيدًا عن سياقات الصراعات السياسية.

  • تكوين ناشئتها على قيم البعد الاجتماعي العملي، وحب الوظيفة الاجتماعية التي تنتظرهم بتقاسم تسلسل الأدوار.
  • تعزيز قيم النشاط التطوعي داخل صفوف الطلاب في مدارس الخدمة، وتربيتهم على حب العمل التطوعي التسلسلي لتبادل الأدوار في النهوض بتنمية الحياة الاجتماعية العامة التي كان لها الفضل في تكوينهم وتربيتهم وتعليمهم.

إن شعار فكر الأستاذ فتح الله كولن هو “تقديم مصلحة المجتمع الكبير على مصلحة الفرد الذاتية”، لذلك لم يفكّر في الزوجة والولد، لكنه أنجب من صلب هذا الشعار جيلاً كاملاً من الأبناء والبنات، أهدوا فلذات أكبادهم لرعاية رسالة التعليم في بقاع العالم، وأوفدوهم إلى أدغال إفريقيا ومناطق بؤر التوتر والقصف منذ زمن بعيد، فقدموا فيه الغالي والنفيس لبناء مدارس تؤدي رسالتها التعليمية التنويرية للعالم.

لقد وضع الأستاذ فتح الله كولن سياسة واضحة المعالم للنهوض بالعملية الإصلاحية التربوية التعليمية، ورسم لها خطة محكمة الجوانب، مضبوطة الخطوات والمراحل، سطر لها أبناء من حول العالم ربّاهم بفكر استشرافي مستقبلي مبني على حبّ العطاء، وخدمة المجتمع بعناية أبوية رحيمة، حذّرهم من اقتحام النزاعات السياسية، والانصياع لمحركات بؤر الخلافات الحزبية، والانتماءات الأيديولوجية… لم يضع اسمه في اللوائح الانتخابية، ومع ذلك يواجه اليوم بحملات ضغط عسيرة، تنكّرت لعطاءاته في البناء القيمي التربوي للمجتمع، وخنقت مسار إصلاحه في ساحة المنافسة السياسية، ليؤدي ضريبة موضوعها -أعداد ضخمة من الأصوات في حوزته ينبغي أن توجه- ولعل هذا التوجيه المؤطر بثنائية الفقيه والسلطة، يعد الحلقة المهمة والمرحلة النوعية في هذه الظرفية من التطويع السلطوي للمثقف.

العلم في حد ذاته عبادة ينبغي أن يتوجه إليها المسلم بنية صافية طالبًا فيه رضى الله وحده. والعلم وسيلة لغايات نبيلة يخدم بها المتعلم نفسه ويخدم غيره؛ فهو يخدم نفسه بتثقيف عقله وتنوير ذهنه وتربية نفسه، ومن خلال كل ذلك يعد نفسه لخدمة غيره في مجالات الإصلاح الخيرية على كافة المستويات معرفيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا. لكن سننية التاريخ الإصلاحي تشير إلى تعرض العديد من مشاريع الفكر التجديدي لمحن تحديات داخلية وخارجية. وقد جاء على لسان الطاهر الحداد قوله مثلاً في وثيقة “التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة”: “قد كان العلامة ابن خلدون من هؤلاء الأفذاذ الذين كانوا جواهر منتشرة في تاريخ الإسلام، لكنه -كأمثاله- قد كان مبغوضًا من الفقهاء في بلاده تونس وغير بلاده”. لكن هذه المحن لم تقف عائقًا في سبيل تحقيق رواد الإصلاح لمشاريعهم الفكرية والتنويرية، ولم تمنعهم من التراجع والتردد أو التأخر والتولي عن عالم أفكارهم، عالم حلموا به وتيقّنوا -وهم يحرزون نجاحات جوائز الإبداع والتميز في الاختراع والعلوم- أنه عالم سينقلهم من الفقر والجهل المسببين للفرقة، إلى عالم سيمكّنهم من تنشئة الجيل المنشود الذي يستطيع أن يحمل مشعل الحضارة، ويقضي على التخلف والجهل، ويدرك معاني قيمة وحدة ومصلحة خيمة الوطن لبناء أركان المجتمع التنموي الأصيل بقيمه، والمعاصر بتطلعاته نحو التقدم.

إن نداء أهل الحكمة ينبغي أن يرفع صوته عاليًا اليوم، وفي ظل سحابة صيف ستمضي بردًا وسلامًا بإذن الله ليقول: “أيها المصلحون بشتى توجهاتكم الفكرية وانتماءاتكم السياسية والحزبية… اقتحموا ميادين الإصلاح لبناء نهضة بلدانكم، وادخلوا بها في عالم المنافسات الحضارية العالمية، فضوا مشاكل البيت الواحد بالحلول الأخوية السلمية، حكّموا منطق موازنات مصالح أمّتكم، واجهوا الخلافات بمنطق العدل والحكمة والتراحم عند الاختلاف… فإنكم بذلك تفرضون وجودكم، وتعرفون بقيمة أنفسكم وعطاءاتكم، وتحملون الناس على احترامكم، فبتعايشكم وبأخلاقكم وبتوادّكم وتراحمكم وتراص صفوفكم تعلّمون دروس الوطنية وقيم المواطنة الصالحة لأبنائكم، وتؤهّلونهم بلسان المحبة وسموّ الكلمة الطيبة، ليرتقوا أساتذة في شموخ قيم الديموقراطية، ويرفعوا شعار النضال التنموي الحقيقي لنهضة وتقدم أوطانهم”.

المصدر: مجلة حراء العدد: ٤٢